; نحو فهم إسلامي رشيد | مجلة المجتمع

العنوان نحو فهم إسلامي رشيد

الكاتب محمد سلام مدكور

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1979

مشاهدات 70

نشر في العدد 431

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 06-فبراير-1979

قد يخطر للبعض تساؤل في فكره ولا يجري على لسانه، وقد يجرؤ البعض على طرحه للاسترشاد والفهم أو للتشكيك في الحقيقة.

وهذا التساؤل: ماذا يمكن أن يقال عن الدين ونحن في الربع الأخير من القرن العشرين، هل هو ضرورة لبناء حياة الإنسان؟ أم هو شكل مكمل لهذا البناء؟ 

وقد يقال: إن الإسلام جاء به محمد بن عبد الله منذ أربعة عشر قرنًا يخاطب به قومًا من الأميين ارتبطت حضارتهم بمنطقة صحراوية ففتحوا عيونهم على هذا الدين الذي نقلهم إلي حضارة واسعة تمتد ظلالها إلي الحياة والمجتمع، حيث غير لهم كثيرًا من العادات، وأخرجهم من حدود اجتماعية ضيقة إلى آفاق عالمية واسعة، وبنى لهم مجدًا وحضارة، فماذا يمكن أن يفعل الإسلام لأبناء هذا القرن، رواد المخترعات، والذين سيطروا على الأرض فاستخرجوا كنوزها، وهتكوا حجاب الفضاء؟ وما ضرورة الدين لهذه الحياة المتطورة؟

حضارة الدين:

قد يكون لهذه التساؤلات وجاهتها، إذا كان مدلول الحضارة ثابتًا، وإذا كان الهدف الذي يسعى إليه الإنسان- هو الهدف الذي تريده الأديان. لكن: هناك فارقًا بين حضارة وحضارة: حضارة تبنى الإنسان من الداخل فتزكي فيه الجانب الإنساني، وحضارة تتملق غرائزه وشهواته.

فحين جاء رسول الله بهذا الدين إلي الناس فإنه لم يعدهم بطعام شهي، وكساء فاخر، وسلطان باذج.

وإنما دعاهم إلي مبدأ قويم خاطب به عقولهم، وعرض عليهم عقيدة مستنيرة دق بها على قلوبهم، ورسم لهم صورة إنسانية مشرقة، وبعث بهذه المبادئ رسله إلي الملوك والأباطرة، ليقولوا لهم: إن الله ابتعثنا بالحق ليخرج الناس من الظلمات إلي النور، ليخرج الناس إلي عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلي سعتها، ومن جور أحكام المتسلطين إلي عدالة الإسلام وسماحته.

وانطلاقًا من هذه الواقعية، فإن الإسلام لم يشأ أن يخلب ألباب الناس بسحر المعجزات بقدر ما يلزمهم بنصاعة الحجة والدليل، وكأنه يرى أن البشرية قد نضجت عقلًا وسمت فكرًا، حتى جعل الله رسالته خاتم الرسائل وأعمها، فلا يجوز لهذه الرسالة أن تبني عقيدتها إلا على أساس من العقل والتفكير في الكون ونظامه، ولقد حاول المشركون أن يجروا الرسول إلي لون من استعراض الخوارق وقالوا- كما يحكي القرآن ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا وْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ 

«۱» لكن الرسول لم يتملق عواطفهم، وإنما قال- كما يحكي القرآن:- ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا 

وكانت هذه الإجابة تتفق مع منهج الإسلام في تربية المسلمين على أن تكون قيادتهم من ضمائرهم يعيشون في الدنيا، ولا تعيش فيهم، ويأكلون منها ولا تأكل منهم، ويطوعونها لأحكام دينهم، ولا يندفعون وراء زخرفها وملاذها.

فغاية الحضارة الإسلامية أن يعيش المسلم في سمو عقيدته لا في تسلط شهوته، وفي ارتفاع إنسانيته لا في انحطاط حيوانيته، وفي إشعاعات قلبه ومشاعره لا في نداءات بطنه وغرائزه، ولذا فإن ضرورة الدين تتمثل في مصاحبته للإنسان في طريق الحياة موجهًا ومرشدًا، يجمع أتباعه على مبادئ دائمة، وعقيدة ممتدة، وإنسانية كاملة، فالدين هو الحياة لأنه يتصل بكل ما فيها ويحكم تصرفات الإنسان بكل نواحيها

«١» سورة الإسراء، الآيات ۹۰/ ۹٣ 

وكما أن المسجد محراب المسلم ومكان لاتصاله بالله، فإنه لينفسح وتتسع آفاقه حتى تصبح الأرض كلها مسجدًا وطهورًا، فالحياة كلها مسجد كبير وظلال المسجد تمتد إلي كل نواحي حياة المسلم فيتعامل مع الناس في هذه الظلال، والغاية من هذه النظرة الواسعة أن يستشعر الإنسان العلاقة بينه وبين خالقه، وأن يؤمن بشمول الدين واحتوائه لكل مظاهر الحياة.

ومن هذه النظرة الشاملة إلي مدلول الدين، نجد أن الإسلام لا يحدد للدين رجالًا يقصر المسؤولية عليهم دون من عداهم من المسلمين، فلا كهنوت في الإسلام، وإنما رجل الدين في المفهوم الحقيقي عندنا هو من تثقف في علوم الدين وتفرغ لدراستها ووعيها فألمّ بجزء كبير منها وتكونت له ملكة فقهية تمكنه من النظر والاستنباط وإرشاد الناس إلى أحكام الدين، وإخضاع كل ما يجد في الحياة إلى أحكام الدين، وليس إخضاع أحكام الدين لمجريات الحياة. 

فالدين مسؤولية المسلمين جميعًا، وكل فرد منهم على ثغرة من ثغرات الإسلام، وكما أن كلا منهم مكلف بالدين على قدر طاقته وعلمه، فهو مكلف بالدنيا على قدر حاجته واحتماله. يقول الله سبحانه ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ (سورة القصص: 77) «۱» وحين يرتكب المسلم ذنبا ثم يطلب من الله التجاوز عن هذا الذنب فهو ليس محتاجا إلى وسيط يأخذه من يده إلى الله.

ولكن يكفي أن يتجه إلى ربه بقلب سليم ومعه توبة صادقة. يقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ( البقرة: 186) «۲».

وبهذا المفهوم ينطلق المسلم في الحياة حيث يراها طريقا يؤدي به إلى غاية حدثه عنها القرآن، تحدد هذا الطريق معالم ينتهي إليها، وتضيء هذا الطريق مصابيح الكتاب الذي آمن به، فهو في الدنيا يتعامل معها ويحرص عليها، ولكنه في النهاية صائر إلى الآخرة، يؤمن بها، يعمل من أجلها قال الله تعالى﴿من كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا، كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (سورة الإسراء: 18-20) «۳»  

ضرورة الدين للحياة:

وإذا كان الدين في نظر الإسلام ضرورة لحياة الناس فإنه ليس ظاهرة اجتماعية من صنع الإنسان، وإنما هو طبيعة جبل عليها وفطرة ولد بها، والفطرة لا يخترعها الناس ولا يبتكرونها، وإنما هم منجذبون إليها، معبرون عن طبيعتهم من خلالها.

وقد جاءت الأديان تخاطب الإنسان فتضع له عقيدة، وتوجه له سلوكا وتلقي عليه تكليفا، ويخاطب الإسلام الإنسان فيبين له أن هذا الدين فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذه الفطرة ثابتة قائمة متحققة في طبيعة كل نفس تنساب على سجيتها 

﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ «٤»  ويجعل القرآن التدين صبغة تنتظم الدين بمدلوله الشامل وتعمم الإنسانية على مسارها الطويل ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ «٥».

«١» سورة القصص، الآية ٧7

«۲» سورة البقرة آية ١٨٦

«۳» سورة الإسراء، الآيات ۲۰/ ۱۸

«٤»  سورة الروم، الآية ٣۰

«٥» سورة البقرة الآيات ۱٣۸/ ۱۳٦

ولقد جاء الإسلام مصدقا للأديان كلها ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ.  «١»

وضرب رسول الله الإسلام مثلا على إخوة الأنبياء وتعاونهم على إقامة صرح الدين فقال: فيما رواه أنس «مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع لبنة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون لو تم موضع هذه اللبنة! فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» «۲».

فاذا كانت الأديان كلها من الله وإذا كان الأنبياء سفراء الله إلى البشر فإننا نؤمن بآخر الأديان ونتبع خاتم الأنبياء وهذا هو الوضع الطبيعي والمتمشي مع العقل والمنطق السليم وطبيعة الدين الخاتم الذي مزج العقيدة بالحياة وألبس كل شيء في حياة البشر ثوب الدين حتى تستقيم حياة الأفراد والجماعات ويتحقق بينهم الحب والإخاء والتكافل والتراحم.

والإسلام بعد ذلك دين يتفاهم مع طبيعة الإنسان ويحترم آدميته ويعترف بحقوقه في الحياة ويشرع له ما ينظم أمر دنياه، كما يشرع له ما ينظم أمر آخرته، والمسلم يساير فطرته حين يعتنق الإسلام ويمضي في طريق الحياة فيشعر أن هذا الدين صدیق يرشده ويعنيه ويقرأ في الكتاب الكريم مثل قول الله -عز وجل- ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( البقرة: 133) «۳» وقوله ﴿انَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ( النجم: 32) «٤»..  فهذا هو الإسلام الذي نعتقده ونؤمن به، دین مصدق للأديان كلها، وفطرة فطر الله الناس عليها ومرشد ينظم أمر الدنيا والآخرة، وهو الدين الخاتم، ومن أجل ذلك فنحن مسلمون.

وإلى لقاء في مقال آخر في عدد لاحق لتتمة الموضوع

«١» سورة الشورى آية ١٣ 

«۲» الفتح الكبير في ضم الزيادات إلى الجامع الصغير ص ٢ ص ٢٤ ط مصطفى الحلبي

«۳» سورة البقرة آية ۱٣٧

«٤» سورة النجم آية ٢٢ 

الرابط المختصر :