; نزار قباني عقيدته وسلوكه من خلال سيرته الذاتية | مجلة المجتمع

العنوان نزار قباني عقيدته وسلوكه من خلال سيرته الذاتية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987

مشاهدات 104

نشر في العدد 811

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 31-مارس-1987

بقلم: محمد عبد القادر الشواف- الرياض

● ما الذي يجنيه نزار من هذه المجاهرة بالفسوق؟ وهل لنا أن نعد ذلك تقربًا منه لأعداء الله، وبراءة من الخلق القويم وحسب الشريعة؟

تعرض كثير من الكتاب لمهاجمة الشاعر «نزار قباني» وانتقاده.. فمنهم من انتقد فسقه ومجونه، ومنهم من بيّن فساد عقيدته ودينه، ومنهم من أوضح انحراف خُلقه وسلوكه، ومنهم من تناول شخصيته التي اختلطت فيها عناصر متعددة، من فراغ روح، وانحراف فكر، وشذوذ نفس، وقد خلط بعضهم بين جودة الشِعر والفكر، فلا يسمى شاعرًا عندهم من لا يربطه بالخُلق والدين سبب، وكأن جودة الشِعر لديهم مستحيلة على المُجان والفساق، مع أن تاريخ الأدب يزخر بكثير من أولئك الشعراء الذين كانت لهم- بجانب فسقهم ومجونهم- في میدان الشعر راية أي راية، وفي حلباته وميادينه خبرة ودراية؛ لذا فنحن هنا لا نناقش نزارًا أهو شاعر أَم غير شاعر؟.. وكل من كتب فيه تراهم بأبيات من شِعره يستشهدون، وبمقاطع من قصائده على صحة دعواهم يستدلون، لكن بعض ما يستشهدون به لم يكن واضح الدلالة على ما يريدون، وبعضه يحتمل عدة معان، ويصرف لعدة وجوه، وبما أن الواجب على المسلم أن يكون متجردًا لله، لا يحاسب الشاذ إلا على قدر شذوذه، ويكون قائمًا بالقِسط بلا تجاوز ولا شطط، وإذا ما أراد دحض شبهة أو نقض فرية، فعليه أن يؤيد ذلك بدليل بيّن واضح، لا لبس فيه ولا غموض.

من أجل ذلك أردت أن أبيّن للناس، وخاصة الذين ينظرون إلى «نزار» بعين الحُب والرضا، فهم ينافحون عن زيغه، ويدافعون عن ضلالاته، فأقدمه إليهم مجلوًّا دون قناع، ليتحدث إليهم عن نفسه، ويبسط بين يديهم عقيدته وسلوكه، عسى أن تتضح لديهم الرؤية، ولا يستبهم عليهم القصد، فلنأخذ كتابه «قصتي مع الشِعر» الذي تحدث فيه عن سيرته الذاتية وقصة حياته، خاصة ما يتعلق منها بالجانب الشِعري لديه.. يذكر مراحل حياته، طفولته ونشأته ودراسته، والمؤثرات في شِعره، فها هو في مطلع حديثه يقول: «سأحدثهم.. عن أخباري وعن أسفاري، وعن أشعاري، سأحدثهم عن بداياتي، وعن هواياتي، وعن صديقاتي»([1]).

ثم يفتخر نزار بأنه كان يكتب أشعاره على هوامش كُتب الشريعة، فيقول: «قصيدتي الشهيرة نهداك- مثلًا- كتبتها على هامش كتاب الشريعة، وحين دخلت الامتحان في نهاية العام كانت علامتي في مادة الشريعة من أردأ العلامات»([2])، فما الذي يجنيه نزار من هذه المجاهرة بالفسوق؟ وهل لنا أن نعد ذلك تقربًا منه لأعداء الله، وبراءة من الخُلق القويم وحُب الشريعة؟ 

هذه القصيدة التي دونها على كتاب الشريعة- على ما فيها من مجون واستهتار- يعدها الشرارة الأولى التي أدت إلى شهرته، فيقول: «كانت الشرارة الأولى التي أطلقتني، والمفتاح إلى شهرتي.. الطلبة العراقيون كانوا يسكرون عليها على ضفاف دجلة، واللبنانيون كانوا يمزمزونها على موائد العرق في زحلة.. وفي المدارس كان الطلاب يضعونها داخل كُتب الحساب والجغرافيا»([3]).

فأية جريمة يقترفها نزار، وأية فتنة يضل بها الناس، وأية رسالة تحملها تلك القصيدة الماجنة، لتشغل الطلبة عن دروسهم؟؟!!

ثم نَجِده يعترف بإفساده لجيل الطلاب من براعم الأمة، فيقول: «لقد كان الطلاب خلال تاريخي الشِعري كله، جنودي وكتائبي وراياتي، فبهم شددت أزري، وبهم أسرجت خيولي، وبهم أكملت فتوحاتي»([4]).

ألا ترونه يركز جل اهتمامه على جيل الشباب ليفسده، فيجعلهم يفقدون اللون والبريق، ليكمل بهم فتوحاته، وأي فتوحات يعني!! وأية خيول أسرج؟

وها هو في موضع آخر يفتخر بالحُب، و يعتز بأسرته التي تمتهن تلك الطريقة من الحب، فيقول: «الشهيدة هي أختي الكبرى وصال، قتلت نفسها بكل بساطة، وبشاعرية منقطعة النظير؛ لأنها لم تستطع أن تتزوج حبيبها»، أو ليس في ذلك دعوة واضحة لأن يقدِم الناس على ذلك الموت الشاعري، ويحببه لهم؛ ليقودهم إلى الجحيم؟ ثم يتساءل قائلًا: «هل كان موت أختي في سبيل الحُب أحد العوامل النفسية التي جعلتني أتوفر لشعر الحُب بكل طاقاتي؟»([5])، وما معنى إقراره لطريقة موت أخته في سبيل الحُب؟ أليس الانتحار محرمًا في شريعة الإسلام؟

ثم يفتخر بأبيه، وبحبه للنساء قائلًا: «كان أبي إذا مَر به قوام امرأة فارعة، ينتفض كالعصفور، و ينكسر كلوح من الزجاج»([6])، لقد اقتفى نزار أثر والده بل تفوق عليه، إذ صرح بارتكاب الفاحشة، ولا يجد حرجًا في ذلك، فيقول: «كنت حين أخرج من مخدع البغي، أعتذر لجسدي، وأبكي أمامه كالطفل المُذنب، عله يسامحني»([7])، أما اعتذاره لمن خلق جسده فلا يَرِد له في حساب، ثم يقول: أنا لا أحترف قتل الجميلات، وإنما أحترف عبادتهن»([8])، ولا يجد غضاضة بأن يجاهر بالمعصية وشرب الخمر في حياته فيقول: «وإذا كانت الخمرة تفك عقدة لساني كعاشق، فإنها تربطه كشاعر»([9]).

ثم يتحدث عن عم والده «أبي خليل القباني» ماذا كان سلوكه، وما هي رسالته، بعد أن تحدث عن والده ونفسه- لندرك جيدًا أنها ذرية بعضها من بعض- فعم والده كما يقول: «هز مفاصل الدولة العثمانية.. وأراد أن يحول حانات دمشق، التي كانت تزرب فيها الدواب، إلى مسارح.. ويجعل دمشق المحافظة النقية الورعة.. برودواي ثانية»([10])، ثم ينطلق من ساحة فجور عمه ليهاجم العمائم واللحى، فيقول عندما نشر قصيدته «خبز وحشيش وقمر»: «العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل، طالبت بشنقي.. والذقون المحشوة بغبار التاريخ، التي طلبت رأسه، طلبت رأسي»([11]).

ومع اعترافه بمجون عمه وفسقه الذي يريد إفساد بلد، وتحويله من معقل طهر، إلى ماخور رذيلة، فإنه لا يخجل أن يعيب على العلماء الذين وقفوا في وجهه، ووجه حامل رسالته من بعده، وماذا يقصد بالعمائم؟ أليسوا علماء المسلمين، وورثة كِتاب رب العالمين؟ وماذا يعني بغبار التاريخ الذي حشیت به ذقونهم؟

ومقابل حملته الحاقدة على المسلمين، نَجِده يتزلف النصارى، ويسعى دائمًا لإرضائهم، بل أنه حين يعدد نفرًا من الشعراء، يقدم النصارى على المسلمين([12]).. بل إنه ليظهر للناس تأثره بالنصرانية بسماجة مكشوفة، ومغالطة ملموسة، فيقول: «..وأستمع إلى لعنات اللاعنين وصراخ الصارخين.. بابتسامة عريضة.. مستلهمًا كلمات السيد المسيح رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون»([13])، والرسول- صلى الله عليه وسلم- هو الذي قال ذلك عندما آذاه كفار قريش، فقال: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»، فلماذا لم يستلهم هذه المعاني من صاحب الرسالة الخاتمة، ما دام مسلمًا؟!! وماذا يعني من ذلك غير التقرب للنصارى، ومحاولة كسب حُبهم وعطفهم؟! أما عن الاتجاه السياسي لنزار، فلعلنا نستلهم ذلك من تعليقه على سجن أبيه حيث يقول: «كان أبي إذن يصنع الحلوى ويصنع الثورة، وكنت أعجب لهذه الازدواجية فيه.. أذكر هذا لأقول أن هذه الازدواجية في شخصية أبي، انتقلت إليَّ وإلى شِعري بشكل واضح.. فشعر الحُب الذي أصبح جواز سفري إلى الناس، لم يكن في الحقيقة إلا واحدًا من مجموعة جوازات أستعملها»([14])، إذن فنزار لم يكن شاعر المرأة فحسب، إنما له اتجاه سياسي مُعين، ولو أنه يدعي بعد ذلك أنه لم ينتم لأي حزب([15])، ولعل في حديثه عن أمه ما يوضح لنا شيئًا من ملامحه الفكرية، فهو يقول: «أما على الصعيد الفكري، فلم يكن بيني وبين أمي نقاط التقاء، فلقد كانت مشغولة في عبادتها و صومها وسجادة صلاتها»([16])، فإذا لم يكن بينه وبين أمه العابدة نقاط التقاء، فماذا يكون إذن؟

إن ما ردده نزار في شِعره لم يكن مجرد هفوات أو سبق لسان، أو ذنبًا يتراجع عنه،

إنما كان تعبيرًا عن فكرة، وبيانًا لمعتقد، وهذا ما يقر به ولا يحول عنه: «وقصائدي هي الصورة الفوتوغرافية الوحيدة التي تشبهني، وكتبي التي نشرتها هي جواز سفري الحقيقي»([17])، وإن كان ذلك الاعتراف لا يكفي، فما معنى قوله: «إنني في كل ما كتبته كنت جزءًا من الرواية، لا مُشاهدًا في مقاعد المتفرجين، فأنا لا أؤمن بوجود النار إذا لم أحترق بها»([18]).

وبعد كل هذا، ماذا سيقول المدافعون عنه؟ هل يلتمسون له المعاذير بعد إقراره بالجُرم المشهود؟ أَم أنهم سيسلكون سبيله وينهجون دربه؟!!

وماذا بعد يا نزار، إذا كانت هذه بعض شواهد سيرتك التي كتبتها بقلمك؟!! -إذ إنني استبعدت عن الاستشهاد كل الأمور الغامضة التي يمكن تأويلها، ويمكن الدفاع عنها- وهل أدركت- أخي القارئ- أي خطر يمثله هذا الشاعر على شبابنا؟! وهل عرفت لماذا نناصبه العداء؟ إنه البغض في الله فحسب، ولو أنه ثاب لرشده، ورجع لربه، لوجد صدورنا مشرعة لاستقباله، ولتأكيد ذلك فإننا نوجه إليه دعوة صادقة، بأن يرتجع عن غيه، بعد أن بلغ من العمر ما بلغ.. و يراجع حساباته.. عسى الله أن يختم له بخير العاقبة إن صدق، وإلا فنسأل الله أن يجنب المسلمين فتنته، ويقيهم شره، والحمد لله أولًا وأخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 

([1]) ص ۱۳.

([2]) ص 64.

([3]) ص 95.

([4]) ص 96.

([5]) ص 71.

([6]) ص72.

([7]) ص 148.

([8]) ص 153.

([9]) ص 209.

([10]) ص 37.

([11]) ص 39.

([12]) انظر ص 69.

([13]) ص 217.

([14]) ص 28.

([15]) انظر ص 100.

([16]) ص 74.

([17]) ص 80.

([18]) ص 198.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

144

الثلاثاء 31-مارس-1970

نهايَة دَولَة الشعَراء

نشر في العدد 33

131

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

والشعراء يتبعهم الغاوون

نشر في العدد 243

105

الثلاثاء 01-أبريل-1975

قضّية فكر