العنوان نريد موقفًا من العنصرية الفرنسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990
مشاهدات 56
نشر في العدد 963
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 17-أبريل-1990
في فرنسا التي ترفع شعار الحرية
والعدالة والمؤاخاة منذ مائتي سنة، في فرنسا التي تدعي أنها ملاذ المضطهدين وأنها
وطن لحقوق الإنسان، في فرنسا هذه يعاني إخوان لنا في العروبة والإسلام من التمييز
العنصري الصارخ ويتعرضون لكل أنواع الاعتداء والاستفزاز، بل ويسقط منهم الضحايا
باستمرار لا لشيء إلا لكونهم يختلفون عن أحفاد الـ«غولوا» في سحنتهم ولون
بشرتهم أو عيونهم أو شعرهم.. يطلق على العرب الرصاص في الليل كما في النهار،
وفي الأرياف كما في المدن، ويداسون بالسيارات المجنونة التي تلاحقهم وتطلق عليهم
الكلاب الشرسة تحت سمع وبصر السلطات الفرنسية وأجهزتها الأمنية والقضائية.
يحدث هذا أيضًا تحت سمع وبصر العرب
والمسلمين ممثلين في باريس بسفاراتهم وقنصلياتهم ومكتب الجامعة العربية وتصل أخبار
الجرائم العنصرية الفرنسية المقترفة ضد المسلمين إلى كل الدوائر والهيئات المسؤولة
على امتداد الوطن العربي والإسلامي، ولكننا نشيح بوجوهنا عن وجه العنصرية البشع في
فرنسا ولا نجرؤ على تسمية الأشياء بمسمياتها، ويحلو لنا فقط أن نناهض التمييز
العنصري في جنوب إفريقيا أو في بقاع أخرى من العالم.. إننا نسمع ليل نهار عن
مناهضة كل الجهات العربية والإسلامية للتمييز العنصري في ناميبيا وجنوب إفريقيا
وغيرها، وعن استنكارات عربية وإسلامية لكل ألوان التمييز العنصري الذي جسدته حكومة
البيض في جنوب إفريقيا والعصابات المحتلة في فلسطين، ولكننا لم نسمع أحدًا يشير
مجرد الإشارة إلى التمييز العنصري في فرنسا وما ينجر عنه من مآس لأبناء العرب
والمسلمين هناك، ألا يكفي أن يسقط كل سنة ما بين ٤٠ و٦٠ مواطنًا عربيًّا بفعل رصاص
الغدر العنصري الفرنسي الذي يطلقه فرنسيون عاديون أو حتى رجال بوليس يبررون
جرائمهم الخسيسة بقولهم: إنهم يكرهون العرب أو يريدون «تخليص» فرنسا
منهم ويرون في صنيعهم بطولة يتحدثون عنها في المقاهي بزهو؟ ألا يكفي أن يسقط ٣٤٠
قتيلًا عربيًّا مسلمًا على أرض فرنسا خلال ست سنوات فقط برصاص العنصريين، ناهيك عن
الاستفزازات والاعتداءات الأخرى والتي تسجل معظمها على أنها بفعل مجهول وتوصف
بأنها جرائم «بدون سبب». ألا يكفي كل ذلك لإيقاظ الضمائر وتحريك السواكن
العربية والإسلامية للدفاع عن الكرامة العربية والإسلامية؟!
إذا كان لا أحد فينا يصف النظام
الفرنسي بأنه نظام عنصري، وإذا كنا نعرف أن البرلمان الفرنسي قد صادق عام ۱۹۷۲ على قانون
لمكافحة التمييز العنصري في الحياة العامة، فإن الحقيقة التي تدلل عليها حوادث
الاعتداء اليومية على أفراد من الجالية العربية والإسلامية في فرنسا هي أن ذلك
القانون ظل حبرًا على ورق، وأن حكومة الحزب الاشتراكي في فرنسا لا تسعى بجدية
للقضاء على ظاهرة العنصرية المتفشية في المجتمع الفرنسي، وكأن هذه الحكومة تخشى من
اتخاذ إجراءات صارمة ضد العنصريين بسبب حجمها الانتخابي الكبير، وبالتالي فهي تخشى
من أن ينقلب الرأي العام عليها في الانتخابات القادمة خاصة وهي تشاهد الانتصارات
التي يحرزها اليمين المتطرف هنا أو هناك، وهو الحامل للواء العنصرية والمنظر لها
بزعامة العنصري ماري لوبان.
لو كانت السلطات الفرنسية جادة في
وضع حد للاعتداءات العنصرية على أفراد الجالية العربية والإسلامية ما كان يطلق
سراح المجرمين العنصريين بعد التحفظ عليهم بضعة أيام، ربما حماية لهم وخوفًا
عليهم من ردة الفعل.
لو كانت السلطات الفرنسية جادة في
مكافحتها لظاهرة العنصرية ما كانت تلك الجرائم لتتفاقم وتتصاعد بوتيرة مفزعة حتى
يغتال ثلاثة من العرب ويجرح آخران جراحًا قاتلة في أسبوع واحد.
إن الفرنسيين العنصريين يطالبون بأن
يتخلى العربي عن ثقافته ودينه وعاداته وتقاليده ليتسنى القبول به في المجتمع
الفرنسي ودمجه فيه، وهذا المطلب ليس إلا تعلة وستارًا يخفي وراءه هؤلاء العنصريون
عنصريتهم المتأصلة في نفوسهم.
وقد أثبتت الأحداث أن العربي حتى لو
تخلى عن جنسيته وتجنس بالجنسية الفرنسية واستبدل بلغته اللغة الفرنسية وباسمه
اسمًا فرنسيًّا يظل عربيًّا في عيون الفرنسيين ويعامل دائمًا على نفس الأساس، وهو
أن العربي قذر متخلف مجرم حتى قبل إدانته، وما أكثر العرب الذين قتلهم رصاص
العنصرية الفرنسية مع أنهم يحملون الجنسية الفرنسية.
ألم يكن سعد سعادوي الموظف بمستشفى
«سيوتا» بجنوب فرنسا واحدًا منهم؟! إن الشاب القتيل سعد سعادوي المغربي الأصل لم
تنفعه جنسيته الفرنسية ولم تنفعه الميداليات والأوسمة التي نالها أبوه تقديرًا على
خدمته في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية وفي أكثر من مستعمرة فرنسية
ضد رصاص الغدر العنصري.
إن هذه الاعتداءات العنصرية تعني
ببساطة أن العربي حتى لو أبدل جلده يبقى مرفوضًا من المجتمع الفرنسي العنصري الذي
باتت عنصريته المقيتة مكشوفة في السنوات الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، وللأسف
الشديد تعمل كثير من وسائل الإعلام الفرنسية على تغذية تلك النزعة العنصرية
وإذكائها بتضخيم الأحداث التي تكون في غير صالح العرب وغض النظر عن الأحداث
والمواقف التي تكون في صالحهم.
إننا ندرك أن هذه القضية ذات تشعبات
كثيرة بعضها ثقافي واجتماعي، وبعضها اقتصادي، وبعضها يمس العلاقات الخارجية للدول،
ومهما تكن تشعباتها فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال السكوت عنها، وأن واجب العرب
والمسلمين يقتضي التحرك على كل الأصعدة لإيجاد حل لها والقضاء على آثارها السيئة
آنيًّا ومستقبليًّا.
إن وضع أفراد الجالية العربية
والإسلامية في فرنسا یزداد سوءًا وتشتد وطأة الغربة والعزلة عليهم ويفقدون الشعور
بالأمن والطمأنينة في محيط يزداد عنصرية على مر الأيام، فهل نتركهم يتعرضون
للإرهاب العنصري بدعوى عدم تعكير العلاقات بين بلداننا والعزيزة فرنسا؟ هل نغمض
أعيننا عن الجرائم العنصرية المرتكبة في حقهم نظير ما يحولونه من مبالغ بالفرنك
الفرنسي ونظير علاقات اقتصادية متميزة الرابحة فيها بالتأكيد فرنسا؟ وأرقام
تجارتها مع الدول العربية أكبر دليل على ذلك.. ألا نعي أن كرامة أفراد تلك الجالية
من كرامة الأمة وأن السب والشتيمة لأي عربي باعتباره عربيًّا هو سب وشتيمة لكل
العرب؟!
فإلى متى نصمت عن كرامتنا المهدورة
في فرنسا؟ وإلى متى نظل نناهض العنصرية في جنوب إفريقيا، والعنصرية الفرنسية تأكل
جانبًا منا؟!
إننا نريد موقفًا شجاعًا من هذه الاعتداءات العنصرية على العرب والمسلمين في فرنسا.