; نساء مجاهدات في العصر الحديث.. وفاء وسلوى ابنتا مشهور.. على درب الصالحين | مجلة المجتمع

العنوان نساء مجاهدات في العصر الحديث.. وفاء وسلوى ابنتا مشهور.. على درب الصالحين

الكاتب مريم السيد هنداوي

تاريخ النشر السبت 24-مايو-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1803

نشر في الصفحة 40

السبت 24-مايو-2008

  • نموذجان للمسلمة المجاهدة الصابرة.. العارفة بحق ربها ودعوتها
  • تمسكتا بالحجاب في زمن استشرى فيه السفور والعري
  • وفاء اختارت الزوج الأكثر التزامًا بالجماعة والأقرب لوالدها في الزنزانة

إننا في عصر تلتهم فيه النيران بنيان الإسلام، على الرغم من أن دعائم أحقيته لم تتجل للأبصار والبصائر كما تجلت في هذا العصر، فاقتضت هذه الظاهرة أن يتضاعف أعداد القائمين بواجب الدعوة إلى هذا الدين الحنيف، بل إن هذه الظاهرة اقتضت أن يتحول كل مسلم صدق مع الله في إسلامه إلى جندي يقوم بواجب الدعوة إلى الإسلام قدر استطاعته، وفي نطاق إمكاناته. 

لقد كانت مهمة الدعوة إلى الإسلام من فروض الكفاية يوم كانت المجتمعات الإسلامية تسير قدمًا على طريق الإسلام، أما اليوم فقد أصبحت مهمة الدعوة الإسلامية فرضًا من الفروض العينية، يخاطب به كل مسلم صادق مع الله في إسلامه، ولم تعد مقتصرة على ثلة من الناس مهما بلغ شأنهم ومهما كانت أهميتهم.

والأستاذ مصطفى مشهور من هؤلاء الذين صدقوا مع الله وربي أبناءه وبناته على هذه المعاني.

وفاء وسلوى مصطفى مشهور كانتا نموذجًا للمسلمة الداعية، المجاهدة الصابرة، العارفة بحق ربها ودعوتها.
نشأتهما

في بيت يعد مثالاً للبيت المسلم نشأت هاتان الفتاتان على حب الله والعمل من أجل دينه. وتربتا منذ الصغر على الصبر والتضحية، فقد كانتا مثالًا صالحًا لفتيات المسلمين وقت اعتقال والدهما عام ١٩٤٨م، ثم ضربتا أروع الأمثلة وقت اعتقاله عام ١٩٥٤م، بل كانتا نموذجًا يحتذى وقت أن فقدت إحداهما زوجها الحبيب وابتليت الأخرى بالاعتقالات المتكررة لزوجها وأبنائها، وبالرغم من ذلك لم تنسيا المبادئ التي نشّأهما الوالد عليها.

ففي ١٠ يوليو ١٩٤٨م ولدت الابنة سلوى، وسرعان ما حرمت من حنان الأب بعد اعتقاله في حادث السيارة الجيب في ١5 نوفمبر ١٩٤٨م، ولم يخرج إلا بعد أن أتمت ثلاث سنوات في 27/3/1951م  (1). 

وولدت وفاء بعد خروج والدها من المعتقل عام 1952م- بعد أن حكمت عليه المحكمة في قضية السيارة الجيب بثلاث سنوات انقضت في التحقيقات والمحاكمات.

صبرت الوالدة على فراق الزوج وعملت جاهدة على تربية أولادها تربية صالحة، حتى خرج الزوج، غير أنه وجد هيئة الأرصاد تنتظره بقرار نقله إلى مطروح، فحمل أبناءه وزحف إلى مطروح تنفيذًا لقرار النقل، وقد عانى الأولاد كثيرًا، ولم تكد وفاء تبلغ العامين حتى اختطف والدها من بين أحضانها- وهي الصغيرة التي تحتاج لحنانه- وظل قابعًا خلف قضبان السجون حتى خرج عام ١٩٦٥م، غير أنه سرعان ما اعتقل مرة أخرى عام ١٩٦٥م، ولم يخرج إلا بعد أن توفي عبد الناصر.
كبرت البنتان، وخرج الوالد من معتقله وقد عرفتا معنى المسؤولية من والدتهما التي كانت تحرص على إعطائهما مصروفهما الشهري كاملًا من أول الشهر حتى يدركا معنى تحمل المسؤولية التامة.

 التحقتا بالتعليم، وبالرغم من نظرة زملائهما إليهما إلا أنهما كانتا تشعران بالفخر بوالدهما، فقد كان الأطفال يقولون لهما: «إن والدكما جان، وكان يريد قتل الرئيس»، فكان هذا الكلام وأمثاله ينزل عليهما كوقع الصاعقة، غير أن حصنهما في هذه الفترة كانت الأم التي كانت تطيب خاطرهما، وتعرفهما حقيقة أبيهما وفخرها به، كما قامت الوالدة بوضع صورة الوالد

أمامهما حتى لا ينسيا شكل والدهما مع مرور الزمن، كما كانت تشتري لهما الحلوى وتخبرهما أن والدهما هو الذي أرسلها لهما؛ حتى تزيد ارتباطهما بأبيهما.

ولقد انتقلتا مع والدتهما من المعيشة في قرية «السعديين» إلى مركز «منيا القمح» لإتمام المرحلة الثانوية، وكان أحد مدرسي المدرسة يضايق الابنة سلوى بسبب حبس أبيها، فكانت تعود حزينة، فكانت الأم تواسيها وتغرس فيها الثقة بأبيها، وتشرح لها مدى صدق الإخوان وحبهم للوطن، وبعد خروج الوالد انتقلتا معه للعيش في القاهرة (٢).

وفي عام ١٩٦٧م تعرضت وفاء وأختها الصغرى سمية إلى الاضطهاد من مدرسة اللغة الإنجليزية بسبب ارتدائهما للحجاب في زمن عز فيه ارتداء الحجاب، وكان من المظاهر الشاذة في هذا العصر، حيث استشرى السفور والعري، فكانت تأمرهما بخلعه، بل كانت مديرة المدرسة تنتظرهما عند باب المدرسة لتجبرهما على خلعه غير أنهما بمعاونة الوالدة انتصرتا ولم يخلعاه، وفي ذلك تقول وفاء: «ارتديت أنا وأخواتي سلوى وسمية الحجاب في السن الشرعية للفتاة، بل إن أختي سمية ارتدته معي، وهي أصغر سنًا حيث كانت في الصف الخامس أو الرابع الابتدائي، وكان في أوائل الستينيات، وأذكر عندما كنت في الصف الأول الإعدادي بمدرسة «سراي القبة» سنة ١٩٦٥م وكنت الوحيدة في المدرسة بأكملها التي ترتدي الحجاب، حتى إن مديرة المدرسة كانت تنزعه من على رأسي عنوة، ونتيجة لحرص الوالد وتوصياته ذهبت والدتي إلى المديرة، وأصرت على ارتدائي للحجاب، وقالت: لابد أن تظل ابنتي بالحجاب، ولكم فقط ما تطلبون من لون معين».

التحقت سلوى بكلية التربية الفنية، والتحقت وفاء بالمعهد الديني بالمعادي، وانطلقتا لتثبنا للجميع أن المحنة يمكن أن تتحول إلى منحة، فتفوقتا في دراستهما، ولم ينسهما الوالد المغيب خلف قضبان السجن، لكن كان دائمًا ما يرسل لهما ما يرطب القلب ويزكي النفس، فكان دائمًا يرسل خطابًا لكل واحدة منهما، يغرس فيها بعض المعاني الحية، ومن هذه الرسائل الرسالة التي أرسلها لوفاء يقول لها فيها:

«ابنتي الحبيبة وفاء، تحية طيبة من عند الله مباركة طيبة وسلام الله عليك ورحمته وبركاته.. سلامي وأشواقي لكم وتمنياتي الطيبة»، كما قال لأختها سلوى: «وألف سلام لك يا سلوى، وأعانك الله في الدراسة والتدريس، وخلاص ذهب الحزن بسبب تأخر الخطابات، وقد وصل الخطاب الذي كتبتموه، فشكرًا لكم وأعانكم الله» (3). 
الزواج الصالح

ما كادت سلوى تبلغ العشرين من عمرها حتى تقدم للزواج منها ابن عمها عبد المعز عبد الستار مشهور - وكان ملازمًا في الجيش بسلاح المظلات، غير أنه تركه وعمل في الأعمال الحرة عام ١٩٧٦م، وكان هذا الزوج محبًا للإخوان، وكان يتصف بالشهامة والشجاعة ويصفه د. محمد عبد الجواد بأنه كان يتمتع بالخلق الحسن والكفاءة العالية في شؤون الحياة، وكان محبًا لعمل الخير والمشاركة في الجمعيات الخيرية. 

وقد سارع الوالد بتهنئة ابنته العزيزة في خطاب قال لها فيه: «ابنتي الحبيبة سلوى، السلام عليكم... لعله يصلك خطابي هذا بعد تمام عقد الزواج ليحمل لك تهنئتي الخاصة من أعماق قلبي....»، وأخذ يستحثها على حسن الخلق مع الزوج ورعايته بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه. 

أما وفاء فقد تقدم لخطبتها المهندس محمد عبد الجواد، المعيد بكلية الهندسة جامعة أسيوط، وهو أحد قادة الإخوان في اسيوط- وكان معتقلًا مع والدها، فقال له الوالد: امنحني بعض الوقت لأستشيرها، وكان قد تقدم لها أيضًا ثلاثة من أقربائها فسألها الوالد وقد شرح لها ظروف كل من المتقدمين، وتركها تختار تحقيقًا لسنة رسول الله ﷺ فقد روى عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قَالَ: «الأَيْمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وليها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (موطأ مالك، باب استئذان البكر والأيم. ٢٥/٤)، غير أنها فاجأته بسؤالها عمن هو أكثر التزامًا بالجماعة، وأيهم أكثر قربًا من الوالد، فأجابها بأنه مـحـمـد عبد الجواد، فوافقت على الفور، فقال لها: ألا تنتظرين حتى يراك وترينه، فقالت: بالنسبة لي هذا يكفيني، ووافق الوالد وأرسل «كارت معايدة» إلى المهندس محمد يدعوه لإتمام الزواج، وتم عقد الزواج بقرية «السعديين» دون إرهاق الزوج في تكاليف الزواج، والعروس كانت لا تزال في السنة الأولى من كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، وقد عمل الوالد على تهيئتها للحياة الجديدة عباديًا وتربويًا وفقهيًا واجتماعيًا ودعويًا، وتم الزفاف وأنجبت مولودتها الأولى «هبة» عام 1974م (4). 

محن وابتلاءات

ما كادت سلوى تولد حتى اختطف والدها من بين أحضانها عام ١٩٤٨م، كما لم تكد وفاء تبلغ الثانية من عمرها حتى اختطف مرة ثانية عام ١٩٥٤م، وتجرعت الفتاتان كأس الحرمان من حنان الأب وقسوة الأيام لنظرة المجتمع لهما واضطهاد المدرسة لهما.

 وما كادتا تنتقلان إلى بيتي زوجيهما حتى عانت كل واحدة منهما موجة من الابتلاءات، فقد تعرض زوج وفاء للاعتقال كما تعرض ابنها للاعتقال بين الحين والآخر، وما يكاد يخرج من محنة إلا ويدخل في أخرى والأم صابرة، بل كانت تدفعه للثبات على مبادئه وفكر الإخوان المسلمين، بل لم تكتف بذلك فحسب بل خرجت مع أخواتها لتحرك المظاهرات لنصرة الإسلام وللتنديد بما يحدث للإخوان بل للمسلمين في كل مكان.

كما تعرضت سلوى إلى زلزال فراق زوجها في أغسطس ۱۹۹۷م بعد مرض أقعده عن الحركة وكان والدها يقول له: إن الله سبحانه وتعالى قد فتح عليك الدنيا بمتاعها وزخارفها وبحب الله لك لم يتركك حتى تلقاه على هذه الحال، فلعله أراد أن يغفر لك السيئات بأن أصابك بالمرض. كما أنها حرمت نعمة الأمومة فصبرت على قضاء الله، وبعد وفاة زوجها انتقلت للحياة مع أبيها فكان خير معين لها على طاعة ربها، وكان يحببها في الطاعة ولا يجبرها على شيء، فكان يقول لها- بعد وفاة والدتها بدأ دورك، فقد كانت أمك تقرأ في هذا المصحف مما يدفعها للقراءة فيه، وكان يقول لها: كانت أمك تصوم الإثنين والخميس، فكانت تقتدي بها، وكان يوقظها ليلًا ويقول لها: كانت أمك تتهجد معي، فيدفعها للوقوف بين يدي الله، وكانت المفاجأة لها يوم أن عاد لها من المسجد مريضًا، ونقل إلى مستشفى النزهة، فكانت هي وأختيها وفاء وسمية يقمن بالدعوة وسط الممرضات بالحسنى، لكن سرعان ما تركها الوالد وانتقل إلى جوار ربه في رمضان ١٤٢٢هـ نوفمبر ۲۰۰۲م، فصبرتا على فراق الأحبة واحتسبتا الأجر عند الله (5). 

الدعوة إلى الله

لقد عملتا في نطاق دعوتهما، وإن كان لوفاء دورها البارز لطبيعة المرحلة التي تعيش فيها، وقد اشتهرت بكتاباتها الحية التي تنم عن فكر حي، يشيع الحياة في القلوب، ولقد كتبت تحت عنوان «استلهام دروس الهجرة لإعداد الداعيات في مرحلة التغيير» تقول: إن التدافع بين الحق والباطل من سنة الله الكونية، وما نشاهده في حياتنا من صراعات وتناحر هو في حقيقة الأمر صراع بين الحق والباطل، ولا يحسم هذا إلا التربية، ولذلك يجب أن يتعرف أهل الحق على غاياتهم وتكون واضحة أمامهم، وأن يعد الدعاة الإعداد الجيد الذي يدفعهم لتحقيق الهدف، وهو إقامة دولة الإسلام والحفاظ على الفطرة السليمة، وأن يظل كيان الإنسان المسلم صالحًا من أجل نصرة الإسلام ونهضة أمتنا.

إن المتأمل في السبب الأساسي والدافع الرئيس للهجرة ليس هو الفرار من شدة الإيذاء والتعذيب، ولكن الدافع الرئيس هو إقامة دولة الإسلام العالمية التي تحمل الدعوة عالميًا، ولكن بوصول الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة بداية إقامة الدولة الإسلامية؛ مما يدل على أن هذا الهدف كان يملأ قلوبهم وعقولهم ومنه تنطلق حركاتهم وتدور حوله الأهداف المرحلية الأخرى القريبة والبعيدة، وحين جاء الإذن بالهجرة ظهر على الفور الاستعداد وسرعة التنفيذ. 

فالأخت الداعية لا تتأثر عندما يشتد الصراع بين الحق والباطل، بل إنها تزداد همة وإيجابية، مدركة لدورها، صامدة واثقة في نصر الله، ولتعلم أن مكر الخصوم بالدعوة والدعاة أمر مستمر طوال طريق الدعوة وبطرق كثيرة؛ تضييقات.. واعتقالات.. وإخراج من الأرض.. واستبعاد من الوظائف.. وإغراء النفوس الضعيفة بالمال وها نحن نرى كيف رصد الكفار مائة ناقة لمن يأتي بواحد من المهاجرين، ومنهم «سراقة بن مالك» الذي عاد بعد هذه المغامرة الخاسرة ماديًا بأطيب رزق، وهو الإيمان، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال: 36).

فالأخت الداعية المربية لابد أن يكون لديها وعي بالمبدأ وطبيعة المرحلة، وأن تكون صابرة على تحقيق الهدف، فمن صبر حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة فأجره على الله.. إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة. 

ولا تنسي- أختي الكريمة- أن المربية الناجحة هي التي لديها من قيادة الأرواح قبل كل شيء، وفن التعامل مع جميع النفسيات، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان أداء الجنود، وعلى قدر البذل والعطاء من المربين يكون الحب والترابط بينها وبينهن، ولا يفوتنا هنا أن من أهم صفات الأخت المربية الناجحة أن تكون مرهفة الحس، وفي الوقت نفسه متزنة العواطف والانفعالات (٦). 

الهوامش

(۱) حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الحاجة سلوى مشهور يوم 6/9/2007م. 

(۲) مجلة المجتمع الكويتية: مقالة زبيدة عبد الحليم مشهور، العدد ١٧٦٨ بتاريخ 8/9/2007م. 

(۳) محمد عبد الجواد محمد، مشهور مصطفى مشهور حياة مصطفى مشهور كما عاشتها أسرته، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦هـ / ٢٠٠٥م، ص (٦٤).

(٤) المرجع السابق، ص (٨١ - ٨٤). 

(٥) حوار مع الحاجة سلوى مشهور. 

(6) موقع إخوان أون لاين: 2/2/2006م. 

الرابط المختصر :