العنوان نصف قرن من الفساد.. كم يحتاج من برامج وأزمنة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2029
نشر في الصفحة 39
السبت 01-ديسمبر-2012
قد يطول الكفاح ولكنه في النهاية هو الفرج المبين، وقد يعظم الصبر ولكن له العقبى والفوز العظيم، وصدق رسولنا الكريم حين قال: «إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، «وإن مع العسر يسرًا» يطول الكفاح إذا كان الفساد كبيرًا ومتأصلًا، والظلم مستشريًا ومنتشرًا، والظلام كثيفًا وداجيًا، ويعظم الصبر ويطول عندما يكون البغي مسلحًا ومدعومًا، والعبث كثيرًا ومدعومًا، والخراب عامًا ومسنودًا.
فلا بد أن تتربى له أجيال على عزم وقوة وسطوة وإرادة وصبر وتضحية، لتزيل هذا الفساد البهيم والظلم العظيم، وهؤلاء هم عمد أمتهم، وفخر أجيالهم، ومثل شعوبهم، وقدوة أزمانهم، والأزمات لها رجال، والجهاد له أبطال، والإصلاح له سواعد وعقول، لا تعرف الكلل ولا الملل ولا القعود، أو اليأس
والإحباط منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مِّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدِّلُوا تَبْدِيلاً (۳) ﴾ (الأحزاب).
ونحن في المعركة مع الفساد اليوم لا نحسبها حلوى، أو عسلًا وسمنًا، ولكنها الصاب والعلقم الذي به تعجم العيدان وتمتحن النيات والعزائم إنها النيران التي تخرج خبث المعادن:
سبكناه ونحسبه لجينًا فأبدى الكير عن خبث الحديد
ولا يحسبن أو يظنن ظان أن الطريق إلى المجد مفروش بالورود والرياحين، وإنما هو مكدس بالصاب والعلقم:
لا تحسب المجد تمرا أنت أكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وما يلاقيه المصلحون في مصر اليوم من صاب وعلقم غير مسبوق، وإنما هو أساس لحضارة غير مسبوقة.. وإصباح غير ذي غبش يجاهدون بكل قواهم لقلع الفساد ومحاصرة الخراب، وإقامة العدالة، ومنع البغي، ورفع المظالم بأفضل الطرق، وأحسن الأساليب التي لا تؤدي إلى فتن أو جراح.
وكل دعوة لها أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها، ولها وسائلها التي توصلها إلى ما تريد، وعندها أوراقها التي تعمل على ترتيبها للإفادة منها، ونحن عندنا ما ليس عند غيرنا، وفي حوزتنا الكثير من المعالم التي تقيم الحضارات وتحمي الأفكار وترعى الإنسان وتحفظ الدول عندنا الإسلام الرباني والوحي الإلهي، وعندنا السيرة العطرة مضرب الأمثال في التاريخ القديم والحديث وعندنا التاريخ الناصع المشرف والعلماء الذين علموا الدنيا وأثروا الحضارات بالفكر والبحث، عندنا الكثير الكثير مما يلفت نظر العدو قبل الصديق لكن البعض يريد أن يصرف المسلمين ويلهيهم عن دينهم وتراثهم، ولكن الإسلام غلاب، ولا ينقصه سوى رجال صدق تظهر الحق وتقشع الغيوم عن الشموس الوضاءة، حتى يظهر النور وينفلق الإصباح.
وللحق، فقد خرجت أصوات منصفة ونزيهة حتى من غير المسلمين من أمثال إستانلي لين بول»، و«فاتيكيوتس» و«توماس أرنسولا» و«آنا ماري شميل»، ثم «مراد هوفمان»، و«رجاء جارودي»، تكشف عن المغالطات وتجلي الحقائق حول حقائق هذا الدين العظيم الذي أبهر العالم.
يقول «إستانلي لين بول»: «إن المسلمين في ديار الإسلام قد كفلوا الحرية التامة لغير المسلمين في إقامة شعائرهم الدينية والاحتقال بأعيادهم، ولم يحد المسلمون يومًا من حرية غيرهم».
ويرى «فاتيكيوتس» أن «السنوات الأولى من الحكم الإسلامي كانت تتميز بالحرية تجاه الأديان الأخرى، وكانت تصرفاتهم تعكس الخلق الإسلامي الصحيح، وتأخذ بألباب غير المسلمين وتشدهم إلى هذا الدين، وتمهد عقولهم للدخول فيه».
ويؤكد المستشرق الإنجليزي المعروف «توماس أرنولد» أن «الملاحدة ظلوا ينعمون فـي ظـل الـحـكـم الإسلامي بدرجة من التسامح ليس لها مثيل في أوروبا، وأن العقيدة الإسلامية تلتزم بالتسامح مع جميع أتباع الديانات الأخرى».
وهو بهذا يؤكد شهادة «عيشويابة» الذي تولى كرسي البابوية من ٦٤٧ - ٦٥٧م والتي قال فيها: «إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم ليسوا أعداء للنصرانية، ولكنهم يمتدحون ملتنا، ويوقرون قسيسينا وقديسينا ويمدون يد العون إلى كنائسنا وأديرتنا».
وفي هذا قال «كارل بروكمان»: إنه «حين أرسل الله عيسى عليه السلام قبل محمد صلى الله عليه وسلم فقد أرسل رسلًا قبل عيسى، وحين تنبأ عيسى بمحمد فقد تنبأ موسى بعيسى كنبي خاتم أرسله الله إلى العالم أجمع وليس إلى قوم بعينهم ليصحح مسيرة الرسالات التي سبقته، ويبلغ الناس الرسالة الصحيحة التي حملها إبراهيم من قبل وشوهتها الأحداث والأشخاص. وتأسيسًا على ذلك فقد حمّل الله أمانة الرسالة إلى هذا النبي ليبلغها إلى البشرية جمعاء، وقد استشعر محمد هل هذه المسؤولية وحمل هذا النداء وبلغه لكل الناس بكل أمانة وموضوعية».
أما «آنا ماري شميل»، عميدة المستشرقين في الغرب، فقد أبدت أسفها وحزنها الشديدين بسبب الربط بين الإسلام وما يربط به زورًا وبهتانًا، أو ما يرتكب باسمه من جرائم».
فهل نستطيع ترتيب أنفسنا للاستفادة من قرآننا وتعاليمنا وتراثنا واستثمارها في نهضتنا نسأل الله ذلك.. آمين آمين.