; نصر بدون حروب! وبيع بدون مقابل! | مجلة المجتمع

العنوان نصر بدون حروب! وبيع بدون مقابل!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 1029

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

تعتري الإنسان حيرة أمام كثير من أوضاع أمتنا فيسأل: كيف اتسعت عقول الناس وضاقت عقولنا؟ وكيف ارتقت مدارك الناس وتلاشت مداركنا؟ نبغ الناس وأبدعوا، وجهلنا وشردت أفهامنا، وتقدم الناس واخترعوا وأنتجوا، وتأخرنا وترهلنا وصرنا عالة، واتحدت الأعراق والملل والنحل وتناصروا، وتنافرنا وتقاتلنا وتباغضنا ونحن من أصل واحد وملتنا واحدة، وعزت الأمم وامتنعت وصينت حقوقها وشمخت كرامتها، وهُنّا وصرنا لا نرد يد لامس، وضاعت مقوماتنا وأريقت دماؤنا وأعراضنا! نظر الناس في الحوادث والنوازل بضياء العقول ووهج البصائر، ونظرنا فيها بمنطق الأبله السفيه الضائع.. كسب الناس حاضرهم وتسنموا زمانهم واطمأنوا على غدهم وخططوا لمستقبلهم، وخسرنا حاضرنا ولعننا زماننا وتقاذفتنا الأيام لمستقبل مجهول مخوف راعد!

أقول: إذا وصلت الأمم إلى هذه الحالة البئيسة تمزقت بغير ممزق وتحطمت بغير محطم، وذهبت قوتها بدون مقاومة، وسلبت أوطانها بدون قتال، وضاعت حريتها بدون حرب، وصارت كالذبيحة التي وقعت على الأرض ومدت عنقها للجزار تنتظر الإجهاز عليها، قائلة له: افعل ما ترى ستجدني إن شاء الله من الصابرين!

إن ما صارت إليه الصومال اليوم لهو المثل الحي والوسيلة الإيضاحية الشاخصة التي تبرز للعيان وتحدث بحقب الضلال والفساد وتحكي صراعات العماية والجهل والغباء، وتسطر قصص الظلم والجبروت وضياع الهوية وفقدان الشخصية وأساليب العمالة. فما وصلت إليه الأوضاع في هذا البلد المسلم يندى له الجبين، ويستحي منه من له أثارة من إحساس صراع قضى على الأخضر واليابس.. وحروب حصدت الأرواح حصدًا مريعًا، وهدمت البلاد هدمًا ذريعًا وتركت البلاد بلقعًا.. أنشب الفقر أنيابه في أجساد الشعب المسكين فصرعه، وطوى الجوع أحشاء الأمة المضيعة فأطاح بها ذات اليمين وذات الشمال كأنها حمر مستنفرة فرت من قسورة.

وظلت الديار الخربة تردد نعيق الغربان المتقاتلة، ويدوي في أرجائها نباح الكلاب المسعورة، وتصدح في أجوائها عويل اليوم المشؤومة، حتى زال النعيم وولى الثراء وهلك الحرث والنسل. وكأنها تحكي قصة سبأ وتردد عبرة مأرب ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سورة سبأ: 15-17).

ولكن ما وقع للصومال اليوم هل هو فتنة عمياء تشعل للقضاء عليه؟ أو هي نار هوجاء توجع الفتك به يذكيها جهل قادته، وعماية حكامه وشهوة رواده واستنواق شعبه وضلال مثقفيه؟ أم هو انبثاق ذاتي ناتج عن تراكمات محسوبة من المتربصين ومرصودة من الطامعين بتوقيت دقيق وإرهاص محكم، فجاء الغرباء الذين لا يعرفون إلا مصالحهم لقطف الثمرة بغير جهد، واحتلال الديار بغير حرب، وإنشاء قواعد بغير ثمن، وتسخير الشعوب بدون أجر، واستحلال الرقاب بدون مقابل؟ وإنها والله لسنن الضياع التي تجري على السفهاء بغير تخلف، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.

ولكن هل تسير أمم أخرى لم تفقه الدرس على هذا الطريق الوعر؟ وهل تسلك شعوب أخرى لم تفهم الإشارة هذه المفازة المهلكة والصحاري المحرقة؟ وتندم ولات ساعة مندم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! قد يكون، وقد يصحو النائم وينتفض العملاق ويفرح المؤمنون بنصر الله!

واقرأ أيضًا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل