الثلاثاء 16-ديسمبر-1980
أدرك المسلمون الصادقون هذه الحقيقة بدءًا من مفهوم الخلافة الإسلامية التي اعتبرها الفقهاء فرض كفاية يقع إثم التخلف عن تحقيقه على عامة المسلمين إذا لم ينهض به خاصتهم.
ومرورًا بنظام الدولة التي حكمت شريعة الإسلام في سياستها واقتصادها ونظمها الاجتماعية ووسائل التربية والتعليم فيها في الأمة التي تظلها شريعة السماء في دستورها وقوانينها لتعيش في كنفها الأسرة المسلمة التي تهدف إلى إقامة البيت المسلم الذي يعتبر نواة المجتمع النظيف الذي يتحقق على بسطته دعائم إيمان الفرد الذي تنبثق طاقاته من ركائز التوحيد.
ولقد أدرك الشرق والغرب هذه الحقيقة كما أدركها المسلمون الصادقون فشنا على الإسلام والمسلمين حربهما الضروس لتقتلع أولًا مفهوم الخلافة من جذورها فأحال دولتها إلى دولة علمانية وأعانه أغرار المسلمين وأدعياء الإسلام فاستجابوا لتقطيع أوصال أمتهم واستعانوا ببعضهم على بعض هدمًا وقتلًا وتخريبًا وحين صحت عزائم الشعوب على مواجهة المستعمر واجهوه -للأسف- من منطلق ماركن الاستعمار فيهم من دعاوى القومية والشعوبية والاشتراكية والماركسية بعيدًا تمامًا عن قدس الإسلام ونظمه التي تستوعب فضائل كل هذه الدعاوى وتلفظ خبثها.
ونادى الصادقون من المسلمين أن أفيقوا أيها اللاهون فإن بيت المسلم في مصر هو بيته الذي يحترق في سوريا وهو داره التي تخرب في أفغانستان.
وإن أخاه الذي يقتل في تشاد وهو شقيقه الذي يحتضر في الفلبين وأن قدسه السليب في فلسطين هو عين قدسه الذي ينتهك في كل مكان تداس فيه حرمات الإسلام.
وهكذا فهم المسلمون الصادقون معنى خلافتهم في الأرض.
فلم يفهموها على أنها خلافة عثمانية تركية أو عصبية قحطانية عربية وإنما رأوها الراية التي تتوحد فيها أمة الإسلام وتضم في حناياها شتات المسلمين أيًا كان جنسها!!
وكان لا بد لتحقيق هذا الفهم من قوة تصونه وتصان به وتعزه وتعتز به فحكم الإسلام لا يمكن أن ينبع من فراغ ولا يمكن أن يكون أقوالًا تطرح في فضاء!
وهكذا لم يكن عسيرًا على الصادقين من المسلمين أن يدركوا أن القوة في الإسلام مطلب مقصود لذاته في الفرد والأمة والمجتمع والدولة فضلًا عما يقتضيه لتحقيق أهدافه ومراميه، بل واعتبر تاركها وناسيها عاصيًا كما في قول رسول الله -صلى عليه وسلم- «من تعلم الرمي ونسيه فقد عصاني» كما خص القوة بالرمي فقال -صلى الله عليه وسلم- في تفسير معنى القوة الواردة في الآية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠).
ألا «إن القوة الرمي» وكررها ثلاث مرات!
وقد استعاذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مظاهر الضعف كلها في دعائه المأثور «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» فاستعاذ من مظاهر ضعف الإرادة التي يورثها الهم والحزن واستعاذ من مظاهر ضعف الإنتاج بما يورثه العجز والكسل واستعاذ من مظاهر الفقر وعجز المال بما يورثه الجبن والبخل ومن مظاهر ضعف العزة والكرامة بما يورثه الدين وقهر الرجال.
ولقد أدرك الصادقون من المسلمين أن أول درجات القوة العقيدة ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط ثم بعدها قوة الساعد والسلاح ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوافر لها هذه المعاني جميعًا.
وقد استجاش الملحدون والمستعمرون مخاوف الحكام من الإسلام فاعتبروا القوة جريمة ومن استكمل عدته منها فقد استكمل أركان الجريمة وادعوا أن المسلمين دعاة ثورة وعنف وقتل وإرهاب ورسالتهم تخريب الوطن وتهديد كل سلطان وانطلقت أبواق الصحافة تنشر حول ذلك الأراجيف والأوهام.
وقد آن لنا أن نبصر حقيقة إسلامنا بعيدًا عما يرجفه المرجفون فقد نزل الإسلام ليحكم بقوة المسلمين لا بضعفهم وبعزتهم لا بذلهم وبثروتهم لا بفقرهم وجبنهم وهذه هي عقيدة الإسلام!!
وصدق الله العظيم ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٤٩، ٥٠).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل