العنوان نحو موتة شريفة (3).. الإيجابية مفتاح شخصية فريق السعداء الفائزين
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2007
مشاهدات 82
نشر في العدد 1767
نشر في الصفحة 56
السبت 01-سبتمبر-2007
■ نجاح المسلم.. في توظيف نهايته لخدمة الدعوة كما وظف لها حياته
تناولنا في العدد الماضي خطوتين من الخطوات الخمس المنهجية في عملية التغيير والنجاة رغبًا في حسن الخاتمة، وفي الفوز بالجنة، واليوم نتناول الخطوات الثلاث الباقية.
الخطوة الثالثة من هم السعداء؟
وهي أن نتدبر أحوال فريق السعداء الفائزين، ونقتدي بهم ونحبهم في الله تعالى لعلنا نحشر معهم.
ولو تدبرنا سمات هذا الفريق، وأفكاره وسلوكياته، لوجدنا أن مفتاح شخصيتهم، وسمتهم العام هو الإيجابية، خاصة لو وضعنا أمام أعيننا أمثلة راقية لهم مثل مؤمن آل فرعون، وسحرة فرعون، وغلام الراهب، وشهداء الأخدود، ومؤمن يس والصحابة – رضي الله عنهم.
1- أنهم أصحاب قضية سامية عاشوا لها وعاشت بهم:
وتدبر تلك القضية التي حركت الرجل المؤمن لينصر موسى عليه السلام وعندها لم يعد يجدي الصمت:
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر: 28).
ثم جاء الوقت ليعلن قضيته علانية ولو أدى إلى استشهاده ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 38 - 45).
2- أن نظرتهم للحياة الدنيا: نظرة موضوعية، كنظرة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عندما حكى فقال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فَقَالَ: كُنَّ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غريب أو عابر سبيل (1).
3- أنهم كانوا يعيشون لغيرهم كما عاشوا لأنفسهم فكانوا يحبون الخير ويفعلونه لغيرهم.
4- أنهم كانوا مبادرين في اختيار نهايتهم، بل وشاركوا في صنعها، واختاروها.
5- أحبوا الموت ليس هروبًا من الحياة: كم حذرنا الحبيب ﷺ لا يتمنَّ أحدكم الموت: إما مُحْسَنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مسينا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعتب (2).
ولكن حبًّا وشوقًا إلى لقائه سبحانه كما جاء في هذا الحوار:
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحب لقاء الله أَحَبَّ الله لقاءه.. وَمَنْ كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقلت: يا نبي الله أكراهية الموتِ فَكُلْنَا نَكْرَهُ الموت فقال: ليس كذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه» (3).
6- كانوا يعلمون أثر نهايتهم، فنجحوا في توظيفها من أجل قضيتهم، كما وظفوا لها حياتهم.
وتأمل كيف دل الغلام الملك على سر موته في قصة الغلام والراهب والساحر (4).
وتأمل، هل سيكون هذا الإيمان الجماعي، وستحدث تلك المظاهرة الإيمانية الجماعية، لو عاش الغلام ودعاهم للإيمان؟
7- أنهم انتصروا بفكرتهم، وتركوها رصيدًا ونبراسًا على طريق الفائزين من بعدهم، ليخلدوا صورة راقية من صور النصر.
8- أنهم شاركوا في صنع مصيرهم بعد نهايتهم وهو الخلود في الجنة.
وتأمل موقف مؤمن يس عندما تمنى مصيرًا لقومه مثل مصيره عندما ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (يس: 26، 27).
الخطوة الرابعة مع المختارين؟
وتأتي الخطوة الرابعة في سلم الرقي الإيماني، فنطمع في أن نكون ضمن المختارين من الفائزين، وهم الذين فضلوا الموتة الزكية الشريفة، وهم الذين اختارهم الحق سبحانه من بين أحبائه المخلصين:﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140).
ولنتأمل فيما أعده سبحانه لهم، وكيف ضمن لهم كل ما يشغل أي عبد لنفسه ولأهله ولمستقبله؟
أي أن الحق سبحانه قد حل لهم كل مشاكلهم الحياتية والأخروية، فندرك لِمَ أستعذب هؤلاء النخبة الشهادة، فجعلوا يتمنونها حتى وهم في أعلى درجات الجنة؟
1- الأمن من سكرات الموت:
«ما يجد الشهيد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من ألم القرصة» (5).
2 - الأمن من فتنة القبر:
روي أن رجلا قال: «يا رسول الله ما بال المؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (6).
3 - الأمن على الأهل والولد:
«يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (7).
4 - التسجيل مع الأوائل:
«إني لأعلم أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد أدى حق الله وحق مواليه وفقير عفيف متعفف، وإني لأعلم أول ثلاثة يدخلون النارـ: سلطان مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حقه، وفقير فخور» (8).
5 - الفضائل الفورية الست:
«للشهيد عند الله ست خصال:
يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفرع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» (9).
6- المرتبة العليا من الجنة:
«رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلائِي دَارًا هِي أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ لم أر قط أحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا: أَمَّا هَذه الدار قدار الشهداء» (10).
7- استعذاب الشهادة:
«ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشهيد، يتمنَّى أَن يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلُ عشر مرات لما يرى من الكرامة» (11).
8 - السعادة الأبدية:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169)
الخطوة الخامسة: كيف تحب الموت؟
ثم تجيء الخطوة الخامسة وهي عوامل الاستمرارية والثبات على طريق النجاة، وهي التطبيقات العملية على طريق حسن صناعة الموت.
1- تجديد النية: «من سأل الله الْقَتْلَ فِي سَبيله صادقا من قلبه أعطاه الله أجر الشهيد» (12).
2- صندوق تجهيز الغازي: «من جهز غازيًا في سبيل الله تعالى فقد غزا» (13).
3 - صندوق كفالة بيت الغازي: «ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا» (14).
4 - الصحبة المؤمنة: عن ابن عمر قَالَ خَطَبَنَا عُمر بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثُمَّ الَّذِينَ يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكُمُ الْمُؤْمِنُ» (15).
5- المعايشة الدائمة للخطوات الأربع السابقة.
6- المعايشة القرآنية.
7- التدبر في سير السائرين على الدرب، واتخاذ شخصياتهم وأسمائهم قدوة.
8 - فقه مرض العصر
ما هو؟ هو مرض الغثائية.
ما سببه؟ كما جاء في فتوى الحبيب عندما وضع المعادلة: (الوهن = حب الدنيا + كراهية الموت). فما علاجه؟ حب الموت في سبيل الله، وكما جاء في أدبيات الحركة الإسلامية:
إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت؛ فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة، واعلموا أن الموت لا بد منه وأنه لا يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، وتدبروا جيدًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154) (16).
أخيرا...
ليكن هدفنا الذي نضعه على قمة جبل حياتنا أحد خيارين لا ثالث لهما:
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا
أو كما اختار سيد قطب، يرحمه الله:
إما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين.
-----------------------------
الهوامش:
(1) البخاري 5927.
(2) البخاري 6694.
(3) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار 1845.
(4) رواه مسلم 5227.
(5) سنن الدارمي 2301.
(6) سنن أبي داوود 2026.
(7) سنن أبي داوود 2160.
(8) مسند الإمام أحمد 9815.
(9) الترمذي فضائل الجهاد 1586، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب.
(10) البخاري 2583.
(11) البخاري 2606.
(12) الترمذي 1578، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
(13- 14) من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي.
(15) الترمذي (2091) قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي ﷺ
(16) رسالة الجهاد: البنا – المجموعة 264.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل