; نحو وعي بيئي إسلامي | مجلة المجتمع

العنوان نحو وعي بيئي إسلامي

الكاتب فيصل عبد الحليم اسماعيل

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1999

مشاهدات 66

نشر في العدد 1362

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 10-أغسطس-1999

▪ من يهدر الوقت أو لا يحسن إدارته كمورد حيوي.. لن يملك مقومات التفكير الجاد المتزن

إذا كانت للأجسام قوانين تحكم حركتها، وللأجرام أفلاك ونواميس تضبط مسيرتها، فإن الإنسان يخضع في أدائه وتقييم جودة وجوده لمعايير ومقاييس إسناد يرجع إليها إن أراد فيعرف من خلالها موقعه، ويتحسس من خلالها مصائره.

ونجد بين تلك المعايير والمقاييس علاقات ربط بسيطة تعطي دلائل مباشرة ومؤشرات حاضرة، ومن بين تلك العلاقات الآتي:

1. عمل «فعلۛ» + كلام «ادعاء»= ثابت وهذا معناه أن الذي أداؤه فعل كله «أو غالبه» يقل «أو ينعدم» في أدائه الكلام «الادعاء»، ويعني ذلك أيضًا: أن الفعل الفارغ يعادل الكلام «أو الادعاء» الفارغ تمامًا بتمام، حينما يكون الأداء كله كلامًا.

2. كل خطوة في فعل يجدي تحتاج بالضرورة تفكيرًا جادًا «ومن ورائه فكر جاد»، وأن أي تفكير «جاد» يحتاج قدرًا كافيًا ومتسعًا من الوقت.

وهذا معناه: أن الذي لا يملك الوقت أو من يهدره أو يبدده أو لا يحسن إدارته كمورد رئيس وحيوي، لن يملك مقومات التفكير الجاد والموضوعي والمتزن لكي يخطو خطوة في الوجود نافعة وفعالة.

▪ الاستدامة.. حتى القيامة

ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين يصحو العالم- أو هو يحاول أن يصحو- على حقيقة أن جميع ما يتوافر لديه من إمكانات وتقنيات هائلة وباهرة لا يوفر له مجرد الأولويات البسيطة من أسباب ومقومات البقاء من هواء أنقى وماء أصفى وتربة أعفى وأبشع من ذلك وأفدح اكتشاف العالم لحقيقة أن جميع ما أنجزه في حاضره ويزهو به ويفاخر، إنما يسارع به وبكوكبه كله «وبفعل البشر وحدهم» نحو هلاك محقق.. وهو الآن يصرخ.. وينادي في الظلمات مستجديًا فرصة في بقاء صحي أطول بكبح جماح التنمية المبددة والمغنية والمدمرة للموارد «المتبقية» بالدعوة إلى تبني منهج مغاير يقر «ويوقر» الحقوق البيئية ويتصالح معها.. في تنمية تواصلية مستدامة «مبقية». وكل ما حققه العالم في صحوته الأخيرة «ولعلها لا تكون متأخرة إلى ما بعد فوات الأوان» هو الكلام.. ثم الكلام.. ثم المزيد من الكلام، وعظًا ونقاشًا.. وتحاورًا، وتباحثًا، وجدلًا وأكداسًا من الورق والحبر والعرق المراق.

▪ الإسلام وإدارة البيئة

وفي مقابل هذا نجد جذور الاستدامة ممتدة في عمق الحضارة الإسلامية منذ بداياتها الأولى، وثمارها غضة يانعة زاهية.

وإذا كان العالم بكل عباقرة العصر يحاول أن يصوغ مبادئ وأسس الاستدامة العملية والفعلية ليخطو بها خطوة واحدة مؤثرة وفعالة، فإن حضارة الإسلام في الإدارة البيئية السليمة سبقت عصرنا المتقدم جدًّا بقرون طويلة وتفوقت بغير منازع ونجدنا أمام تعاليم الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقد صيغت في وضوح ومنطق واثق ففيها: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا» وفي هذا أمر قاطع بالحفاظ على الموارد وحسن تصريفها والإبقاء عليها إلى الأبد والتفوق في الأداء معًا «يقينًا في المحاسبة على الجودة- تأهبًا للقاء الآخرة»، ويؤكد على ذلك بتحديد أساس الجودة: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، وأكثر من ذلك أنه جعل جودة العمل «جدوى الفعل» شرطًا لحسن الإيمان: «ليس الإيمان بالتمني.. ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.. وإن قومًا غرتهم الأماني، قالوا: نحسن الظن بالله.. كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل».

وتؤكد تعاليم الإسلام على أن قيمة العمل تبقى حتى النهاية لا تضيع أبدًا: «لو قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»، ولكن يبقى الحافز ويدوم، ويبقى الحماس للعمل ويدوم.. إلى النهاية.

وهكذا كان الأساس سليمًا فجاء الفعل والأداء سليمًا، بل باقيًا وباهرًا ومعجزًا، لأنه كان مجهزًا بمقومات الحيوية وأسباب الحياة، محتفظًا بها على مر العصور التالية، وإذا كان قد وصلنا عفيًّا بهيًّا، فذلك لأن من توارثوه قبل عصرنا هذا المضطرب فكرًا، وحسًّا، والهائج المائج في مسيرة تنميته، قد فهموا وأدركوا واستوعبوا مدلول وقيمة مكنون موروثاتهم وحقوق الأجيال التالية فيها فصانوها باعتبارها أمانة تصان وليست «كما نعاملها نحن اليوم» سلعًا تستهلك وتبدد.

▪ إدارة الموارد

لعل من المسلمات المؤكدة لدى الدارس للحضارة الإسلامية أنها حضارة واضحة المعالم واضحة المنهج واضحة المسار، وواضحة الأهداف، فهي منذ البداية حضارة بناء وبقاء ونقاء، سواء كان ذلك بناء فرد أو بناء أمة، بناء بيت أو بناء دولة، ومن الطبيعي أن يتحسس الدارس منشأ ذلك كله كواقع تطبيقي ملموس ومحسوس من خلال ذخائر سيرة الرسول ﷺ المعماري الأول، والإنشائي الأول لهذا الصرح الإنساني الشامخ والخالد.

وبداية أي بناء لبنة تشد إلى لبنة بوسيط ربط واللبنة في الحضارة الإسلامية هي الإنسان، فالمسلم للمسلم: «كالبنيان يشد بعضه بعضًا» وتتعدد اللبنات في صرح الأمة فيكون: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد»، وتكامل وصعود البناء يلزمها الأساس والدعامات، فكان أن: «بني الإسلام على خمس»، وهكذا توافرت للصرح الحضاري الإسلامي كافة العناصر المعمارية والإنشائية التي تضمن له أسباب الشموخ والتميز والتواصل ما بقي الالتزام بالخط المنهجي السليم في التخطيط والإدارة، والذي به تتحدد مسيرة الحياة القويمة: للفرد أو الأمة للبيت أو الدولة.

والمسيرة يلزمها التزود «بالزاد»، وحدد الإسلام أفضلية وسلامة الخيار في هذا بالأمر الرباني ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197)، ومن التقوى دقة الحساب «في التخطيط والإدارة» تجنبًا للأخطار وللمهالك، وهكذا برزت ضرورة تنظيم عمليات التزود «من المصدر أو المورد»، فيكون بمقدار تحدده قواعد الحرص الواجبة، ضمانًا للصحة والسلامة، وتجنب الأخطار: صحة وسلامة الفرد «اللبنة في البناء» فالأمة، والبيت فالدولة، وليس أبسط في القواعد ولا أوقع، ولا أروع ولا أبدع مما حدده وبينه رسول الله ﷺ في قوله: ما ملا آدمي وعاء- قط- شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه، وهذا منهج للفرد والمجتمع، للبيت وللدولة، للإدارة البيئية السليمة، ولتحقيق التنمية المستدامة التي يطمح إليها عباقرة العصر لا يدانيه ولا يمكن أن يفضله في التخطيط والتسيير منهج أو مبدأ أو وسيلة.

▪ الشره الاستهلاكي مفسد للبيئة

ونظرة حولنا ترينا كيف أن عالمنا المعاصر بكل ما أوتي من أسباب التقدم الفكري والفني والتقني، يتعامل مع عطاء الله في الطبيعة، من نعم مواردها، ومقومات الحياة والبقاء فيها بمسلك فرد متخم تملكه نهم شدید يأكل بشراهة وأنانية من يريد أن يستأثر وحده بطعام العالم كله فيملأ بطنه حتى التخامة ثم يفرغها عامدًا متعمدًا، متعجلًا ملأة أخرى من بعد ملأة، وإفراغة أخرى من بعد إفراغه وكأنما هو آلة عظمى سخرت لتحويل مناجم الخير وجبال النعم إلى مدافن السم، وتلال الخبث والعفن.

والمتدبر للحديث الشريف لا يلبث أن يتملكه الإعجاب على الإعجاز في عمق الرؤية، وبعد البصيرة، وخاصة أن عالمنا المعاصر قد فطن إلى تقسيم مكونات «موارد» البيئة العظمى إلى نفس التصنيفات الثلاثة التي أوردها الحديث، وهي: التربة «المصدر الأول للطعام»، والمياه «المصدر الأول للشراب»، والهواء «النفس».

▪ ويلات التلوث يعالجها الإسلام

وإذا كان عالمنا المعاصر يعاني ويشكو ويتوجع من ويلات التلوث القاتل في ثلاثتها، فإن تعاليم الإسلام في أفضل مناهج إدارة الموارد- تناولتها وكافحتها وأوقفتها عند المصدر «وهو أحدث ما توصلت إليه المناهج الحاضرة في الإدارة البيئية» بصياغة بسيطة وواضحة وقاطعة فيها الحفز والترغيب والتحذير معًا، وهي: «النظافة من الإيمان»، وإذا كان العالم قد تنبه مؤخرًا «ولم يفعل شيئًا يذكر» إلى ما يتهدد البشرية من ندرة المياه الوشيكة، فإن نبي الإسلام قد حسم أي جدل في هذا الأمر بتحريم إساءة استخدام المياه «بالإسراف فيها» حتى في الوضوء للصلاة والتعبد من نهر جار.

وإذا عقلنا المبدأ الإسلامي في التخطيط الأبدي فلن يكون الوقت أبدًا متأخرًا لبداية جديدة بمنهج قديم قيم ونموذج مجرب مؤكد الجدوى والنفع والتواصل والاستدامة والاستقامة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

112

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 2114

107

الجمعة 01-ديسمبر-2017

أنت وسيلتك لتحقيق النجاح

نشر في العدد 20

138

الثلاثاء 28-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 20