العنوان من الحياة.. معًا نرتقي ببيوتنا «عاشروهن بالمعروف»
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 06-مايو-2006
مشاهدات 92
نشر في العدد 1700
نشر في الصفحة 61
السبت 06-مايو-2006
ما أرحم قول الرحمن الرحيم للأزواج، ﴿وعَاشِرُوهُنّ بِالمَعْرُوف﴾ (النساء: ١٩). ومن حسن معاشرة الزوج لزوجته أن تترفع نفسه وتعف عما في يد زوجته، فما أجمل ما أثر عن نبينا الكريم: «الغنى غنى النفس».. ليت ذلك الزوج ينتبه ويفيق، ذلك الزوج الذي ضعفت ثقته بخزائن الرحمن الملأى، فلم يحسن الثقة برازقه، ونظر بدناءة نفس وشراهة إلى ما في يد زوجته، وأكل مالها بغير حق، فاستولى على راتبها، أكل ميراثها، على غير رضى منها، دون أن تميز نفسه الجشعة بين حلال وحرام.
يا لقسوة هذا القلب الذي لا يرحم.. لقد نسي هذا الزوج رجولته وقوامته.. نعم نسي أنه قوام على زوجته لأنه هو الذي ينفق ويجب عليه الإنفاق.. ضاعت نخوته وشهامته، فظلم المسكينة الضعيفة، بل حرمها من أن تشتري هدية لأمها أو لأختها أو لأخيها من مالها الخاص، بل هددها إذا هي اشتكت أو بكت!!
فليعلم هذا الزوج المسلم أن الشريعة الإسلامية كفلت للزوجة حقوقًا، ومن أهم هذه الحقوق الإنفاق على الزوجة، فإن أدى الزوج هذه الحقوق أمن عقاب الله تعالى، وإن لم يؤدها كان ظالمًا جائرًا.
فالرجل -بحكم الشرع- قوام على زوجته، ورب الأهل بيته، ومن ثم وجب عليه أن يحسن القوامة، وأن يسوس رعيته بلين في غير ضعف، وبحزم في غير عنف، وأن يتأدب في هذا كله بأدب دينه القيم، عملاً بقوله سيحانه: ﴿وعَاشِرُوهُنّ بِالمَعْرُوف﴾ (النساء: ١٩)، وقوله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم، (صحيح الجامع الصغير برقم ١٣٣٢).
إن كثيرًا من الأزواج لا يدركون طبيعة المرأة، ومن ثم يسيئون معاملتها، فالمرأة بطبيعتها خُلقتْ رقيقة الشعور، سريعة التأثر، ثم هي على إحساس كامل بأنها مرؤوسة لا رئيسة، فهي أحوج من الرجل إلى العطف واللين. وهي أقرب منه إلى الغضب، وحصر السيئات وإحصائها على زوجها، كما قال الرسول ﷺ: «إنهن يكفرن العشير»، فمهما صنع زوجها من معروف، ثم زل لسانه أو زلت جوارحه نسيت كل معروف وأحصت الزلات والعثرات وذكرتها، كما أنها أقدر من الرجل على إرسال العبرات، وذرف الدموع، ولذلك كله أوصى رسولنا الكريم ﷺ المسلم خيراً بزوجته لضعفها الذي فطرت عليه، فقال: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا»...
فليكن قدوتك -أخي الزوج- في حسن المعاشرة رسولنا الكريم ﷺ، فقد تحمل نساءه وعاملهن أجمل ما تكون المعاملة، حيث كان صلوات ربي وسلامه عليه يراعي الفطرة التي فطرهن الله عليها.
ومن حسن معاشرة الزوجة احترام ذمتها المالية، وزهد الزوج في مالها إلا إذا ساعدته على أعباء الحياة برضاها، فإن ذلك من قبيل التفضل منها لا من واجباتها، ومن حسن معاشرة الزوج لزوجته أيضاً الإنفاق عليها وإكرامها وفق المنهاج الإسلامي المعتدل المنضبط بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الاسراء: 29)، وقوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67) ما أحوج كثير من الأزواج إلى التأمل في هدي الإسلام المرتبط بهذا الأمر العظيم، لقد نادانا ربنا من عليانه وفي قرآنه: ﴿أَسْكنُوهُن من حَيْثُ سَكَنْتُم مَن وجَدكَمْ ولا تُضَارُوهُن لُتُضَيّقُوا عَلَيْهِنْ﴾ (الطلاق: ٦)، كما أمرنا سبحانه في السورة ذاتها: ﴿لِيُنفِق ذُو سِعَة مِن سِعَته ومن قَدَر عَلِيه رِزقَه فَلْيُنْفِق مِمَّا آتاه اللهُ لا يُكلّف الله نفسًا إلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْر يُسْرًا (٧) (الطلاق).
وفي هذا الهدي أيضاً نصح لأولئك النساء اللاتي يكلفن أزواجهن ما لا يطيقون، ولا يراعون إمكانات أزواجهن، ﴿لا يُكَلِّف الله نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦).
ومن هدي رسولنا الكريم في وجوب الإنفاق على الزوجة وإحسان معاشرتها: قوله ﷺ: «تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» (مسند أحمد ٤٤٦/٤).
ومن ذلك قوله ﷺ: «خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى، واليدُ العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول». قيل: مَن أعول يا رسول الله؟ قال: «امرأتك ممن تعول، تقول: أطعمني، وإلا فارقني، وجاريتك ممن تعول، تقول: أطعمني واستعملني، وولدك يقول: إلى من تتركني»؟ (صحيح البخاري).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: «تصدقوا» فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار؟ قال: أنفقه على أهلك. قال: إن عندي آخر؟ قال: أنفقه على ولدك. قال: إن عندي آخر؟ قال: أنفقه على خادمك. فقال: إن عندي آخر؟ قال: أنت أبصر به.. (أخرجه البيهقي).
وهذا عمر رضي الله عنه يكتب إلى أمراء جنده في شأن الرجال المجاهدين الذين غابوا عن نسائهم، ويطالبهم بالإنفاق على زوجاتهم، فيقول: «إما أن ينفقوا، وإما أن يطلقوا، وإما أن يبعثوا نفقة ما حبسوا».
ومن المشاهد التي اختزنت لدي في اللاشعور ولا أنساها ما صنعه زوج بزوجته عندما طالبته بعد عقد من الزمن احتل فيه ذمتها المالية، ومنعها حتى من شراء خصوصياتها هدايا لأقربائها، فلما تحاورت معه أسفر الحوار عن ضربها بآلة حادة تركت جرحاً كبيراً في رأسها، بيد أن الجرح أصاب مشاعرها وكرامتها، وأبقى أثراً، فجراح الجسد ربما تبرأ وتشفى بأمر باريها، أما جراح المشاعر فهيهات هيهات، لقد بلغ بهذا الزوج القاسي المدعي التدين أن هددها بالطلاق إن هي فكرت في التفوه ببنت شفة لشخص يصلح بينهما!!