; نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (2) | مجلة المجتمع

العنوان نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (2)

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مشاهدات 52

نشر في العدد 21

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

 دراسة في ثلاث حلقات يقدمها الأستاذ فتحي يكن

 

طَريق التثقيف وبث الأفكار «أو تجربة حزب التحرير الإسلامي»

- الحلقة الثانية

• اعتماد الحركة على قواها الذاتية، وتمكين عناصرها الصميمة من بعض القطاعات الاستراتيجية هو الأسلوب الأقوم والأسلم في تحقيق ما تهدف إليه

 

يؤمن حزب التحرير الإسلامي بأن عملية إنقاذ الأمة مما تتخبط فيه من أمراض وعلل تتم بإعادة ثقتها بصحة أفكار الإسلام وأحكامه، وأن طريقها إلى ذلك ثورة فكرية سياسية تدمر الأفكار الباطلة وتحطم الحكم الفاسد، ولهذا وضع الحزب مجموعة من الكتب والنشرات في شتى الموضوعات، كما أنه يوالي إصدار نشرات فكرية وسياسية بين الحين والآخر، إما بيانًا لحكم الإسلام في مسألة أو تحديدًا لموقف الحزب من قضية.

وآراء الإسلاميين في حزب التحرير مختلفة، فمنهم من يشك في أساس نشأة الحزب وأهدافه وغاياته، فيعتبر أن قيامه لم يكن ذاتيًا وإنما بغرض بلبلة أفكار الناس وتشكيكهم بالحركات الإسلامية الأصيلة التي سبقته، أوعلى الأقل بتشكيك أفراد هذه الحركات بحركاتهم وجماعاتهم.

ويستدل أصحاب هذا القول على ذلك بالغموض الذي يكتنف حزب التحرير والإبهام الذي يحيط بقيادته، كما يستدلون على ذلك بما ورد في مقدمة رسالة «التكتل الحزبي» التي تعدّ كل التجمعات والتكتلات والحركات التي سبقت حزب التحرير فاشلة متناقضة وقائمة على أساس مغلوط، كما يستدلون على ذلك - كذلك بانحصار نشاط الحزب في رصد العناصر الإسلامية العاملة - دون غيرها - ومحاولة امتصاصها عن طريق تشكيكها بانحراف خط سير الجماعة التي تنتسب إليها، وبضعف أفكارها وتباين هذه الأفكار وعدم وحدتها وأخيرًا عدم نجاحها في إقامة الدولة الإسلامية خلال السنوات الطويلة من حياتها، ثم بإيهام هذه العناصر بقوة الحزب وقدرته «السحرية» على إقامة الدولة بسرعة حتى ليخيل إلى بعضهم إنها قامت فعلًا، أو أن قيامها لم يعد بحاجة إلا إلى إعلان، ويقول أصحاب هذا الرأي أن النتائج النفسية المقصودة لهذا الأسلوب الذي يتبعه حزب التحرير هو تدمير نفسية هؤلاء الذين يجتذبهم الحزب لفترة من الزمن ثم لا يلبث أن يلفظهم إما عناصر شوهاء موتورة، ضررها للإسلام أكبر من نفعها، أو عناصر مسيخة معدومة الإنتاج مبلبلة التفكير صدمها الواقع المرير بعد الأمل العريض ومنهم من يعتبر حزب التحرير تجربة من التجارب التي مرت وتمر بالعمل الإسلامي، وأن لهذه التجربة حسناتها كما أن لها سيئاتها.

وأن هذه التجربة أكدت فشلها لعدم بلوغه أهدافها بالسرعة التي حددتها لنفسها والتي سبق أن اعتبرتها حجة على سابقاتها والتي هي اليوم تبررها لنفسها فتقول في إحدى نشراتها الداخلية «سؤال وجواب»: «ومن ذلك يتبين أن ما يبدو من عدم ظهور أي تأثير للحزب بين الناس من حيث الأفكار الإسلامية الأساسية ليس ناتجًا عن خطأ في فهم الطريقة، ولا عن إساءة في تطبيقها، ولا عن انحراف عنها وإنما طبيعة الطريقة نفسها لا تجعل بروز آثارها سريعًا.

وطبيعة المجتمعات ولا سيما المجتمعات المتأخرة فكريًا يكون انتقال الحرارة إليها بطيئًا جدًا أي يكون تأثرها بالأفكار يحتاج إلى المدى الطويل والجرعات القوية.

وأنا لا أود أن أستعرض آراء الناس كل الناس في حزب التحرير وإنما قصدي الاستفادة من دراسة الحزب كتجربة من تجارب العمل للإسلام في العصر الحديث بصرف النظر عن موقف الآخرين منه، سيما وأنه لم يقم أي دليل قطعي يصم الحزب بما يشين تبعيته أو مقاصده، وإطلاق ما يطلقه الناس أو إشاعة ما يشيعونه أسلوب غوغائي يجب أن يترفع عنه أصحاب الرسالات، والنقد الموضوعي المنطقي الهادف هو الأسلوب الأسلم لإثبات ما للحزب وما عليه، وهو الطريق الأقوم للبلوغ بالحركة الإسلامية المستوى اللائق بها كحركة عالمية رائدة.

وفيما يلي سأستعرض بعضًا من المآخذ التي يؤخذ بها الحزب كتجربة من التجارب في نطاق التمهيد والتحضير لنشأة الحركة الإسلامية العالمية الواحدة:

١ - أخطأ «حزب التحرير» حين اعتمد الفكر -أولًا وآخرًا -وسيلة لبناء الشخصية الإسلامية، وحين يأخذ الحزب على حركة «الإخوان المسلمين» استغراقها في التربية والتكوين الروحي والأخلاقي تأخذ هي عليه بالتالي استغراقه في اعتماد الفكر إلى حد الإسفاف، في الوقت الذي لا تهمل هي «الفكر» كذلك.

وأسلوب الرسول - صلى الله عليه وسلم- واضح الدلالة في إنه كان يعتمد التوعية الفكرية والتربية الروحية والأخلاقية والجهادية في بناء الشخصية الإسلامية.

۲ - وأخطأ حزب التحرير -كذلك -حين قرر مبدأ القفز من مرحلة «الثقافة» إلى مرحلة «التفاعل»، ذلك أن الحزب بانتقاله من مرحلة التثقيف الداخلي إلى مرحلة التفاعل أي ضرب الأفكار والكيانات الجاهلية يكون كمن يود قطع واد من غير جسر، ذلك أن مرحلة «التثقيف» لا تكفي للوقوف بالحزب في مواجهة التحدي الجاهلي دفعة واحدة، كما أنها لا تؤهل أفراد الحزب للصمود أمام هذا التحدي الشرس، فكان لا بد من مرحلة يتسلل فيها الحزب إلى الناس ويتخذ له بينهم مواطئ إقدام وقواعد ارتكاز وحماية، تمامًا كما كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم أشبه بعملية احتشاد ومرحلة استنفار وقاعدة حماية قبل أن يعلن النفير وتدق ساعة الصفر.

 ٣ - وأخطأ حزب التحرير مرة أخرى حين اعتمد على القوى والفعاليات «غير الذاتية» أي غير الحزبية أو حسب تعبيره واصطلاحه «طلب النصرة» في عملية الوصول إلى الحكم، فحزب التحرير يرى أن يستعين بالقوة للوصول إلى السلطة واستئناف الحياة الإسلامية لكنه لا يرى ضرورة كذلك لامتلاك هذه القوة أساسًا، يقول الحزب في نشرة «سؤال وجواب» ولقد طلب الحزب النصرة في سورية ليتمكن من القيام بحمل الدعوة وليأخذ الحكم، وطلب النصرة في العراق ليتمكن من القيام بحمل الدعوة ليأخذ الحكم، وظل الحال كذلك حتى أوائل (١٩٦٤) م دون أن يجد من يلبي طلبه النصرة، ثم يقول «فقد يكون طلب النصرة من رئيس دولة فيحتاج الأمر إلى وفد واحد أو إلى شاب واحد، وقد يكون طلب النصرة من رئيس كتلة أو قائد جماعة أو زعيم قبيلة أو من سفير أو ما شاكل ذلك، فيحتاج الأمر إلى اختيار معرفين وعدة شباب، وقد لا يحتاج إلا إلى شاب واحد خبير».

غريب منطق «طلب النصرة» هذا لدى حزب التحرير حيث إنه مرفوض بداهة، فأما إنه مرفوض بداهة فلكونه طلبًا لن يحظى يومًا بالقبول من أحد.

واعتماد الحركة على قواها الذاتية، وتمكين عناصرها الصميمة من بعض القطاعات الاستراتيجية هو الأسلوب الأقوم والأسلم في تحقيق ما تهدف إليه، وبخاصة في ظروف سيئة كالظروف التي تعيشها البلاد الإسلامية في ظل أنظمة «المخابرات الداخلية والاستخبارات الخارجية!

إن منطق «طلب النصرة» الذي يعتمده حزب التحرير لتحقيق الانقلاب الإسلامي والوصول إلى السلطة منطق غير سديد ومن شأنه أن يجعل الانقلاب الإسلامي المنشود صيحة في واد ونفخة في رماد؟؟

٤ - وأخطأ حزب التحرير -أيضًا -حين التزم بفكرة تبني الأحكام والأفكار بالشكل التعميمي، حيث أعطى لكل سؤال جوابًا، وتبنى لكل قضية حكمًا، إن هذا الأمر يبدو في ظاهره ولأول مرة جميلًا ورائًعا وبخاصة للشباب محدودي الثقافة الإسلامية، ولكنه في نتائجه وأبعاده من شأنه أن يمسخ الثقافة الإسلامية ويضيق الفكر الإسلامي ويحجر عليه ضمن دائرة الكتب التي أصدرها حزب التحرير دون سواها.

إن فكرة التبني في الأمور الخلافية الكبرى والمصيرية الهامة ذات الانعكاس الحركي والسياسي جيد ومفيد، ولكن إطلاقها بحيث تشمل كل شأن من شؤون التشريع سيئ ومخيف؟

وأود أن أنقل هنا فقرة وردت في كتاب «معالم في الطريق» للشهيد سيد قطب تعبر عن هذا المعنى أفصح تعبير، قال رحمه الله «ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمة العليم الحكيم، وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة.

نقول لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي، بل التشريعات الإسلامية كذلك على الناس مما ييسر لهم طريق الدعوة ويحبب الناس في هذا الدين فالذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظريات وأن يصوغ قوالب نظام، وأن يصوغ تشريعات لحياة، بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلًا تحكيم شريعة الله وحدها، ورفض كل شريعة سواها، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه.

الذين يريدون من الإسلام هذا لا يدركون طبيعة هذا الدين، ولا كيف يعمل في الحياة، كما يريد له الله.

وأكتفي هنا بهذا القدر من المآخذ التي برزت من خلال التجربة التي مارسها حزب التحرير ومن خلال محتواها الفكري والحركي لأنتقل إلى تجربة أخرى من تجارب العمل الإسلامي في العصر الحديث.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1989

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

154

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟