العنوان نحو وعي سياسي.. حقائق المرحلة
الكاتب ا. محمد سالم الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981
مشاهدات 65
نشر في العدد 534
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 30-يونيو-1981
إيجاد الكيان السياسي للمسلمين يجب أن يكون القضية المصيرية الأولى.
فيما سبق من حلقات "نحو وعي سياسي"، علمنا أن الوعي السياسي عندنا - نحن المسلمين- يقوم على أركان ثلاثة، هي: الإيمان العميق، والفهم الشامل الدقيق لهذا الدين، الذي أراده الله -سبحانه- منهجًا كاملًا للحياة البشرية، والفهم الدقيق لحقيقة الواقع الذي يحياه البشر، ونريد أن ننقله من الجاهلية إلى الإسلام، وأخيرًا التجربة وخوض غمار العمل السياسي؛ إذ بدون التجربة تظل الأمور في غير نصابها الصحيح.
واليوم نحاول أن نخطو خطوة أخرى على طريق الوعي السياسي، وبالذات حول الركن الثاني، وهو الفهم الدقيق لحقيقة الواقع المعاش وخاصة من حيث انعكاسه على المسلمين وجماعتهم.
أصعب المراحل
والمتأمل في أحوال المسلمين اليوم يجد أنهم يعيشون مرحلة من أصعب المراحل، التي مرت بهم على مدار التاريخ، وهذه أول حقيقة من حقائق المرحلة على المسلمين أن يدركوها جيدًا؛ ليحسبوا لها الحساب الصحيح.
أما لماذا هي أصعب المراحل في تاريخ المسلمين؟ ذلك ما يجيب عنه التاريخ أيضًا.. مرحلة الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت صعبة حقًا، ولكن كان هناك صف للمسلمين واحد، ولهم أمير واحد ويلتفون على فهم واحد، ووعي واحد وتربية واحدة، والحروب الصليبية كانت صعبة، ولكن الأمة كانت موحدة والخلافة واحدة والجهاد واحد، فطرد الصليبيون من الأقصى، وعادت الأرض للمسلمين، والغزو التتاري والمغولي انتهى بإسلامهم، لكن المرحلة التي يمر بها المسلمون الآن أصعب من ذلك بكثير، فهي مرحلة غاب فيها الكيان السياسي للمسلمين، وتعرضت بلدانهم للاستعمار، وتخلخل كل شيء، فلم تعد الأمة واحدة، ولا الفكر واحدا ولا التربية واحدة، وما من مكان فيه مسلمون إلا وهم مستذلون مستهدفون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
درس مستفاد
والدرس الذي نستفيده من هذه الحقيقة هو أن المسلمين لم يكونوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه لو كان لهم كيان سياسي قائم على أساس الحكم بما أنزل الله؛ حتى لو كانت فيه بعض جوانب الضعف، ومن هنا فإن إيجاد الكيان السياسي للمسلمين يجب أن يكون القضية المصيرية الأولى للمسلمين جميعًا، وهذا هو الدرس الأول من دروس حقائق المرحلة.
وقد انبنى على حقيقة المرحلة الأولى، وهي غياب الكيان السياسي للمسلمين حقيقة أخرى علينا أن ننتبه لها جيدًا، وهي ما أسماها سعيد حوى - حفظه الله- بمرحلة «الجراح الحتمية».
جراح حتمية
بمعنى أن المسلمين في هذه المرحلة لابد أن تصيبهم الجراح سواء تحركوا أم ظلوا ساكنين؛ لأن أعداءهم من شرق وغرب، وخاصة روسيا وأميركا المتجبرتين في السياسة الدولية متفقتان على إذلال المسلمين.
وأشد ما تنطبق هذه الخصيصة من خصائص المرحلة على الحركة الإسلامية.
وللتمثيل على ذلك نضرب مثلًا القضية الفلسطينية، فالمسلمون وضعوا بين خيارين: إما الاستسلام والصلح مع يهود، وإما الانحراف والإذلال. والحركة الإسلامية إن سكتت أصابها حرج كبير، وإن تحركت وضعت أمام خيار الانحراف، فالمنادون بالصلح مع يهود أصبحوا كثرًا، وينادون بذلك من خلال شعارات مختلفة! وما أصعبه من وضع، وما أصعبه من خيار، إما أن ينطوي المسلمون تحت رايات الاستسلام والانحراف، التي مع الأسف حملها كثير من الفلسطينيين، وإما ألا يتحركوا فهم العملاء للإمبريالية! أو هم المقصرون الذين لا يستأهلون القيادة والريادة في أحسن الأحوال!
وفي كلا الحالين الجراح حتمية، ولو انتقلنا إلى الساحة الكويتية لوجدنا أن الأمر مثل ذلك، عندما لم يشارك المسلمون لأسباب كثيرة في الحياة السياسية الكويتية قيل عنهم ليس عندهم ما يقولونه وما يقدمونه! وعندما تحركوا قيل عنهم عملاء للسلطة حينًا، وللتجار حينًا آخر. وقيل عنهم: لا يفقهون سمات العصر ولا حقائق الحياة، والجميع يدبر -كل بوسيلته وطريقته- للحيلولة دون انتشار التيار الإسلامي والفهم الإسلامي للحياة.
ونحن هنا لا نريد أن نبين ما يدبر للمسلمين وحركتهم بقدر ما نريد أن نوضح حقيقة من حقائق المرحلة، ونحن إذ نبين حقيقة من حقائق المرحلة لا نفعل ذلك للتسلية أو من قبيل الترف الفكري، بل نهدف إلى الإفادة من هذه المعرفة، والدرس الذي نستفيده من إدراك هذه الحقيقة من حقائق المرحلة هو:
أولًا: المضي في الطريق المستقيم دون خوف أو حساب للجراحات، فالجراحات لابد منها على كل حال.
ثانيًا: طالما أن الجراحات لابد منها؛ لأنها من طبيعة المرحلة فلابد من تقليلها قدر المستطاع.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة، هو كيف نقلل هذه الجراحات؟
تقليل الجراحات
وهو سؤال منطقي وسليم، والإجابة عليه تبين مدى الوعي عند المسلمين، ونحن نحسب أن الإجابة على هذا السؤال تكون بترتيب سلم للأولويات بميزان من الشرع، وما تقضي به المصلحة، فالمهمات الملقاة على عاتق المسلمين اليوم مهمات كثيرة منها نشر الدعوة الإسلامية والتربية الإسلامية، وبناء الأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة، والاقتصاد المسلم، والاجتماع المسلم، والسياسة الإسلامية، والقوة الإسلامية، وتطبيق الحدود الشرعية والمعاملات الشرعية، وريادة البشرية، فبأي هذه المهمات يتم البدء؟
ونحن نملك أن نقول: إن هذه المهمات وإن كان بعضها مكملا للآخر أو ملازما له إلا أن قضية تحقيق معنى العبودية لله في الأرض وبالذات إقامة الكيان السياسي للمسلمين يجب أن يكون في سلم الأولويات.
ومع ذلك في بيئة ما ولظرف من الظروف قد تكون الأولوية لغير ذلك.
والذي نريد أن نشير إليه هنا أن ترتيب الأولويات يساعد على تقليل الجراحات من عدة وجوه:
أولًا: بقدر ما تكون الأولوية لقضية مصيرية تكون فرصة اجتماع كلمة المسلمين أكثر، وبالتالي تقل الجراحات التي تسببها الاجتهادات القاصرة، أو التصرفات الفردية أو الفئوية غير الناضجة، ونحسب أن اجتهادات صالح سرية وشكري مصطفى وجهيمان العتيبي - عليهم رحمة الله جميعًا- لو أدركت هذه الحقيقة من حقائق العصر لخفت جراحات المسلمين، التي ترتبت على اجتهاداتهم أو تأويلاتهم.
وهنا قد يقول قائل: إن ثمة أسبابا أخرى جرّت أولئك إلى ما وقعوا فيه، ونحن لا ننكر ذلك، ولكن حسبنا هنا أن نشير إلى أهمية ترتيب الأولويات، مما يترتب على عدم الأخذ بذلك.
ثانيًا: وبقدر ما يكون الارتباط بقضية مصيرية يكون عدم التركيز على معوقات عموم الأفراد والتجمعات.
وهذا لا يعني أن الارتباط بقضية مصيرية يترتب عليه عدم التدقيق والتركيز على التربية الفردية والسمو بها كما فهمت بعض الجماعات الإسلامية، ومن نعني هنا ليس أفراد الحركة الإسلامية أو القاعدة الصلبة، التي يقع عليها عبء التغيير وإحداث النهضة، وإنما نعني عموم المسلمين؛ حيث إن حقيقة غياب الحكم، والتوجيه الإسلامي يترتب عليه خلل في المستوى الإيماني والخلقي لعموم المسلمين.
وطالما أن هذه الحقيقة من حقائق المرحلة، فينبغي أن نضعها في الحسبان عند الانخراط في العمل السياسي، فلا يزال كثير من الدعاة والعاملين في حقل الإصلاح الإسلامي يتورعون عن العمل السياسي؛ لما قد يترتب على ذلك من خلطة بأفراد غير مربين تربية إسلامية صحيحة، بل يذهب بعضهم إلى حد جعل عدم تطبيق بعض السنن من قبل عموم المسلمين ذريعة لعدم العمل السياسي، وخاصة الذي يتطلب نوعًا من التكاتف والتعاون بين جميع المسلمين، ومثل هذا الأمر يسمى في المصطلح السياسي تحالفًا، وهو يكون أحيانًا بين أحزاب سياسية متناقضة فكريًّا ومصلحيًّا، ولكنها تتحالف لتحقيق هدف مشترك، وإذا كان التحالف سمة العصر فإن التعاون والتآلف بين المسلمين أكبر محتوى، وأشد قوة وأقوى أساسًا ومنطلقًا.
أبعاد الصراع
ومن حقائق المرحلة كذلك أن الصراع بين الإسلام والكفر، وإن اتخذ بعدًا محليًا إلا أنه لابد أن يكون له بعد دولي، خاصة ذلك الصراع مع أية محاولة لإبراز الكيان السياسي للإسلام.
فما من حملة ضد الحركة الإسلامية إلا وكان وراءها تحريض دولي. وهنا يمكن استذكار كيف أن إعلان الحرب على الحركة الإسلامية في مصر تم في روسيا، وكيف أن أدوات القمع والإرهاب والتعذيب جاءت من أميركا؟! ويمكن استذكار رد الأقباط على تحرك المسلمين بحركة دولية محورها أمريكا للضغط على رئيس مصر لعدم تنفيذ بعض مطالب المسلمين!
المهم أن هذه الحقيقة بات يدركها بعض المسلمين، ولكنهم لا يستفيدون منها في عالم الواقع.
فالمسلمون يتوزعون في معظم الكرة الأرضية، وما من موطن فيه مسلمون إلا ولهم قضية، فهل حاول المسلمون خارج ذلك الموطن بما لهم من قوة سياسية أو اقتصادية الانتصار لإخوانهم المغلوبين على أمرهم؟
إنه لأمر محزن جدًّا أن تقوم ثورة إسلامية في بلد عربي ترفع شعار استئناف الحياة الإسلامية، وإعلاء كلمة الله، وتقدم في سبيل ذلك أغلى التضحيات، بينما المسلمون خارج ذلك البلد يقنعون ببضع دراهم يدفعونها لإخوانهم المجاهدين، وإنه لأمر يدعو للرثاء ألا تجتمع كلمة المسلمين جميعًا لدعم هذه الثورة التي بنصرها ترتفع راية الإسلام، وتقوم للإسلام دولة تحميه، وبها يعز المسلمون أينما كانوا، إن أعداء الإسلام - وإن كانوا فيما بينهم أعداء- تجتمع كلمتهم على حرب الإسلام والمسلمين، فما بال المسلمين وعقيدتهم واحدة لا تجتمع كلمتهم لنصرة إخوانهم المجاهدين؟
إن التخلف أولًا عن فهم الدين، الذي كان يدعي أن موقفه يركن إليه.
وهو عدم الوعي السياسي ثانيًا إن كنا نعمل حقًّا لإعادة الكيان السياسي للمسلمين، وحمل راية الهداية والرشاد للبشرية جمعاء.
وبعد فإن حقائق المرحلة تحتم على المسلمين أن يعرفوا كيف يقدمون دماءهم ومتى، وتقضي بأن تكون اهتماماتهم كبرى وكلمتهم واحدة، والأمل في هذه الصحوة الإسلامية المباركة أن تعي الدروس، وترفع راية الجهاد الحق، في ضوء حقائق المرحلة وما تتطلبه من وعي، وعدة، وإعداد، والله الهادي إلى سواء السبيل.