العنوان نصيحة الإخوان المسلمين للثورة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 73
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 22
السبت 20-يوليو-2002
في يوم 1952/8/2م «أي بعد عشرة أيام من قيام حركة الجيش المصري», نشرت الصحف المصرية نصيحة للثورة، قدَّمتها جماعة الإخوان المسلمين نابعة من «سنة الإخوان المسلمين أن يتقدموا إلى الأمة وإلى أولي الأمر فيها- في مثل هذه المراحل المُتَغَيِّرة من تاريخها- بالرأي, يستقونه من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي سوَّى بين المسلمين وغير المسلمين في حقوقهم وواجباتهم العامة، ولا يُفَرِّق بين جنس وجنس, ولا بين لون ولون».
وتدُل هذه النصيحة في مُجملها «إذا أخذنا في الاعتبار تاريخها»، على أن للإخوان المسلمين نظرة شاملة، وبُعد نظر، وبرنامجًا مُتكاملًا لقيام دولة عصرية قائمة على مبادئ الدين الحنيف، آخِذة في اهتمامها كل فئات الشعب من مسلمين وغير مسلمين، وتُغَطِّي النصيحة سبعة جوانب:
1- التطهير الشامل: لكي يكون التغيير ذا فاعلية، لابد من إبعاد ومحاسبة المسؤولين الذين أساءوا استخدام السُلطة والنفوذ, وسرقوا الشعب، ونهبوا خيرات الأمة، وغيَّبوا الحريات, وعذبوا خِيرة الأبناء، واقترفوا الاغتيالات، مع التأكيد على إلغاء الأحكام العرفية.
والمعروف أن هذا المطلب لا يزال يراوِد الشعب المصري حتى هذه اللحظة، ولا يزال المصريون يرزحون تحت قانون الطوارئ منذ أكثر من نصف قرن.
2- الإصلاح الخُلُقي: وذلك بإعداد جيل جديد عن طريق التربية الدينية والخُلُقية والوطنية، وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي والمصري، وتوفير التعليم للمواطنين جميعًا مع دعم المعاهد والجامعات، وتزويدها بحاجتها من مكتبات ومعامل وأدوات البحث، وزرع الوازع الديني لدى المواطن؛ ليكون له بمثابة المُراقِب والمُحاسِب، كذلك المُطالبة بإلغاء القُمار، وإغلاق دور المراقِص والأفلام الهابطة والمجلات المثيرة للغرائز.
ولله در الإخوان! أليس هذا هو مطلَب المخلصين من أبناء هذه الأمة عبر العقود, خاصةً في خضم الفضائح الخُلُقية، وجرائم الاختلاسات والتجسس لصالح الأعداء، واندحار القيَّم والتخلِّي عن المبادئ والثوابت؟
3- الإصلاح الدستوري: المُطالبة بإعادة الحياة النيابية، وتعديل القوانين الانتخابية على أصول سليمة لتأدية رسالتها على الوجه المنشود، وأن يستمِد الدستور بُنوده من «مبادئ الإسلام الرشيدة في كافة شؤون الحياة».
وطوال الخمسين سنة الماضية تئن مصر تحت الحكم الفعلي للفرد الواحد حتى ولو جرت استفتاءات صورية، كما أن مجالسها النيابية مجالس «موافقون»، وإذا أرادها المواطنون مُمَثِّلةً لهم منعتهم واعتدت عليهم قوات أمن النظام «كما حدث مؤخرًا في منطقة الرمل بالإسكندرية».
4- الإصلاح الاجتماعي: وهو ضروري بسبب التناقض الاجتماعي الواضح بين الغِنى الفاحش، والفقر المُدَقِّع, «وهذه حال لا يرضى عنها الإسلام، فالإسلام يكره أن يكون المال دُولة بين الأغنياء وحدهم، والإسلام يقضي أن يكون لكل فرد في الدولة- مسلمًا كان أو غير مسلم- كحد أدنى: مسكن يقيه حر الصيف وبرد الشتاء، وملبس للصيف وآخر للشتاء، ومطعم يَقي جسمه، ويجعله قادرًا على العمل، وعلاج بالمجان إن كان غير قادر، وتعليم بالمجان، ذلك كله له ولزوجه ومن يعول»، وعلى ولي الأمر السعي لتوفير العمل المناسب للمواطن، وإيجاد نظام للتكافل الاجتماعي قائم على الزكاة، فإن لم تَكُف الزكاة لتوفير الحاجات الضرورية، اتخذت الحكومة من التشريعات ما يكفُل إصلاح حال المجتمع، مع معرفة أن الإسلام لا يطبِّق حد السرقة حتى تتوافر الضرورات الأساسية، وعلى الدولة اتخاذ سلسلة من الإجراءات لتحقيق ذلك، مثل تحديد الملكية الزراعية، وتوزيع الأراضي الزائدة والمستصلحة على صغار المُلَّاك والمعدمين، وتحديد العلاقة بين المُستأجِر والمالِك مِن مُنطَلَق العدل بين الاثنين، واستكمال التشريعات العُماليَّة، وجعل الانتساب إلى النقابات المهنية إجباريًا، وتحديد الأجور بما يتفق والمبادئ الإسلامية، وإصلاح النظم الوظيفية، وتطرُّق هذا البند من النصيحة إلى العمل على جعل المساجد مراكز دينية وثقافية واجتماعية.
5- الإصلاح الاقتصادي: وذلك بإيجاد مصادر جديدة للثروة وتحريم الربا، واستصلاح الأراضي، واستغلال الصحاري زراعيًّا ومعدنيًّا، والعناية بالتصنيع المُعتَمِد على المواد الأولية المحلية، والاهتمام بالصناعات الحربية.
وبعد هذا العمر الطويل نجد مصر لا تزال تستورد خبزها من الخارج، والمساحة المزروعة قد انكمشت لغياب المشاريع الجادة المدروسة لزيادة الرُقعة الزراعية، وتدَّني الإنتاج الزراعي لانعدام طمي النيل بعد إقامة السد العالي، وهو نفس السبب في تآكُل الساحل المصري الشمالي، والمعروف أنه كان للإخوان قاعدة اقتصادية إسلامية نموذجية سلبتها منهم ثورة يوليو، كما حدث مؤخرًا مع بعض الشركات التي انتهجت الأسلوب الإسلامي في تعاملاتها.
6- التربية العسكرية: وذلك بإنشاء جيش إقليمي حديث التدريب والعِتاد، يكون مَدعوم بقاعِدة صناعية عسكرية، وتدريب كافة المواطنين على حمل السلاح وفنون الحرب وأساليب القتال.
وكان هذا مطلبًا مُلحًا ولا يزال، خاصةً أن مصر كانت مُحتَلَّة من قِبَل بريطانيا، وفلسطين وقعت في أيدي اليهود بعد هزيمة الجيوش العربية، والسودان وشمال أفريقيا تحت الاحتلال، وفضيحة الأسلحة الفاسدة قائمة لم تهدأ، في الوقت الذي يبني الأعداء الطامعون في مصر والمنطقة, قوتهم العسكرية بكل الجد ودون ملل أو هوادة.
7- الشرطة: أن يقتصر دورها على حماية الأمن الداخلي، وألا تكون أداة سيطرة وبطش, مع العمل على رفع مستواها مهنيًّا واجتماعيًّا، وتوثيق روابط الود بينها وبين المسؤولين وأفراد الشعب.
وعلى النقيض، أنشأ عبد الناصر فِرَقًا وأقسامًا عديدة من الشرطة والمباحث، بحيث أصبح المواطن المصري يُراقِبه أكثر من جهاز، وأصبحت قوات الأمن المركزي جيشًا كاملًا لقمع المصريين، وأُضيفَ بعد ذلك قسم جديد هو «مباحث الزبالة» للتنقيب في القمامة عن أدلة لإدانة المواطنين.
على أن النصيحة أغفَلَت جانبين مهمين:
أولًا: الناحية الصحية: حيث ملايين المصريين يتعرَّضون للإصابة بمرض البلهارسيا, يفتِك بهم منذ زمن الفراعنة، «وحديثًا ازداد انتشاره في صعيد مصر بعد إقامة السد العالي»، ولا تتوافر أدنى رغبة في القضاء عليه، بجانب الطفيليات الأخرى والأمراض المستوطِنة والأوبئة، وازداد الأمر سوءًا خلال عمر الثورة بإضافة قائمة جديدة من الأمراض الفتَّاكة، وعلى رأسها التهاب الكبد الفيروسي، كما أهمل التعليم الطبي واقترن العلاج بقدرة المواطن المادية.
ثانيًا: البرنامج النووي المصري: الذي بدأ قبل الثورة، وألغاه عبد الناصر، في الوقت الذي أُوكِلَ فيه بن جوريون المشروع النووي إلى شمون بيريز بعد إعلان قيام الكيان الصهيوني مباشرة، فقام عليه وقام به على أحسن ما يكون.
رد فعل عبد الناصر
لم يتقبل عبد الناصر من الإخوان تلك النصيحة المُخلِصة، ليس هذا فحسب، بل كال لهم كل صنوف العداء والاضطهاد، والمطاردة والتعذيب، ولم يأتِ الانقلاب العسكري أصلًا إلا لتثبيت قدم اليهود في فلسطين، ثم تركيع مصر لهم بعد ذلك، مِمَا جعل مصر في عِداد الدول المُتخلِّفة عِلميًّا واقتصاديًّا، وبالتالي سياسيًّا، وتفوَّق عليها اليهود عسكريًّا، وغادرها أبناؤها إلى مختلف الدول المحيطة لكسب عيشهم، وهاجر الملايين إلى دول أوروبا وأمريكا وأستراليا.
لقد قامت «ثورة يوليو»، بأكبر خدعة تاريخية؛ وذلك بإجهاض ثورة حقيقية للشعب المصري كانت على وشك الوقوع، وبعد أن سرقتها وجهتها وِجهة تخريبية تدميرية ضد هذا الشعب الذي ارتُكِبَت العديد من الجرائم في حقه وحق الشعوب العربية والإسلامية، بما يُصَنِّفها تحت الحركات العميلة لقوى خارجية معروفة، وقد بلع الشعب المصري الطُعم، بل إنه يتحمل نصيبه مِمَا اقترفه الانقلاب العسكري في ٢٣ يوليو ١٩٥2م، يوم أن وقف متفرجًا على الطُغاة وهم يفتِكون بأفضل وأخلص أبنائه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل