العنوان نزار نيوف.. شاهد سوري:
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1467
نشر في الصفحة 30
السبت 08-سبتمبر-2001
هل كان موت باسل الأسد من تدبير جهات أمنية سورية؟
وكيف يكون موقف الرئيس بشار من قتلة أخيه؟
نزار نيوف «40عامًا» مواطن سوري من قرية بسنديانة التابعة لمدينة جبلة الساحلية احتل بجدارة مكانًا بارزًا في الوقائع السورية لما يمثله من مصدر معلومات يتوقع أن تكون رافعة لإحداث الانعطاف المطلوب في الوضع السوري خلال الأيام أو الأسابيع القادمة.
لسنا طبعًا من أنصار تفسير التاريخ من خلال الفرد البطل لكننا نقدر أهمية الجهود الفردية في الزمان والمكان المناسبين أي في لحظة استنفار الشعب السوري من جهة والنخب الثقافية من جهة ثانية وأحزاب المعارضة الوطنية من جهة ثالثة، ووجود قوى أو جهات علياء في النظام الحاكم من جهة رابعة.. تسعى جميعًا للتغيير ويقف أمام التغيير معوق واحد متمترس بأسراره وممارساته وهراواته الغليظةومراهنته على سكوت الجهات العليا والطائفة على تجاوزاته التي لا تنتهي بل التي نالت من الطائفة نفسها، ونالت من ابن رئيس الدولة باسل الأسد نفسه. إن نزار نيوف بمثابة الفأس التي أسهمت في تآكل الفاصل الصخري بين النهر الضخم والرافد الذي يمر بجواره، بضرباته كسر الحاجز وتم اتصال الرافد بالنهر العظيم.
نزار نيوف صحفي معارض وهو أحد سجناء الرأي كان رئيس تحرير مجلة «صوت الديموقراطية» الصادرة عن مجلس الدفاع عن الحريات الديموقراطية في سورية، وقد أطلق سراحه من السجن في شهر مايو «أيار» الماضي قبل عام من انتهاء عقوبة سجن، مدتها عشر سنوات حكم عليه بها لاتهامه السلطات السورية بارتكاب «مخالفات» في الانتخابات التي أجريت عام ۱۹۹۱م، وكان لزيارة بابا الفاتيكان ولجهات حقوقية دولية دور في تعجيل الإفراج عنه، وهو يعاني من الشلل الجزئي بسبب التعذيب الوحشي الذي تعرض له خلال فترة الاعتقال، كما يعاني من أمراض أخرى عصبية ونفسية لدرجة لا يستطيع معها التنقل وحده، وهو شبه أعمى أيضًا.
كان موضوعًا تحت الإقامة الجبرية ممنوعًا من التنقل، كما كان بحاجة إلى السفر إلى أوروبا للمعالجة، فهدد بنشر معلومات خطيرة ما لم يسمح له بالسفر للعلاج، وحدد موعدًا لذلك، فاختطفته المخابرات العسكرية، واقتادته مكممًا بكيس أسود إلى حيث تعرض للترغيب والترهيب مقابل سكوته عن المعلومات التي في حوزته فأجابهم إنني لن أكون شاهد زور، وأن شرعيتي سآخذها من الشارع وليس من السلطة، وأدت هذه الأجوبة إلى مرحلة «الترهيب» إذ قالوا: إذا لم تفهم الدرس من غيرك فإننا سنقص لسانك، ونطعمه للكلاب في ليلة ما فيها ضوء. واستغرقت عملية الخطف (٤٨) ساعة لم تنته إلا بتدخل الرئيس الأسد عشية سفره إلى فرنسا الذي أعطى أوامره «بأن يخلقوه من تحت الأرض»، لأنه شعر بأن عملية الخطف موجهة ضده.
معلومات مؤكدة؟
معلومات عن مقابر جماعية لأفراد من المعارضة قامت أجهزة الأمن بتصفيتهم سرًّا في الماضي. إضافة إلى امتلاكه إثباتات عن بيع بعض المسؤولين قطعًا من أراضي الصحراء السورية لدولة غربية، بهدف جعلها مقبرة لنفاياتها النووية، وأن شحنتين من النفايات دخلتا الأراضي السورية في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وأن أحد أبناء كبار المسؤولين كان وراء تلك الصفقات التي لوثت البلاد بالإشعاع النووي، فكانت السبب الرئيسي وراء انتشار أمراض السرطان المختلفة ولدى نيوف إحصائيات موثقة من جهات طبية متخصصة حول الارتفاع الهائل بإصابات السرطان بين السوريين.
في رسالة نيوف إلى شيراك أشار إلى مقتل ما بين ۱۳ و۱۷ ألف معتقل سياسي بسبب التعذيب في سجن تدمر الصحراوي ما تزال هياكلهم العظمية مدفونة جماعيًّا، وأوضح أن بين قتلى التعذيب هؤلاء 1500 لبناني وعددًا من الأردنيين والفلسطينيين، علمًا أن أخطر ما في معلوماته قوله إن أجهزة الأمن السورية متورطة في مقتل باسل الأسد نجل الرئيس السابق حافظ الأسد وشقيق الرئيس الحالي «رویتروز 23/6/2001م».
الاختطاف:
يذكر نيوف ثلاثة أسباب لاختطافه:
الأول: شخصي لأن بعض الشخصيات الأمنية المتضررة من رسالة رفعها إلى رئيس مكتب الأمن القومي تضمنت نيته عقد مؤتمر صحفي يكشف فيه معلومات عن ملفات خطيرة، والسبب الثاني هو التشويش على زيارة الرئيس السوري إلى فرنسا حيث تريد جهات معينة القول: إنهم يمسكون الوضع ولديهم قوة. بل إن بعض الذين اعتقلوه كانوا ينتقدون عملية الإصلاح. قال أحدهم: هل تعتقد فعلًا أن هناك حرية وإصلاحًا؟ من يحكي سنقص لسانه. والسبب الثالث: ربما ظنت أجهزة الأمن أن نيوفًا ينوي اللجوء إلى السفارة الفرنسية.
أهمية الشاهد نيوف:
الأهمية الأولى لشهادة نيوف أنه بشخصه وحاله وأقواله كشف عن وجود خلافات داخل السلطة السياسية في سورية، وهي خلافات كنا نشير إليها من خلال التحليلات السياسية، بناء على الارتباكات التي حصلت فالرئيس يصدر المراسيم، ثم يجري عرقلتها أو تعطيلها أو التراجع عنها.
أما الأهمية الثانية فهي تسميته الجهات المسؤولة عن عرقلة الإصلاح، وهي الجهة التي قامت بعملية اختطافه بقصد الإساءة للرئيس ولوعوده الإصلاحية وعملية تطهير نظام الحكم من الفاسدين والمرتشين والمتحكمين بلقمة عيش المواطنين: وهم رموز الحرس القديم الذين لا تروق لهم الإصلاحات بل هم متضررون منها: لأنها ستضع حدًّا لعنجهيتهم، وتفردهم بالقرار السياسي والاقتصادي وحتى الأمني في البلاد.
أما الأهمية الثالثة الأكبر والأخطر، فهي كشف القناع عن طبيعة الصراع السياسي في سورية، فإلى وقت غير بعيد كانت الجهات «المنتفعة» باستمرار الاحتقان السياسي والتوتر الأمني تصور الإشكال السوري على أنه صراع طائفي محض، وبين الحين والآخر تحذر هذه الجهات الأمنية «المحترفة» من خطر حرب طائفيةبينما هي تتربع على عرش الامتياز، وتمص دماء الشعب بكل شرائحه وطوائفه وطيوفه السياسية والاجتماعية، ولو اقتضى الأمر اغتيال وجوه سياسية أو عسكرية من رموز الطائفة نفسها من محمد عمران إلى صلاح جديد وإلى الشاعر منير الأحمد ابن بدوي الجبل إلى عمه الشاعر أحمد سليمان الأحمد، وأخيرًا وليس آخرًا، الإسهام في مقتل باسل الأسد.
فالحرس القديم- بما فيهم أباطرة الأمن العتاة- وحدهم في زاوية، والشعب السوري كله والجهات العاملة على الإصلاح والتغيير في الدائرة المقابلة.
إن الشعب السوري كله بقواه السياسية والاجتماعية المعارضة والساكنة «المحايدة في الظاهر» تنتظر هذه الشهادة الفاصلة، وإن توقيع المثقفين من أبناء الطائفة على بيانات أنصار المجتمع المدني، وإسهامهم في أنشطة هذه اللجان لهي شهادة أخرى تسجل لحساب وحدة الجبهة الوطنية وتماسكها وتحديدها للغول الداخلي الذي يأخذ بخناق الحريات والإبداعات وعوامل النهوض.
لقد اغتاظ الحرس القديم وأباطرة الأمن من خطاب الرئيس السوري لدى أدائه القسم ثم اغتاظوا من إجراءاته الاقتصادية والسياسية، ثم زاد غيظهم من الحراك السياسي وظهور أنصار المجتمع المدني، ومن تأييد الإخوان المسلمين لإجراءات الإصلاح وأنصار المجتمع المدني، ثم إعلان الإخوان مشروعهم ميثاق شرف للعمل الوطني السياسي، واتهمهم مسؤول أمني رفيع حتى بنياتهم، ولم يطيقوا شخصًا مريضًا معارضًا اسمه نزار نيوف فاختطفوه جهارًا نهارًا في وسط دمشق.
ولكن ليس بالغيظ ولا بالهراوة ولا بالخداع المستمر تبنى العروش فضلًا عن الأوطان والحضارات.
نحن في المعارضة السورية لن نحرض الرئيس على مراكز القوى المحيطة به المحبطة لجهوده، ومساعيه، لأنه يعرفهم أكثر مما نعرفهم نحن، فإذا كان صحيحًا أنهم قتلوا أخاه أو أسهموا في قتله، فماذا نقول له لنحذره أو نذكره في معركته معهم إن الأيام أو الأسابيع القادمة فاصلة، ونحن لسنا متشائمين من المستقبل.. لأن السارق، مدان ولأن المجرم جبان، ولأن الأمور قد اتضحت كليًّا للعيان، ولا يصح إلا الصحيح.
حين ظهر نيوف على قناة الجزيرة سقطت دعاوى اتهامه بالجنون والاختلال. فقد بدا إنسانًا قوي الذاكرة، حاضر الحجة، متوازنًا جريئًا، ولعل هذه الجرأة في عصر الخوف العربي مستغربة لدرجة الجنون، لعلها هي سبب هذه الدعاوى السلطوية المريبة.. ومن الجنون أيضًا التخلي عن المنطق الطائفي في عصر البلقنة واللبننة والأرابيسك المطعم بالنكهة العنصرية الصهيونية.
إن ردة الفعل المتشنجة التي صدرت عن الأجهزة الأمنية ومشتقاتها الإعلامية تجاه تصريحات نزار نيوف.. تعكس مدى أهمية أقواله وخطورتها على قلاع الزيف والقهر التي آن الأوان لزحزحتها ووضعها بين يدي القضاء العادل خارج القطر وداخله .