; (كوسوفا) وسط إجراءات أمنية مشددة غير مفهومة :ندوة نقاشية ساخنة حول كوسوفا | مجلة المجتمع

العنوان (كوسوفا) وسط إجراءات أمنية مشددة غير مفهومة :ندوة نقاشية ساخنة حول كوسوفا

الكاتب مجاهد مليجي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998

مشاهدات 62

نشر في العدد 1304

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 16-يونيو-1998

إرهاصات حرب صليبية جديدة على أعتاب القرن الحادي والعشرين

شهدت جامعة القاهرة مؤخرًا حلقة نقاشية حول أزمة المسلمين في كوسوفا وسط تكتم شديد وحراسة أمنية مشددة منعت الجماهير وطلاب وأساتذة الجامعة من المشاركة، اللهم إلا الخبراء المدعوين والمتخصصين في الشؤون الألبانية -الذين يحملون الدعوة في أيديهم- حيث منع كل من لم يكن يحمل هذه الدعوة.

وكان مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية قد نظم هذه الحلقة التي شهدت مشادات ساخنة بين سفيري صربيا والبوسنة من ناحية كما تباينت آراء المشاركين حول الأزمة وطبيعتها وغلب على الجو العام للحلقة إقرار حقيقة مهمة وهي أنه على الشعب الألباني أن يتولى الدفاع عن نفسه بنفسه وأن يعلن راية الجهاد والكفاح ضد الاستعمار الصربي لإيقاف أطماعه التوسعية.

كما أكد أغلب الحاضرين على أن أحقاد الحروب الصليبية هي التي تحرك المذابح الصربية ضد المسلمين في كوسوفا في ظل التراجع الدولي وسلبية المواقف من قبل مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وغيره من المؤسسات الدولية.

وفي البداية تحدثت الدكتورة نادية مصطفى منسقة الحلقة لتؤكد على هشاشة موقف الأمم المتحدة ومجلس الأمم الذي اكتفى بتوجيه نداء هزيل للصرب يرجوهم وقف المذابح الجماعية ضد الشعب الألباني في الوقت الذي يصف فيه حركة المقاومة الألبانية المسلحة في كوسوفا ضد بربرية الصرب بأنها حركة إرهابية وأن الألبان إرهابيون مما يعكس التواطؤ ضد مصير هذا الشعب الأعزل.

 ودعت الألبان إلى التمرد على نداءات الدول الكبرى والمنظمات الدولية التي تميع قضايا المسلمين على وجه الخصوص، وطالبت المجتمع الإنساني في العالم بضرورة مساندة الشعب الألباني المسلم في كوسوفا والذي يتعرض للإبادة الجماعية على مسمع ومرأى الاتحاد الأوروبي والأحلاف الغربية والأمم المتحدة وأمريكا دون أن يتحرك أحد، وأوضحت أن الدول الإسلامية مطالبة بالخروج من هذا الصمت المميت وحالة الضعف المخزية للأقليات الإسلامية وبخاصة في أوروبا ومحاولة لعب دور على الصعيد السياسي والاقتصادي لإنقاذ آلاف المسلمين في كوسوفا ومقدونيا حتى لا تتكرر مأساة البوسنة. 

الألبان كالشيشان:

وتحدث الدكتور محمد أرناؤوط -مدير معهد بيت الحكمة بالجامعة الأردنية وخبير شؤون البلقان- ليبدي اعتراضه على وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية التي تروج لفظ «كوسوفو» بدلًا من «كوسوفا» حيث إن الأول مسمى صربي للإقليم بينما كوسوفا هو الاسم الإسلامي الذي عرف به الإقليم منذ الفتح الإسلامي للبلقان في عهد الخلافة العثمانية. 

وقام باستعراض تطورات الصراع التاريخي بين المسلمين والصرب في الإقليم مركزًا على الفترة الأخيرة منذ بداية هذا العام ۹۸ مشيرًا إلى أن الصراع يأخذ طابعًا مختلفًا عنه في البوسنة إلى إن كوسوفا هي مركز القوة الألبانية في منطقة البلقان ويمكن أن يمتد الصراع منها إلى جميع الأطراف سواء الصرب أو المسلمين وأوروبا كلها. 

وأضاف أن طبيعة الشعب الألباني في كوسوفا أكثر شراسة وعنادًا منهم في البوسنة وهي أقرب لطبيعة الشعب الشيشاني ولذلك من المتوقع امتداد الصراع حتى يحصل الألبان على حقوقهم المشروعة لأنه من الصعب التصالح مع الألبان، هذا إلى جانب أن الألبان يرفضون أي تدخل من جانب الاتحاد الأوروبي الذي يحاول إعطاء مسلمي كوسوفا حكمًا ذاتيًّا مهمشًا وهو ما يرفضه الألبان فضلًا عن انحياز الاتحاد الأوروبي لجانب صربيا. 

وأشار إلى أن ما يحدث في كوسوفا يمثل حلقة في سلسلة الأحقاد الصليبية ضد الإسلام والمسلمين في البلقان حيث إن كوسوفا تمثل عقدة الهزيمة لدى الصرب منذ دخول الإسلام وهزيمة جيوش الصرب أمام الجيوش الإسلامية في كوسوفا بقيادة الأمير مراد العثماني الذي توفي في هذه المعركة بعد خضوع البلقان للمسلمين.

الكاتب الإسلامي فهمي هويدي أكد على البعد الإسلامي للصراع في البلقان وأن الحقد الصليبي هو الذي يحرك الصرب الأرثوذكس ضد المسلمين مشيرًا إلى ضعف العالم الإسلامي وعدم قدرته على التأثير في أحداث كوسوفا كما عجز من قبل عن التأثير في أحداث البوسنة علاوة على أن كوسوفا أكثر تعقيدًا من البوسنة حيث إنه من المتوقع أن تمتد الحرب خارج البلقان.

وطالب هويدي الشعب الألباني أن يستمر في رفع راية الجهاد وتصعيد المقاومة لأن قضيتهم لن تحل إلا بدمائهم في وقت عز فيه النصير نتيجة ضعف الأمة، وأوضح أن النضال الألباني سيستمر ليكون مصدر إزعاج لأوروبا كلها حتى يتمكنوا من الحصول على استقلالهم وإيقاف الأطماع الصربية في أراضيهم شأنهم شأن الشيشان مع روسيا. 

واستنكر هويدي استبعاد البعد الديني من الصراع مؤكدًا أن هذه المذابح لو ارتكبت ضد اليهود لقامت الدنيا ولم تقعد وتزلزلت أركان الأمم المتحدة ولجأ مجلس الأمن إلى البند السابع حتى يحفظ على اليهود دماءهم لكن طالما أن الدماء التي تنزف هي دماء مسلمين فإن الأمور لا بد أن تحل بالتفاوض وعلى مهل شديد.

 وأضاف أن المجتمع الدولي هذا هو الذي يقف مع المتمردين في جنوب السودان ضد المسلمين في الشمال، مطالبًا العرب والمسلمين بعدم الاعتماد الزائد على المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة في استرداد حقوقهم وحل مشكلاتهم.

مصر ضد الجرائم الصربية:

وعبر عن موقف الحكومة المصرية السفير رفعت الأنصاري مدير إدارة البلقان بوزارة الخارجية قائلًا: إن موقف مصر إيجابي للغاية حيث يطلب وزير الخارجية عمرو موسى تقريرًا كل يومين عن تطورات الأوضاع في كوسوفا باعتبار أن أمن البلقان يرتبط بأمن البحر المتوسط الذي تعد مصر إحدى دوله.

واستبعد السفير المصري أن يكون الصراع بين الصرب والألبان في كوسوفا له دوافع دينية وقصرها على الأسباب السياسية مؤكدًا على أنها لم تصبح شأنًا داخليًّا لصربيا وإنما أصبحت قضية سياسية تم تدويلها باعتبار أن كوسوفا منطقة تلاقي الأديان والحضارات المختلفة في أوروبا والبلقان.

واستعرض أكثر من سيناريو لحل الأزمة في كوسوفا: الأول: هو الاستقلال التام لإقليم كوسوفا الذي يطالب به الألبان، والثاني: إعطاء الإقليم صلاحيات سياسية أكثر في إطار الحكم الذاتي ضمن أرض صربيا ولكن الألبان يرفضونه، الثالث هو تحويل إقليم كوسوفا إلى جمهورية ثالثة في الاتحاد اليوغسلافي الذي يتكون من صربيا والجبل الأسود والذي يرفضه صربيا مما يجعل الصراع في وضع معقد للغاية، وأوضح أن مصر ترفض الجرائم ضد الإنسانية وقررت إرسال المساعدات الإنسانية للألبان في القريب العاجل.

البعد الإسلامي في الخارجية:

ورد الكاتب الإسلامي فهمي هويدي معلقًا على ما ذكره السفير الأنصاري ليؤكد على أن الصراع في كوسوفا هو صراع ديني وأبدى تعجبه من إغفال السفير المصري لهذا البعد الديني الخطير.

 كما استنكر عدم وجود إدارة مستقلة بالخارجية المصرية تحت بند الانتماء للأمة الإسلامية حيث إن كوسوفا إقليم مسلم وتزيد نسبة المسلمين فيه على ٩٣% ومصر بصفتها دولة إسلامية وعضو نشط في منظمة المؤتمر الإسلامي وشيخ الأزهر يرأس المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة وتحتضن جامعة الأزهر الأمانة العامة لرابطة الجامعات الإسلامية كما أن مصر عضو نشط في رابطة العالم الإسلامي وكل ذلك يستوجب من الخارجية المصرية أن تتعامل مع قضايا الأمة الإسلامية من هذا المنطلق ليصبح اهتمام الشعب المصري بهذه القضية من منطلق إسلامي.

 وقد شهدت الندوة مشادات ساخنة بين سفيري الصرب والبوسنة حيث ألقى سفير الصرب كلمة دافع فيها عن موقف صربيا وادعي أن الألبان هم الخارجون على الدولة والحكومة في صربيا وأن أرض كوسوفا ملك خالص للصرب وحقوقهم في البلقان تاريخية وأنه في غير صالح صربيا أن تتخلى كل يوم عن جــزء من أراضيها للمتمردين معتبرًا أن الألبان رفضوا الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الصربية، وعلى الفور رد عليه سفير البوسنة في أعقاب كلمته قائلًا له: إنكم تزيفون التاريخ ولا حق لكم في شبر واحد من أرض كوسوفا بالبلقان وأنتم ترتكبون المجازر بكل بشاعة ووحشية ضد المسلمين بدافع التعصب الأعمى.

 وقال إن أخشى ما أخشاه الكم الهائل من مخازن الأسلحة التي يجلس فوقها الصرب بقيادة ميلوسيفتش وقال إن الأمم المتحدة لم تتحرك في أزمة البوسنة إلا ضد مصالح المسلمين العزل حيث مذابح الإبادة الجماعية التي يرتكبها الصرب وكان القرار الوحيد الذي نفذه مجلس الأمن هو حظر استيراد الأسلحة ضد البوسنة في الوقت الذي يمتلك فيه الصرب كل أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة وأسلحة الدمار الشامل وغيرها.

وأضاف أن هذا القرار كان يمثل قمة السخرية من مصير شعب يذبح كالخراف أمام المجتمع الدولي وهو يشبه حظر استيراد النفط على دولة منتجة للنفط، وقال إن الاستماع لنصائح مجلس الأمن وقراراته فيه خطر كبير على حياة المسلمين الألبان ولن تحل قضية مسلمي كوسوفا سوى بالجهاد والنضال حتى آخر قطرة دم.

ووجه كلامه لسفير الصرب بأنكم تكذبون على المجتمع الدولي وتدعون أنكم تحافظون على حقوق الإنسان وعلى الديمقراطية في بلادكم وهذا الكلام يذكرنا بالدستور الذي وضعه ستالين والذي كان أكثر ديمقراطية من دستوركم ولكن مذابحه ملأت الدنيا وقام سفير الصرب ليرد على سفير البوسنة بالقاهرة عبديتش إلا أن القاعة تدخلت وفكت الاشتباك وانسحب سفير الصرب على الفور من الحلقة.

 ثم تناول الدكتور محمد حرب -رئيس مركز الدراسات العثمانية والعالم التركي بجامعة عين شمس- الحديث عن جذور العداء بين الصرب وأهل كوسوفا المسلمين والذي مضى عليه أكثر من ستة قرون حين هزمت جيوش الصرب في معركة كوسوفا والتي كانت بمثابة المعركة الفاصلة في البلقان سيطرت بعدها الدولة الإسلامية على المنطقة رغم استشهاد قائد المعركة السلطان مراد العثماني.

وأضاف أن ما يقوم به الصرب اليوم بمثابة امتداد المخطط القديم الذي رسمته أوروبا منذ القرن السابع عشر لطرد المسلمين من البلقان بدافع الحقد والانتقام الأمر الذي يشير إلى إرهاصات حرب صليبية جديدة على أعتاب القرن الحادي والعشرين.

وقال إن صربيا تسعى لتشتيت ألبانيا الكبرى في دول البلقان من خلال منع استقلال كوسوفا وإحكام سيطرتها على المنطقة ومحاولة زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي داخل ألبانيا نفسها حتى لا تقوى على مواجهتها في تحقيق أطماعها في بناء صربيا الكبرى، على غرار الاتحاد اليوغسلافي السابق ليشمل أراضي كوسوفا والبوسنة ومقدونيا وغيرها من أراضي المسلمين.

 وأشار إلى أن الألبان في الوقت نفسه يسعون إلى تجميع صفوفهم ولملمة شتاتهم حتى يواجهوا هذه المؤامرات الصربية، الأمر الذي يؤكد استدامة واستطالة أمد الصراع بين القومية الصربية المتعصبة والقومية الألبانية المسلمة الصلبة. 

جيش صربيا أقوى جيوش أوروبا:

بينما يؤكد برهان الدين فيلي رئيس المجلس الألباني الأعلى على أن الانتماء للإسلام وراء ما يتعرض له المسلمون الألبان من إبادة جماعية وحشية على يد الصرب السفاحين ولا يليق بالعالم الإسلامي أن يتفرج علينا ونحن نذبح، وعليه أن يتحرك بكل ما يستطيع ماديًّا ومعنويًّا وعسكريًّا وسياسيًا لإنقاذ إخوانهم في كوسوفا من أجل رابطة الدين.

 وأضاف أن جيش صربيا يعد من أقوى جيوش أوروبا ومن الظلم أن يتركه المجتمع الدولي ليبيد شعبًا مسلمًا أعزل وهو يتفرج ولكن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك لوقف المذابح الصربية ضد المسلمين من شيوخ ونساء وأطفال. 

وعلى الصعيد التركي نقل المستشار الإعلامي لسفارة تركيا بالقاهرة المستشار وجدي قنديل الدفة إلى الدور التركي الذي يعول عليه الألبان أملًا كبيرًا ليؤكد على أن تركيا لا يمكن أن تتخلى عن شعب كوسوفا المسلم حيث توجد روابط تاريخية وثقافية وعرقية تربط بين البلدين فضلًا عن وجود ما يقرب من ٥٠ ألف مواطن تركي يعيشون في كوسوفا.

 وتؤكد الدكتورة هدى ميتكيس -الأستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- أن الأحقاد الصليبية تحرك الصرب ضد كل ما هو إسلامي في كوسوفا حيث غيروا الاسم إلى «كوسوفو» بدلًا من كوسوفا، وقاموا بتغيير اسم جامعة كوسوفا إلى جامعة «سافا» أحد القساوسة الصرب، مشيرة إلى أن أوروبا تضع في حسبانها أن الحل الجذري في البلقان من وجهة نظرها هو خلع أي دولة إسلامية تقوم على أرضها.

 وأوضحت أن الشباب الألباني يرفض التجنيد الإجباري في جيش الصرب حتى لا يجبر على مواجهة أخيه المسلم أو يواجه المسلمون بعضهم بعضًا.

د. محمد حرب: الصرب ينفذون مخططًا أوروبيًّا لاستئصال الإسلام منذ القرن الـ: 17.

د. محمد أرناؤوط: كوسوفا تمثل مركز قوة الألبان في البلقان والصراع يمكن أن ينتشر منها إلي جميع الأطراف. 

الرابط المختصر :