العنوان نحو فهم إسلامي رشید ٢
الكاتب محمد سلام مدكور
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1979
مشاهدات 69
نشر في العدد 432
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 13-فبراير-1979
القانون يحكم الإنسان ويراقبه ويحصى عليه ذنبه والدين يربى ضمير الفرد..
انتهينا في المقال السابق إلى ضرورة الدين لإقامة الحياة والسمو بكيان الإنسان، وارتضينا الإسلام دينًا حيث هدانا الله إليه وارتضاه لنا، وإذا كنا قد انتهينا إلى ذلك فما هي الترجمة العملية لهذا الإيمان النظري؟
المظهر الخارجي للإيمان:
الواقع أن الإسلام تحددت غايته في جزء من آية قرآنية كريمة هي قول الله سبحانه ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ﴾. (سورة إبراهيم: 1) (١) والظلمات معنى واسع لكل لون من ألوان الانحراف في الحياة وإلتواء الطبيعة الإنسانية كما أرادها الله، كما أن النور أيضًا معنى واسع لكل معاني الخير والاستقامة وتحقيق الجانب المضيء في نفس الإنسان. فالقرآن منهج هداية وإصلاح شامل، ومن هنا فإن العلم لا بد أن يتبعه العمل. ولذا فإن كلمة الإيمان ترد في القرآن مقرنة بالعمل، فليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.
والعلم قسمان: قسم نظري وهو حجة على الإنسان، وقسم عملي وهو القسم النافع المفيد ولذا فإنه ورد في الأثر: العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم. وهذا الفهم العملي هو الذي فهمه المسلمون في صدر الإسلام فلقد كان أحدهم يكتفي بأن يتوجه إلى الرسول فيسأله عددًا من الأسئلة ويسمع منه بضع كلمات عن الإسلام والإيمان والألوهية فإذا هو أخذ بهذه الكلمات مقتنع بها عقله مسلم بها قلبه، وإذا هو يعلن شهادته على الملأ فيلتزم بها وبتكاليفها طيلة حياته - وإذا لم يأخذ بها أنصرف لحاله ولا التزام عليه أمام الرسول وأمام المسلمين لأنه لم يعلن دخوله في الإسلام.
بهذا الوضوح كان الرجل يلتزم بالإيمان أو يرفضه، وإذا فنحن ملتزمون حيال قضية الإيمان بشيئين:
أولًا: ربط حياتنا بالدين اقتناعًا بالعقل وإيمانًا بالقلب وتصديقًا بالجوارح بحيث يكون هذا الدين واقعنا في الحياة ومنهجنا في السلوك.
ثانيًا: التمسك بهذا الدين. بعد الاقتناع الكامل به منهجًا وطريقًا والإيمان به فكرًا وتطبيقًا. وذلك يكون بالدفاع الكامل عنه أمام خصومه الجاهلين به أو المعاندين له، وأمام التيارات العديدة التي تعمل على إفساد عقيدة الشباب أو زعزعتها.
وليس من المحمود في شيء، ولا من مظاهر التدين التعصب الأعمى ضد غير المسلمين ومعتقداتهم دون وعي ولا فهم. فهذا ما لا يعرفه الإسلام ولا يقره.
شريعة الإسلام وقوانين البشر
الإسلام بهذا المنهج المستنير عقيدة معروضة على العالم، ومنهج شامل صالح لكل عصر، وموجه لكل جيل. وإذا كانت القوانين الوضعية على حسن الظن بها تستهدف صلاح الأسرة الإنسانية وتهدف في الظاهر إلى توفير الخير للجميع. فإنها ليست دينًا يضع في اعتباره مادية الإنسان وروحانيته.
القانون يحكم الإنسان ويراقبه ويحصى عليه ذنبه، والدين يربي ضمير الفرد ويحيي إنسانيته
( ١ ) سورة إبراهيم آية ١
ويفتح له مجال التوبة والقانون من صنع الإنسان الذي ينقض في غضبه ما أبرمه في رضاه، وإذا شبع أصدر قانونه من وحي الشبع وإذا جاع أصدر من وحي الجوع. والدين من صنع الله الخالق الذي لا يضل ولا ینسی. خاطب به خلقه وجعله حاميه وراعيه وصديقه في السر والعلن.
وإذا كانت المبادئ العالمية تتصارع وتتسابق نحو الإنسان بعضها لإذلاله واستعباده وبعضها لإسعاده ورفاهيته فإن رعاية الإسلام للإنسان تنبع من منطلقين أساسيين:
۱- الإنسان يزرع في الدنيا ليحصل في الآخرة، والدنيا طريق ينتهي إلى حياة دائمة.
٢- الدنيا بكنوزها في البر والبحر والجو مسخرة للإنسان الذي يوجهها إلى الغاية الكبرى وهي عبادة الله.
مدلول السعادة في الشريعة وفي القوانين
مدلول السعادة بناء على ما تقدم يختلف في الشريعة عنه في مختلف قوانين البشر. فمدلولها على الأرض طبقًا لقوانين البشر تحكمه مقاييس مادية تستهدف شهوات الإنسان وغرائزه، ومدلولها في شريعة السماء محدود بأن الإنسان جسم خلق من طين وروح هي من روح يقول الله سبحانه ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾. (سورة السجدة: 7-9) (١)... ) والأجساد مساكن الأرواح ولا شرف بالمساكن وإنما العبرة بالساكن. فالإنسان في مادته تركيب مادي ككل كائن حيواني، وفي إنسانيته طاقة من نوع أرقى هي الروح التي هي قوام قواه المعنوية وقد حدثنا القرآن بذلك أصدق حديث يقول سبحانه ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. (سورة ص: 72). (۲) والإنسان كما يخلد إلى الأرض بطينته فإنه ينزع إلى السماء بروحه وشفافيته، فهو ليس غريزة مدمرة تعربد في الأرض، وليس ملكًا نورانيًا يحلق في السماء، ولكنه بشر يغذي جسمه بالطعام ويغذي روحه بمعاني الهداية. والشخصية المتكاملة في نظر الإسلام هي الشخصية المتوازنة بين مطالب الجسد وإلهام القلب، والتي توفق بين الجانب المادي والجانب الروحي في الإنسان فلا يطغى أحداهما على الآخر. وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة من التوازن كان بشرًا سويًا وتلك هي السعادة التي يحققها الإسلام في نفوس المسلمين.
مظاهر محسوبة على الإسلام وليست منه
الارتباط بالإسلام لا يعد انقلابًا في حياتنا الاجتماعية، بل يعد امتدادًا طبيعيًا لمسيرة الإنسان على الأرض وترجمة صادقة للنفس كما خلقها الله. وليس من الصعب أن يساير الإنسان فطرته، ولكن الصعب أن تختلط عليه السبل فيتوه في فجاجها والله يقول ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. (سورة الأنعام: 153). (۳).
وما انطمست معالم الحضارة الإسلامية إلا حين تخطفت الأضواء البراقة أبصار المسلمين واختلطت عليهم الحقائق فاهتزت أمام عيونهم الصورة المشرقة للإسلام فكثيرًا ما نرى من المظاهر ما هو محسوب على الإسلام وليس منه يفعله المسلمون جهلًا أو بحسن النية، وهو في الواقع يبعدهم عن المصدر الأصلي للإسلام، ويشوه أمامهم الصورة لهذا الدين في رونقه وبهائه وهناك أمثلة لهذه المظاهر التي وهم عوام المسلمين بأنهم بها يزدادون قربًا من الإسلام والواقع
( ١ ) سورة السجدة آية ٧
( ۲ ) سورة ص آية ۷۱/۷۲
( ۳ ) سورة الانعام آية ١٣٥
إنها تزيدهم منه بعدًا وتسيء إلى الإسلام أمام الأجانب الذين لا يعرفون حقائقه بوضوح ومن هذه الأمثلة:
۱- تصرفات الرجال والنساء في علاقاتهم الزوجية والتلاعب بعبارات الطلاق والرجعة وتحليل الزوجات بعد طلاق بائن بينونة كبرى، والتلاعب بالزواج مع أن الأصل أنه عقد عمري فيه سكن ومودة ورحمة وينبغي أن يقام على أساس كامل من التفاهم والرغبة الصادقة والتوافق بين طرفي العقد.
٢- بعد الحكومات عن تطبيق أحكام الشريعة في جميع التصرفات والالتزامات وفي علاقاتها بالأفراد والجماعات وتنفيذ حدود الله مع وصف الله من لم يحكم بما أنزل الله بأسوأ الأوصاف.
٣- بعد الأفراد في معاملاتهم المالية والتجارية وعقودهم والتزاماتهم في الكثير الغالب عن حكم الإسلام وبعدهم في مظهرهم عن القيم الإسلامية وعدم تمثلهم بالخلق الإسلامي الكريم في كل صلاتهم وتصرفاتهم.
فهذه الصورة وغيرها الكثير مما هو واضح في حياتنا العملية والعلمية والأسرية والاجتماعية والدولية قد تعطي صورة غير حقيقية للواقع الإسلامي الذي تتطلبه تعاليم الإسلام ومبادئه، وتخول لغير المسلمين التساؤل. لو كانت تعاليم الإسلام توجه للخير وتعلي من شأن المسلمين فلم لم يعمل بها المسلمون؟ أو يقولون لو كان المسلمون يؤمنون بدينهم إيمانًا صحيحًا نتيجة اقتناع بأحكامه لالتزموا بها وأخضعوا كل تصرفاتهم لها، بل قد يحكم من لا يعرف حقيقة الإسلام بعد أن يجول البلاد التي تنتمي إلى الإسلام ويتفقد أحوالها وسلوك الشعوب فيها على اختلاف جنسياتهم. بأن سبب التخلف والبعد عن الجادة هو الدين الذي يجمعهم مع أن الدين بريء من كثير من هذه المظاهر والتصرفات.
ما ينبغي اعتقاده والعمل به
بعد أن بينا أن الإسلام عقيدة يؤمن بها القلب، وفكرة يقتنع بها العقل، وسلوك تعبر عنه الجوارح ولن يجدينا نحن المسلمين لبعث هذا الدين في النفوس أن نتغنى بأمجاده، ونردد بين الحين والحين مناقبه. ولكن يتحقق هذا البعث بأمرين:
أولًا: أن تأخذ العقيدة مكانها في منهاج دعاة النهضة فيوقظوا العواطف الراكدة باسم الله ويوجهوا المشاعر المشبوبة إلى طريق الله بعيدين في توجيههم عن النعرات القومية والعصبيات الإقليمية.
ثانيًا: أن يواجه دعاة الإسلام الواقع كما هو ولا يتجاهلونه فإنه محيط بهم، وأن يدبروا لمشاكل الناس حلولها من هدى الإسلام وأن ينظروا في كل جديد في حياة الناس ليتعرفوا على حكم الله فيه في ضوء ما يحقق مصالح الناس دون مخالفة نص ولا إجماع سابق، وأن يطوعوا ما لا يتفق بوضعه مع مبادئ الشريعة حتى يصير مقبولًا شرعًا.
وإلا فيجب على رجال الفكر والاجتماع والاقتصاد من العلماء العمل على إيجاد بديل لما استعصى عليهم تطويعه حتى لا يقع الناس في الضيق والحرج فالله سبحانه يقول ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. (سورة الحج: 78). (1). وحتى يطمئن الناس ويزدادوا إيمانًا بأن الإسلام بمصادره المرنة صالح للتطبيق في كل عصر، وصالح لأن يحكم المجتمعات المتطورة.
خاتمة البحث
لعل من الخير في ختام حديثنا «نحو فهم إسلامي رشيد» أن نستعرض أبرز أفكاره تركيزًا لها وتذكيرًا بها فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
( ١ ) سورة الحج آية ۷۸
۱- الدين ضرورة لحياة الإنسان لا شيء تكميلي لهذه الحياة، وهذه الضرورة ليست ظاهرة اجتماعية، ولكنها تعبير فطري لحاجة الإنسان وحياته.
۲- حضارة الدين تعنى بالإنسان من الداخل، وحضارات الأرض تبحث عن نموه من الخارج.
٣- الإسلام هو الامتداد الطبيعي للأديان، وهو التعبير العملي لتطور الإنسان.
٤- الإيمان بالإسلام يعني الاقتناع النظري والتسليم القلبي والتطبيق العملي ثم الاستقامة على ذلك كله يقول الله سبحانه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. (سورة الأنعام: 82) (۱) وفي الحديث «قل آمنت بالله ثم استقم» رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر، كما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن سفيان الثقفي (۲).
٥- الإسلام شريعة شاملة تنظم أمر الدنيا والآخرة، وهو بهذا المفهوم موجه إلى العالم كله.
٦- المظاهر المحسوبة على الإسلام وليست منه لا تعد حجة عليه ولا عنوانًا على مبادئه.
فليحذرها المسلمون.
ونحن مكلفون بأن نأخذ هذا الدين برفق فإنه متين ولن يشاده أحد إلا غلبه كما قال نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام. وأن نعرضه على الناس كذلك برفق فلقد أوصى الله رسوله بقوله ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾. (سورة النحل: 125). (۳).
وإذا افتخر الناس بعصبياتهم أو قومياتهم فليكن لديننا النصيب الأكبر من فخرنا وانتسابنا فإننا به أمة واحدة، ولنا بأمجاده حضارة عريقة ﴿قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.. (٤).
وأننا أخيرًا نمثل بقول الله تعالى ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. (سورة يوسف: 108). (٥).. وفقنا الله إلى فهم إسلامي رشيد، وعمل إسلامي صحيح متكامل والله هو الهادي إلى الحق والطريق المستقيم.
(١) سورة الأنعام آية ٨٢
(۲) فيض القدير ه ٤ ص ٥٢٤
(۳) سورة النحل آية ١٢٥
(٤) سورة الحجرات آية ١٧
(٥) سورة يوسف آية ۱۰۸
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل