العنوان نساء مجاهدات في العصر الحديث: زوج المجاهـد محمود الجوهري أمينة علي.. عطاء بلا حدود
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2007
مشاهدات 51
نشر في العدد 1752
نشر في الصفحة 43
السبت 19-مايو-2007
رغم عدم حصولها على شهادة دراسية كانت تكتب في «مجلة الإخوان» المسلمين الأسبوعية تحت عنوان «أخواتنا».. وفي مجلة الإخوان اليومية تحت عنوان «إليكِ»
كان لها باع طويل في الدعوة إلى الله ورعاية أسر المعتقلين.. وشاركت زوجها في حل الخلافات الأسرية في بيوت الإخوان
لمواجهة خطر الأمية في مصر شاركت مع الأخوات في إنشاء مدرسة «التربية الإسلامية للفتاة» بالقاهرة لتعليم اليتيـمات
كانت ضمن المجموعة التي توجهت للوزراء والملك بمذكرة من الإمام البنا لدحض أسباب حل الجماعة عام ١٩٤٨م..
بتهمة رعاية بيوت المعتقلين وأسر الشهداء.. عانت مرارة الاعتقال بالسجن الحربي في عهد عبد الناصر المدة ثلاثة شهور
نشأت أمينة علي في بيت حرص على تعلم القرآن الكريم، والسير على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبالرغم من عدم حصولها على شهادات دراسية، إلا أن أباها عمل على تعليمها الكتابة والقراءة مما ساعدها كثيرًا على حفظ قدر كبير من القرآن الكريم، وترعرت الزهرة على حب الإسلام، وعملت على بث روح الإسلام الصحيح وسط صديقاتها وقريناتها.
کان محمود الجوهري – الذي ولد عام ١٩١٣م – يحب الإسلام والعمل له، وكان يدعو أن يرزقه الله الزوجة الصالحة التي تعينه على ذلك، واستجاب الله دعاءه فرزقه بفتاة على خلق ودين وهي السيدة أمينة علي، وتم الزفاف عام ١٩٣٥م..
وفي عام ١٩٤٠م تعرف الزوج على دعوة الإخوان المسلمين، وعاد وقلبه يرقص فرحًا بهذا الخير يزفه لشريكة حياته، فما كان منها إلا أن شاركته الفرحة، وطلبت منه أن تعمل هي أيضًا تحت هذا اللواء..
ويذكر الجوهري عن كيفية تعرفهما على دعوة الإخوان فيقول: « كان لي زميل في المدرسة سكنه في حي طولون - أحد أحياء القاهرة - وكان يسبقني في الانتساب إلى الإخوان المسلمين بفترة، وبحكم منزله في حي «طولون» طلبت منه بعض السيدات أن يعطيهنّ درسًا في الدين في مكان أثري وواسع بالقرب من مسجد «أحمد بن طولون»، وكان يرى نشاطي، حيث كنت أقوم في المدرسة بجمع الأولاد في فترة الظهر - بين الفترة الصباحية والفترة المسائية، بعد تناولي الغداء، وأعلمهم أولًا كيفية الوضوء، ثم أعلِّمُهم كيفية أداء الصلاة، وكانت الاستجابة من التلاميذ استجابةً طيبةً، وكان العدد كبيرًا.
وفي هذه الأثناء، وكان ذلك في عام ١٩٤٢م، طلب مني زميلي «الأستاذ هاشم العمري» أن ألقي درسًا للسيدات في هذا المكان الأثري الذي كان يلقي فيه هو درسًا للسيدات، وفعلًا ذهبتُ، ولكني أخذت معي زوجتي الحاجة «أمينة علي»، وعندما ذهبنا إلى المكان ألقت الحاجة «أمينة» درسًا. وبعد إلقائها الدرس طلبت الحاضرات معاودة ترددها على المكان مرةٌ أخرى، وجاءت لي «أمينة» وقالت: يريدون درسًا في أماكن أخرى؟ فقلت لها: انتظري حتى أسأل، وذهبت إلى الإمام الشهيد «حسن البنا» وقلتُ له على الموضوع كله، وقلت له: هناك ثلاثة أو أربعة مساجد مفتوحة، ونريد وُعّاظًا. فقال: الحمد لله.. هذا عظيم، وقال لي: لا ترد طلبًا.. فقلت: نريد وعاظًا، فكلَّم الشيخ «عبد اللطيف الشعشاعي»، فكان يلقي الدروس الشيخ «عبد اللطيف»، و«محمود سعيد» و«زينب عبد المجيد» زوجة الشيخ «عبد اللطيف» و«أمينة علي» لكل واحد منهم درس.
ولقد اعتنى الإمام الشهيد - عليه رحمة الله - بقسم الأخوات فأولا اهتمامًا شديدًا، واتخذ لهذا القسم مقرًا في ١٧ شارع الخازن بالحلمية الجديدة، بجوار المركز العام بالقاهرة، وانتخب القسم لجنة تنفيذية من بعض الأخوات للإشراف على عمل الأخوات، في ١٢ من ربيع الأول ١٣٦٣هـ الموافق ١٤ من أبريل ١٩٤٤م. وقد ضمت هذه اللجنة كلًا من:
السيدة آمال عشماوي «رئيسة».. والسيدة فاطمة عبد الهادي «وكيلة».. والسيدة أمينة علي «أمينة الصندوق».. والسيدة فاطمة توفيق «سكرتيرة أولى».. والسيدة منيرة محمد نصر «سكرتيرة ثانية».. والسيدة زينب عبد المجيد وهانم صالح وسنية الوشاحي وفاطمة عبيد وزهرة السنانيري ومحاسن بدر وفاطمة البدري.
واتخذت اللجنة مقرًا لها بالمنزل رقم ۱۷ شارع سنجر الخازن بالحلمية الجديدة في بالقاهرة، ثم تحول مقر القسم المنزل المستشار منير دلة بشارع إسماعيل سري رقم ١٦، وفي انتخابات ١٩٤٨م اختيرت السيدة أمينة علي سكرتيرة للقسم.
وقد نشطت السيدة أمينة علي في نشر فكر الأخوات المسلمات بالاشتراك مع أخواتها، فكونَت لجنة لزيارة الشعب والأقاليم وتفقد أحوالها، وتكونت هذه اللجنة من: أمينة علي وزينب عبد المجيد زوجة الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي واعظ قسم الأخوات، وفاطمة عبد الهادي حرم الشهيد محمد يوسف هواش - الذي حكم عليه عبد الناصر مع الشهید سید قطب وعبد الفتاح إسماعيل بالإعدام عام ١٩٦٥م- وقد زارت هذه اللجنة معظم فروع الأخوات في الوجه البحري والإسكندرية وبعض مدن الصعيد.
نشاطها الدعوي
كانت «أمينة علي» أمين الصندوق لقسم الأخوات، ثم انتخبت سكرتيرة للقسم، ولم يكن ذلك عملها فحسب، بل كانت داعية في المقام الأول، فكتبت في صحف الإخوان المسلمين المختلفة تحث النساء على العمل للإسلام، وتوجه الأخوات لكيفية العمل، وكانت تكتب في ركن الأخوات في مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية تحت عنوان: أخواتنا، وفي مجلة الإخوان اليومية تحت عنوان: «إليكِ».
أضف إلى ذلك نشاطها في لجنة الزيارات التي كونها القسم، ولم يقتصر نشاطها على الجانب الدعوي وفقط، بل كان لها دورها في الجانب السياسي؛ حيث كانت ضمن المجموعة التي توجهت للوزراء، والملك بمذكرة من الإمام تحت البنا لدحض أسباب حل الجماعة عام١٩٤٨م..
يقول الأستاذ الجوهري: «قامت مجموعة من «الأخوات» سلَّمهم الإمام الشهيد مذكرةٌ تفنّد مبررات حل «الإخوان» للطواف بها على مكاتب الوزراء ومجلس النواب ومجلس الشيوخ والقصر الملكي ورئاسة الوزراء، ومن ضمن المكاتب التي مرَّت عليها هذه المجموعة.. مكتب وزير من وزراء الوزارة السعدية في هذا الوقت، وهو «علي أيوب»، وقد كان شديد الكراهية - كباقي أعضاء الوزارة السعدية - لـ«الإخوان» وما يقوم به «الإخوان». فلمَّا عرف أن هذه العريضة من المرشد العام ومن «الأخوات» هاج هياج الثائر في الحرب، وهدَّد وصاح، ولكن «الأخوات» كُنَّ في ثبات، فردت عليه إحداهن: «هذا ما سلمناه لك هو رأي «الإخوان».. قبلته أم لم تقبله»، وانصرفن من عنده إلى القصر الملكي في «عابدين».
وضمت اللجنة «أمينة علي» و«فاطمة عبد الهادي» و«زينب عبد المجيد»، و«فاطمة توفيق».. مجموعة مكونة من حوالي سبعة أو ثمانية، ودخلن القصر الملكي لتبليغ هذه العريضة للملك عن طريق لقائهن بالملكة، فاستقبلتهن كبيرةُ الوصيفات بكلام لطيف، فقالت الحاجة «أمينة علي» - وهن خارجات القصر: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍـــ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ (الدخان:٢٧:٢٥)، وإن شاء الله نرث هذه الجنات.
رياحين المجتمع، كما أنها اعتنت بالجانب الاجتماعي فأنشأت مع الأخوات مدرسة لليتيمات «مدرسة التربية الإسلامية للفتاة»، وكانت ناظرة المدرسة الأخت فاطمة عبد الهادي، وكان مقر المدرسة في شارع بستان الفاضل بالمنيرة بالقاهرة، وظلت تعمل حتى أصابها ما أصاب ممتلكات الجماعة بعد الحل في ٨ ديسمبر ١٩٤٨م، حيث استولت الحكومة عليها..
وتقول فاطمة خليل في ذلك: «وفي عصرنا الحاضر هناك نساء شاركن في تنمية الجانب الاجتماعي في المجتمع؛ فهذه أمينة علي زوجة محمود الجوهري تنشئ مدرسة لتعليم الفتيات اليتيمات، ومن خلالها تقيم المعارض للأشغال اليدوية، وتجعل ريعها لمساعدة أسر الشهداء والأسرى والمعتقلين».
وفي ١٩٥٤م كان لها دور كبير في مستوصف الإخوان بإمبابة في علاج الفقراء، وتجلى دورها الاجتماعي في مشاركتها في حل المشاكل الأسرية التي تقع بين الأزواج والزوجات، يقول الأستاذ الجوهري: «وكان من ضمن نشاط قسم «الأخوات» حلُّ مشاكل الأسر، وكانت أي مشكلة يعرف بها الإمام الشهيد في بيت من بيوت «الإخوان» كان يرسل إليَّ، أو إذا كنت موجودًا كان يقول: اذهب أنت والحاجة «أمينة» إلى بيت فلان في المكان الفلاني وحلُّوا المشكلة، وكنَّا نذهب، وكنَّا نسهر في بعض الأوقات مدةً طويلةً حتى تُحلَّ المشكلة».
وشاركت في تنظيم العديد من معارض الملابس والأدوات المنزلية وغيرها من المشاريع التي كانوا ينفقون عائدها على الفقراء..
وبعد تعرض الإخوان للمحنة ١٩٥٤م، ودخول كثير منهم السجن، أخذت السيدة أمينة على عاتقها رعاية أبناء الشهداء والإنفاق على بيوت المعتقلين من الإخوان، وشاركها كثير من الأخوات أمثال الآن السيدة نعيمة خطاب زوجة المستشار الهضيبي وابنتها خالدة، والسيدة زينب الغزالي،.. وغيرهن..
وتشكلت لجنتان: اللجنة الأولى ومهمتها إعداد الطعام والملابس للإخوان بالسجون، وكانت مسؤولة هذه اللجنة الأخت زهرة السنانيري - شقيقة الأستاذ كمال السنانيري -تعاونها الأخت أمينة علي وفاطمة عبد الهادي وسنية الوشاحي وغيرهن، واللجنة الثانية مهمتها زيارة أسر الإخوان المعتقلين بصفة مستمرة، وتقديم كل ما تحتاجه هذه الأسر ماديًا وأدبيًا.
وبعد مذبحة طرة في أول يونيو ١٩٥٧م، والتي أقدم عليها نظام عبد الناصر في حق ۲۱ من الإخوان، قامت الأخوات برعاية أسرهم...
تقول السيدة زينب الغزالي في ذلك: «علمت أن الوالدة الفاضلة المجاهدة الكبيرة حرم الأستاذ الهضيبي تبذل هي أيضًا مجهودًا كبيرًا مع بعض الفضليات الكريمات من الأخوات المسلمات مثل: المجاهدة آمال العشماوي حرم الأستاذ منير الدلة، وكانت هي بنفسها على رأس الأخوات المسلمات. ومثل خالدة حسن الهضيبي وأمينة قطب وحميدة قطب وفتحية بكر والمجاهدة أمينة الجوهري وعلية الهضيبي وتحية سليمان الجبيلي. واتسعت اتصالاتي رويدًا رويدًا فاتصلت بخالدة الهضيبي في سرية شديدة ثم بحميدة قطب وأمينة قطب. وكل ذلك من أجل المعذبين والأطفال واليتامى».
محنتها: ما كان لشخصية مثل السيدة أمينة أن تنجو من يد الظالمين؛ فنتيجة لجهادها في الدعوة إلى الله قبض عليها الطغاة عام ١٩٦٥م، وأودعوها السجن رغم إصابتها بمرض السكر والذبحة الصدرية والقلب، حتى كانت تأتيها إغماءة بين الحين والآخر، مما اضطر زوجها أن يكتب اعترافًا بأنه المسؤول عما نسب إليها من قضايا وأخرجوها من السجن، خوفًا من أن تموت داخله بعد أن قضت في أتون جحيم السجن الحربي ثلاثة أشهر، قضتها بين التعذيب والتحقيق ومنع الأدوية عنها، وقد اعتقل معها أكثر من مائتي أخت من الأخوات المسلمات.
وبالرغم من ذلك صبرت واحتسبت لله كل ذلك، ولم تقنط يومًا من قدر الله، بل كانت
دائمًا تلجأ إليه بالدعاء حتى أفرج عن زوجها عام ١٩٧٣م، وما كادت تفرح بخروج زوجها حتى ابتلاها الله في ابنها المقدم حامد حيث استشهد في حرب أكتوبر ۱۹۷۳م أثناء العبور، فما زادت عن الاسترجاع وترديد قول الخنساء: «الحمد لله الذي شرفني بقتله وادعو الله أن يجمعني به في مستقر رحمته».
وكانت قد رزقها الله بثلاثة من الأولاد، فكانت مثالًا للزوجة الصالحة والأم الحنون؛ حيث لم تقصر يومًا في حق زوجها أو دينها: فكانت تصلي الفجر، وتؤدي ما عليها نحو بيتها وزوجها وأولادها، ثم تذهب إلى أحد الدروس أو مهام الدعوة الإسلامية في العاشرة صباحًا لتعود ظهرًا قبل أن يعود زوجها.
رحيلها
ظلت أمينة على تعاني من الأمراض التي تكالبت عليها حتى لحقت بالرفيق الأعلى في مارس عام ١٩٨٠م، وهي ثابتة على طريق دعوة الله ومبادئ الإخوان، وظل زوجها وفيًا لها ولدعوة الله حتى لحق بها في مساء الثلاثاء الموافق الثامن من صفر ١٤٢٥هـ، ٣٠ مارس ٢٠٠٤م ليسعدا معًا إن شاء الله برضا الرحمن.
المراجع
١ـ محمد عبد الحكيم خیال، محمود محمد الجوهري: الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، الطبعة الثانية، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، ۱۹۹۳م.
٢ـ جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الخامس، الطبعة الأولى، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ٢٠٠٥م.
٣ـ مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية لعام ١٩٤٧، ١٩٤٨م وجريدة الإخوان المسلمين اليومية لعام ١٩٤٨م.
٤ـ زينب الغزالي: أيام من حياتي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، الطبعة الأولى، ۱۹۹۹م.
٥ـ فاطمة بنت خليل محمد محسن: دور المرأة المسلمة بين الأصالة والمعاصرة، مكتبة صيد الفوائد الإسلامية.
٦ـ إخوان أون لاين، ٤/٤/٢٠٠م.