; نصيحة وتذكير | مجلة المجتمع

العنوان نصيحة وتذكير

الكاتب عبدالرحمن عبدالله آل فريان

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

مشاهدات 83

نشر في العدد 785

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

  • الرجعي الحقيقي هو من ترك الدين ورجع إلى الوراء.
  • أهل الخير هم الأقل في كل زمان وأهل الشر هم الأكثر في كل زمان.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: فقال الله تعالى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات:55) وقال تعالى ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾ (الأعلي:10) دلت الآية الأولى على الأمر بالتذكير ففيه بيان الحق وإظهاره وأن المؤمنين ينفعهم التذكير، ودلت الآية الثانية على أن من يخشى الله ويتقيه يتذكر إذا ذُكِّر، ويتعظ إذا وعظ، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق:45) وقال ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ﴾ (الأنعام:51) وأخبر -سبحانه وتعالى- عن ضد هؤلاء وهم الكافرون والملحدون والمنافقون أنهم لا يذكرون إذا ذكروا ولا يتعظون إذا وعظوا وأنهم ساهون لأهون فقال في وصفهم: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ (الصافات:13) وقال ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ (المدثر:49-50) وهذا فيه ذم لمن أعرض عن الذكر والدين واستثقله ونفر منه ولا اطمأنَّ به، بل قد توعَّد الله من فعل ذلك بقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (الكهف:57).

أيها القارئ الكريم إنه يجب علينا والمفروض علينا بصفتنا مسلمين أن ندعو لديننا الحنيف ونظهر محاسنه؛ لأنه ديننا -أهل الإسلام- ولا يقبل الله من أحد دينا سواه قال تعالى ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85) فيجب التذكير والنصيحة للمسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله: قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (أخرجه مسلم، والنسائي) وقد أخذ الله العهد والميثاق على أهل العلم أن يعلموا ويبينوا ولا  يكتموا فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران:187) والثمن القليل هو الدنيا بحذافيرها كما جاء في الأثر، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة:159) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ (البقرة:174) فيجب على أهل العلم دعوة الناس إلى الجنة وإرشادهم للخير فإن هذه طريقة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: 108) وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (النحل:125) وأوجب الله أيضا وحتم على أهل الجهل أن يتعلموا فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43) فيجب على الإنسان أولا أن يتعلم أمر دينه ثم يعمل به ثم يدعو الناس إلى ذلك ثم يصبر على الأذى فإن لم يكن كذلك فهو في خسارة ولابد كما ذكر الله ذلك في سورة العصر بل أقسم سبحانه بالعصر الذي هو زمن أعمال بني آدم، (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا)، فيه العلم، (وعملوا الصالحات)، فيه العمل، (وتواصوا بالحق)، فيه الدعوة، (وتواصوا بالصبر) فيه الصبر على الأذى، فالذي أوصيكم به ونفسي تقوى الله -عز وجل- لأنها وصية الله للأولين والآخرين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء:131) وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر:18) قال ابن مسعود: إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأصغِ سمعك فإنه إما خير تؤمر به وإما شرٌّ تنهى عنه. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:102) أيضًا هي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كما في حديث العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله: كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأَمَّر عليكم  عبد فإنه مَنْ  يَعِشْ منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» والتقوى هي فعل الطاعات وترك المحرمات. وقال طلق بن حبيب: تقوى الله أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله.

أيها المسلمون: إن كثيرًا من الناس نبذوا الإسلام وراءهم ظهريًّا وأقبلوا على شهواتهم واعتادوا على المدنية المزعومة ورفضوا الدين بالكلية فلا  تغتروا بأكثر الهالكين ولا تزهدوا في الحق لقلة السالكين فإن أهل الخير هم الأقل في كل زمان وأهل الشر هم الأكثر في كل زمان- كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ:13) وقال تعالى: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (الأنعام:116) ولكن لا تزال ولله الحمد طائفة من هذه الأمة منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذهم كما في الحديث جعلنا الله وإياكم منهم، ثم إن بعض الناس أيضًا ثبطوا عن الإسلام واغتروا بالمستعمرين، وقالوا إن الإسلام حجر عثرة بطريق التقدم والرقي والحضارة، وهم قوم لا يدرون ما يقولون بل قلدوا المستعمرين والمبشرين في زعمهم بدين المسيح، ولا ذاقوا حلاوة الإيمان ولا عرفوا أن الاسلام هو الرقي؛ كل الرقي، وهو التقدم؛ كل التقدم، وهو الحضارة؛ كل الحضارة، وهو المدنية الحقيقية كما قال صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (أخرجه النسائي، وأحمد) وكأنهم ما اطلعوا على التاريخ ولا علموا من كسر كسرى وقصر قيصر وفتح قبرص وغيرها واستولى على بلدان المشركين، وما ذلك إلا بسبب الإسلام والطاعة، فكل خير وصلاح فسببه الإسلام والطاعة، وكل شر وفساد فسببه الكفر والمعاصي بل كل أمة أو فرقة من الناس تطبق الإسلام تطبيقًا تامًا في أقوالها وأفعالها واعتقاداتها تسعد أكمل سعادة، وترقى أعلى رتبة في المجد والشرف، وتنتصر الانتصار الباهر الذي يبلغ حدود المعجزات ولو كانوا أقل عددا وعدة كما قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7) وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139). وكل أمة ضيعت أمر الله جاءتها العقوبات كما قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم:41) وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشوري:103) بل كل أمة تطبق الإسلام تطبيقًا تامًا وتعمل به يكون انتصارها، ومتى أهملت كان ضعفها وانهيارها ومن المصائب قول بعض المغرورين لمن اتصف بالدين إنه رجعي، ومن عمل أو استدل بشيء من الكتاب والسنة أنه رجعي ومتعقد وموسوس وما علموا مَن الرجعى والمتعقد والذي يستحق أن يسمى رجعيًّا هو الذي يرجع من الحق إلى الباطل ومن الهدى إلى الضلال إنما الراجع القهقرى من ترك الدين ورجع إلى الوراء، والحق أن يقال في الرجعية هم تاركو الدين بالكلية ألَا وإن أكبر الأمور وأهمها وأوجب الواجبات وأعظمها هو توحيد الله سبحانه وتعالى وعبادته وهو الذي لأجله خلق الله الثقلين قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ  إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:56-58) ما خلقهم سبحانه ليتكثر بهم من قلة، ولا ليتعزز بهم من ذلة، بل خلقهم لأمر عظيم وهو عبادته مع أنه سبحانه لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، بل هو النافع الضار، والعبادة أيضا هي الحكمة في إرسال الرسل، وهي الحكمة في إنزال الكتب كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل:36) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ﴾ (هود:1-2) وهي مفتاح دعوة الرسل أممهم كما ذكر الله عن نوح وهود وصالح وشعيب أنهم قالوا: لقومهم: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (متفق عليه) وتحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهى وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع، قال الفضل بن عياض: إن العمل لا يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرابط المختصر :