العنوان نحو جبهة عالمية في مواجهة وعد بوش وتداعياته
الكاتب محمد خالد الأزعر
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1598
نشر في الصفحة 32
السبت 24-أبريل-2004
رسالة بوش أسست لسياسة «القوة فوق الحق والقانون»
وعد بوش أسقط الادعاء بأن الولايات المتحدة يمكن أن تكون وسيطاً مقبولاً في القضية الفلسطينية
قبل جورج دبليو بوش توالى على البيت الأبيض عشرة من الرؤساء منذ ١٩٤٨ ينتمون إلى الحزبين الجمهوري والديموقراطي، وعلى مدار هذه الفترة لا يمكن وصف واحد منهم بأنه كان منصفًا للعرب أو غير متعاطف مع إسرائيل، أو حتى متوازنًا في سياساته ومواقفه من القضية الفلسطينية، ومع ذلك فإن واحدًا منهم لم يجرؤ على فعلة جورج دبليو تجاه القضية في أبريل ٢٠٠٤م.
بوش قدم وعدًا مكتوبًا إلى إسرائيل ممثلة برئيس وزرائها مجرم الحرب شارون يضمن فيه باسم الولايات المتحدة ألا تنسحب إسرائيل، إلى حدود ١٩٦٧، وألا تؤيد واشنطن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى «الدولة اليهودية». وأن تسمح لهذه الدولة بضم الكتل الاستيطانية الضخمة التي تجاور القدس.
ولمن يدرك أبعاد هذا الوعد نشير إلى أنه برسالة واحدة وجه بوش ضربة قاصمة نال بها أو أراد النيل من كل ما يعرف في مسيرة التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية بقضايا الحل النهائي.. الأصعب والأعقد، والتي ترتبط بها صورة دولة فلسطين إن قدر لها القيام.
وفي تبرير هذا التحول الاستراتيجي ألمحت رسالة بوش إلى أن موقفها يأخذ في الاعتبار الوقائع على الأرض.. وهي باستلهامها لهذا المبرر تكون قد اشتقت سنة، كان يشفق من اجتراحها كل المعنيين بتطورات الصراع الإسرائيلي العربي منذ بدايته سنة جوهرها أن سياسة الأمر الواقع وفرض الحقائق بالقوة على الأرض، يمكن أن تمر وأن تجري شرعنتها وإكراه الآخرين على الاعتراف بها، ولو بعد حين، بغض النظر عن اتساق هذه الحقائق أو المستجدات مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وأصول العلاقات بين الأمم المتحضرة التي أهلكت البشرية قرونًا لبنائها والتأسيس عليها في التعامل الدولي.
هذا التكييف الحقوقي السياسي هو الذي أزعج أطرافًا دولية من الرسالة الأمريكية كأمين عام الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي فضلًا عن منظومة الدول الإسلامية والإفريقية، فإذا كان للفلسطينيين والعرب ما يصدمهم في الرسالة من إنكار لحقوق مشروعة لهم وافتئات على مواقفهم و استخفاف بوزنهم، فإن لدى الأطراف الأخرى ما يدعوهم لرفض الرسالة شكلًا ومضمونًا حتى وإن لم يقم هذا الرفض على مبدأ تأييد الحقوق الفلسطينية أو العربية، وعلة ذلك أن الرسالة تمثل تأسيسًا جديدًا في مبادئ العلاقات الدولية، يقول بأن القوة فوق الحق والقانون مما يرد المجتمع الدولي إلى مراحل بدائية موغلة في القدم والتقادم.
وبالمناسبة، تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التخوف بالذات هو الذي حث المجموعتين الأوروبية والأفريقية على معارضة المنطق الإسرائيلي غداة حرب ١٩٦٧، فقد طرحت إسرائيل فور انتهاء الحرب أنها إنما كانت تدافع عن نفسها، وأن حدودها لم تكن آمنة وأنه من حقها ضم أراضٍ من المساحات التي احتلتها بالقوة آنذاك تعزيزًا لأمنها واستباقًا لمواجهة أي أخطار تحف بها.
يومذاك اعترض الأوروبيون والأفارقة وطائفة واسعة من الدول أعضاء الأمم المتحدة، على هذا المنطق، كونه يفتح الباب واسعًا لإعادة رسم الخريطة الدولية، التي استقرت أوروبيًا بعيد الحرب العالمية الثانية. وإفريقيًا بعيد معارك التحرر من الحقبة الاستعمارية، ومما قيل في ذلك إنه إذا ما أقرت المجموعة الدولية بالمزاعم الإسرائيلية فسوف تنفلت الفتن بين الدول بلا حدود تطبيقًا للمنطق ذاته مما يعرض السلم والأمن الدوليين إلى أخطار لا تحمد عقباها ومن المعروف أن المناظرات بهذا الخصوص أفضت إلى صدور القرار ٢٤٢، بناءً على إقرار أممي جماعي بديمومة مبدأ عدم السيطرة على أراضي الآخرين أو تغيير الخرائط المستقرة بين الدول بالقوة، وهو ما لم تعترض عليه واشنطن منذ ١٩٦٧ وصولًا إلى وعد بوش لا يعني هذا أن المجتمع الدولي أغلق الباب على كل المداخل المتعلقة بتغيير الخريطة الدولية، هو فقط أوصد إمكانية الاحتكام للقوة وموازينها في هذا الإطار، بينما يظل من حق الدول أن تتفاوض وتتراضى حول صيغ أخرى لهذا التغيير بدون إكراه وتلحظ هذا الأمر في عمليات التوحد والتعاون بين الدول وتطور سبل ووسائل التضامن الإقليمي، كما نلحظه في حدوث العكس، عبر نشوء بعض الدول جراء انفكاك بعض الوحدات الاجتماعية العرقية أو القومية عن الأطر التي كانت مفروضة عليها سابقًا -حدث ذلك مثلًا في منطقة البلقان بعد انهيار المعسكر الاشتراكي-.
ونلحظ في الوقت ذاته، أن السياسة الأمريكية اتسقت مع هذا الواقع عالميًا، وشرق أوسطيًا، فهي قاومت بالقوة المفهوم العراقي لضم الكويت عام ١٩٩١، وفعلت الشيء ذاته مع النزوع الصربي تجاه بعض شعوب البلقان.
بل إنها لم تقر المنطق الإسرائيلي بالنسبة للضفة الفلسطينية والجولان ورغم أنها توقفت عند حدود الرفض السياسي والقانوني في هذه الحالة انحيازًا وتعاطفًا منها مع إسرائيل.. إلا أنها لم تترجم هذا الانحياز سوى في رسالة بوش المنكودة.
كانت واشنطن قبل هذه الرسالة تسعى جاهدة إلى جعل التفاوض المصحوب بالميل إلى الجانب الإسرائيلي، مدخلًا لتغيير حدود عام ١٩٦٧، وضغطت ما وسعها الضغط في هذا الاتجاه، لكنها تمنعت عن التصريح بالهدف وعندما أنست من العرب ضعفًا ووهنًا، ومن البيئة الدولية مواتاة لها ولحليفتها إسرائيل ألمحت إلى أنها قد تسعى لإلغاء القرارات الدولية «غير الودية» ضد هذا الحليف، وكان ذلك إنذارًا للفلسطينيين والعرب الذين صاروا مفاوضين بعد مدريد 1991، بأن عليهم التنازل من تلقاء أنفسهم عن بعض ما أقرته لهم الشرعية الدولية ويبدو أن إدارة بوش توصلت إلى عدم جدوى هذه الوسيلة غير المباشرة لتطبيق المنطق الإسرائيلي، فخرجت على الناس بصيغتها الفجة الأخيرة.
من نافلة القول: إن واشنطن بهذه الخطوة لم تعبأ حتى بالتقاليد التي تقيدت بها والوعود التي أسدتها خلال عملية النسوية منذ مدريد وأوسلو فثمة رسائل ضمانات وجهتها إدارة بوش الأب بطريق وزير خارجيته جيمس بيكر تعد فيها الفلسطينيين بألا تجحف مشاركتهم في هذه العملية بمطالبهم تجاه القضايا النهائية.. وعمليًا، أخذت واشنطن بهذا المبدأ أو الضمان خلال العقد الماضي، وكررت في أكثر من مناسبة موقفها القائل بعدم موافقتها على أي إجراءات يضطلع بها المفاوضون من جانب واحد وهكذا فإن -وعد- بوش الابن لحس سياسة أمريكية أعطت المفاوضين العرب جميعًا ذريعة طالما دفعوا بها في وجه معارضيهم، فحواها أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون وسيطًا مقبولًا، حتى وإن شابته بعض العيوب بين العرب وإسرائيل.
لقد أذهبت رسالة بوش هذه الحجة كاشفة بذلك بعض أنصارها العرب ومعرضة مواقف المفاوضين منهم، لا سيما من الجانب الفلسطيني لرياح الغضب الشعبي، علاوة على تعريضها بكل من القانون الدولي والتنظيم الدولي وما يعرف باللجنة الرباعية وتفسيرها الإسرائيلي بالتمام والكمال للقرارات الأممية وفي صدارتها القرارات ١٩٤ و ۲٤٢ و ۳۳۸ و ۱۳۹۷ -الخاص بالدولة الفلسطينية-.
مهم جدًا أن يجري فضح التبعات الأثيمة للرسالة على السلم والأمن الدوليين وعلى المبادئ المستقرة في العلاقات الدولية وسيكون على العرب بهذا الخصوص بيان ما تنطوي عليه الرسالة من سابقة بالنسبة لأراضيهم المحتلة الأخرى الجولان ومزارع شبعا، لكن هذا التوضيح قد يجدر به أن يمتد إلى الأفق الدولي الرحب باعتبار أن أطرافًا دولية أخرى في طليعتها الولايات المتحدة ذاتها، سوف تغري بالاستهداف بمحتوى الرسالة بفكرة تغيير الوقائع والخرائط بالقوة وبتخليق الحقائق ثم البحث عن إقرارها. وهذا نذير شؤم على نطاق أوسع بكثير من الشرق الأوسط ومدار الصراع الإسرائيلي العربي.
وليس بعد هذا الخطاب، سوى البحث عن تكوين جبهة عالمية للدفاع عن القانون والشرعية الدوليين ومبادئ الأمم المتحضرة لانتشالها من مغبة ما يراد بها أمريكيًا وصهيونيًا، وهنا يمكن أن يتخذ المثل الفلسطيني نموذجًا للبداية الصحيحة لجبهة كهذه. بمعنى أن يتضمن الخطاب الفلسطيني والعربي والإسلامي ما يؤكد أن نبذ الرسالة الأمريكية بحق فلسطين إنما هو المدخل الأمثل لنبذ التداعيات العالمية التي ستترتب على هذه الرسالة وأن من يتوخى إثبات الغيرة على عالم القانون والنظام، لا بد أن يبدأ بالغيرة على حقوق الشعب الفلسطيني التي تجبها إدارة بوش وأنه لا مجال للمساومة في هذه المعادلة.
إن خطابًا كهذا سيجد له أصداء كبيرة وأنصارًا كثيرين، هذا ما تشي به المواقف العاجلة لجهات دولية معتبرة من وعد بوش أولئك الذين يقول لسان حالهم إن واشنطن بسياساتها وسلوكياتها ورسائلها المنحرفة لیست هي مصدر اشتقاق القانون والشرعية والتفاعلات الدولية السوية. وإن تطاولت قوتها وانداحت حماقاتها.
صدمة
قال الرئيس المصري حسني مبارك لصحيفة هيوستن كرونيكل إن إعلان بوش أصابه بـ «الصدمة» وكان الرئيس مبارك قد التقى بوش خلال نفس الأسبوع الذي التقى فيه الأخير مع شارون، إلا أنه لم تكن لديه أي فكرة عن أن الرئيس الأمريكي سيتخذ موقفًا مؤيدًا لإسرائيل إلى هذا الحد!.
(*) كاتب فلسطيني