; نظرات في المجتمع النفطي | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في المجتمع النفطي

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1983

مشاهدات 61

نشر في العدد 643

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 01-نوفمبر-1983

دراسات محلية

نص المحاضرة التي ألقيت في جمعية الإصلاح فرع الجهراء

شاء الله تعالى أن أتجول في هذا العالم الفسيح. لقد زرت الصين الشيوعية ۱۹۷۳م، والاتحاد السوفييتي ١٩٧٥م والولايات المتحدة ۱۹۷۷ م وأما أوروبا فقد أتممت بها دراستي العليا وأقمت فيها أربع سنوات ما بين نهاية ١٩٦٨- ۱۹۷۱، وتسنى لي كذلك التجوال في الهند وسنغافورة وباكستان وإندونيسيا وأفغانستان و إیران والبرازيل والسنغال وكل البلاد العربية ماعدا الجزائر. وفي كل هذه البلاد كنت أمر بنفس التجربة من زاوية انتمائي لمجتمع نفطي. كنت أسأل: من أين أنت؟ وأجيب: من الخليج. فيقال لي: هنيئًا لك النفط والفلوس والرخاء.

ويبدو أن الانطباع السائد عند معظم شعوب العالم المحيط بنا حول المجتمع النفطي أنه مجتمع كفاية ورخاء أبديين سرمديين، والتصور السائد لدى معظم الناس في أنحاء العالم أن مجتمع النفط هو مجتمع بلا قضية، وبالتالي فاستقراره من الأمور المسلم بها. هذا هو الانطباع السائد حول المجتمع النفطي، فما مدى دقة هذا الانطباع.

بطلان الانطباع السائد حول المجتمع النفطي 

لم يكن ظهور النفط في منطقة الخليج معناه زيادة الفلوس في جيوب الناس وانتهى، لو كان الأمر كذلك لهانت، لكن النفط منحنا شيئًا وسلبنا أشياء وأشياء. ربما يبدو الحديث الآن عن هذه القضية ضرب من ضروب الرومانسية وبكاء على الأطلال، مع ذلك أظن أنه من الضروري فهم الوضعية التي نحن فيها- خليجيًا- على ضوء ما حدث في المنطقة إثر ظهور النفط. 

لقد كان ظهور النفط في المنطقة مثل الإعصار الذي جعل الناس كأعجاز نخل خاوية» و«هشيمًا تذروه الرياح» وجعل هذا الإعصار عاليها سافلها». وعندما بدأ الناس يتلمسون أحوالهم ويتفقدون جرحاهم وقتلاهم، إذا الأرض غير الأرض والناس غير الناس. لقد كانت النقلة من حياة ما قبل النفط إلى حياة المجتمع النفطي سريعة كاسحة دون أن يعطي مجتمع الخليج فرصة لهضم التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي حصل. 

لذلك جاءت إفرازات النقلة سلبية في كثير من زواياها، وولدت في مجتمع الخليج عدة إشكاليات خطيرة ومصيرية ربما لا سمح الله تهدد استقرار المنطقة وتعصف بشعوبها التي تميل إلى الدعة والهدوء.

إشكاليات المجتمع النفطي في الخليج

نتج عن ظهور النفط عدة إشكاليات بدأ المجتمع النفطي في الخليج اليوم يشعر بثقلها، لقد فتح النفط المنطقة للتنافس الدولي وجعل أهل المنطقة ضحايا رئيسيين لهذا التنافس وهو أمر طبيعي ومتوقع، فالأقطاب الدوليون ينظرون إلينا من زاوية الموقع والثروات لا أكثر ولا أقل، وهم يقسمون العالم إلى أحزمة مواد خام، أحزمة نفط وأحزمة مطاط وأحزمة نحاس وأحزمة حديد وأحزمة موز وهلم جرا. ويتعامل الأقطاب معنا من هذه الزاوية أساسًا ويجب أن نعي ذلك. وإشكاليات المجتمع النفطي مربوطة في جذورها مع منظور الأقطاب للمنطقة، فما هي هذه الإشكاليات.

إشكالية التبعية للعالم الرأسمالي

هذه المشكلة من أخطر المشكلات التي يواجهها المجتمع النفطي في الخليج، فنحن نعاني من التبعية للعالم الرأسمالي على صعد متعددة، تبعية اقتصادية وتبعية غذائية وتبعية تعليمية وسلسلة أخرى من التبعيات لا تقل خطورة الثروة الرئيسية في المجتمع النفطي هو النفط، وبكل وضوح نقول إنه لازالت هذه الثروة بيد الشركات السبع Seven Sisters أو الشقيقات السبع كما يسمونها وهي شركات إنجليزية وأميركية وهولندية. هذه الشركات لا زالت تسيطر على معظم نفط الخليج وعلى عمليات إنتاجه ونقله وتسويقه عالميًا وكل الكلام الذي يقال حول هذه النقطة ويصب في اتجاه تأكيد هيمنة المجتمع النفطي على نفطه هو كلام للاستهلاك المحلي وتعوزه الدقة. إذن النفط- وهو مصدر الدخل القومي في المجتمع النفطي- بيد قوى خارجية وليست قوى محلية الشركات تستخرج النفط وتنقله وتسوقه وليس لنا من عوائده إلا ما يسمح باستمرار القاعدة الاستهلاكية الحالية التي هي عبارة عن سوق مفتوح للبضاعة والسلعة المصنعة في العالم الرأسمالي، فالنفط إذن مازال في المنطقة يستعمل استعمالًا بدائيًا، إنه مجرد مصدر للدخل يستنفد في مجال استهلاكي إهداري ليس إلا. حتى الآن لا يلعب النفط دوره المطلوب في تنمية المجتمع النفطي بشكل شمولي أو في تأسيس قاعدة إنتاجية تضع في الحساب مستقبل ما بعد النفط- وقد يكون قريبًا- أو في تحقيق قدر ضئيل من الأمن الغذائي في منطقة الخليج. المنطقة مع مرور الأيام وتكالب الظروف تتورط أكثر وأكثر في شبكة التبعية الاقتصادية المغالية للسوق الرأسمالي، اقتصاد الخليج يقوم أساسًا على إنتاج وتصدير سلعة واحدة، بينما تستورد المنطقة جميع احتياجاتها من السلع الاستهلاكية والرأسمالية من الخارج، فاستمرار الحياة الاقتصادية في هذه المنطقة يعتمد أساسًا على حركة التصدير «للنفط والاستيراد «للسلع الاستهلاكية» وهي حركة مربوطة عضويا بالعالم الرأسمالي. 

هذه الوضعية النفطية نتج عنها تبعية غذائية وتعليمية وسلسلة أخرى من التبعيات الخطيرة، المجتمع النفطي يعاني من تبعية غذائية للولايات المتحدة وأعتقد أن قضية الأمن الغذائي من أخطر القضايا التي ستواجهنا في المستقبل القريب في الخليج والجزيرة، فإنتاج الغذاء في المنطقة ضئيل للغاية إلى درجة يعرضها لمجاعة لو تعطلت حركة الاستيراد بضع أسابيع، فهذه المنطقة- وحسب ما تشير إليه الدراسات المتخصصة- تستورد ما يزيد على نسبة ٨٠٪ ثمانين بالمائة من احتياجاتها للحبوب في الولايات المتحدة، وما يزيد على ٨٠٪ من الألبان و٦٣٪ من اللحوم الحمراء. وتشير تحليلات واردات الغذاء في نهاية هذا القرن الميلادي الحالي إلى مستويات عالية للغاية تتراوح بين ٥٠ بليون دولار إلى ۱۰۰ بليون دولار سنويًا. طبعًا هذا وضع غير طبيعي ويعرض المنطقة لمخاطر وفوضى مستقبلية- وحده الله- يعلم مداها وشراستها. 

هذه الوضعية الهشة للمجتمع النفطي من زاوية تبعيته الغذائية للولايات المتحدة هي التي دفعت كيسنجر ۱۹۷۳م إثر حظر النفط إلى تصريحه الشهير الذي قال فيه أنهم- أي أهل الخليج- إذا حظروا عنا النفط فبوسعنا أن نحظر عنهم القمح الذي يأكلون ولندعهم بعد ذلك يشربون نفطهم. لم يقل كيسنجر هذا الكلام ۱۹۷۳ م اعتباطًا بل استنادًا إلى تبعيتنا الغذائية لهم وفعلًا رفع حظر النفط بعد هذا التصريح بأيام، والمجتمع النفطي يعاني من تبعية ثقافية وتعليمية للولايات المتحدة، هناك الآن مالا يقل عن ٢٠ ألف طالب من دول الخليج العربية يدرسون في الولايات المتحدة فمعظم المبعوثين للدراسة والتخصص في الخارج يذهبون للولايات المتحدة بالذات وهذا يعزز ويكرس الاعتماد العضوي على الولايات المتحدة في مجالات التدريب والتخطيط المهني والتربوي والإداري في هذا المجال ومثلما تحدثنا عن الأمن الغذائي، فنحن ننبه هنا لحاجتنا الماسة للأمن الثقافي والتعليمي، ولابد من وضع سياسة تعليمية وتربوية تسهم في تخفيف حدة تبعيتنا للغرب والعالم الرأسمالي بدلًا من تكريسها وتعزيزها.

إشكالية الندرة السكانية

من أبرز خصائص الهيكل السكاني في المنطقة هي خصيصة الندرة البشرية أهل الخليج الأصليين اليوم أي المواطنين قلة ضمن سلسلة من الأقليات. 

في بعض مناطق الخليج لا يزيد المواطنون على نسبة ٪٦. هذه قضية خطيرة للغاية ترتب عليها قضية أخطر وهي قضية العمالة الوافدة غير العربية، الوجود الكثيف للعمال الأجانب غير العرب الذين يشكلون في بعض أقطار الخليج نسبة لا تصدق تقارب ٨٥٪ من إجمالي السكان حاليًا، هذا الوجود الكثيف له- بدون شك- إسقاطاته الاقتصادية والسياسية، فمن أخطر النتائج التي تولدت عن كثافة العمالة الأجنبية غير العربية في المنطقة ظاهرة الاختلال السكاني، والذي يتابع هذه القضية من بداياتها ويتعرف على دواخلها يلحظ أنها تشكل إحدى العوائق الرئيسة للإصلاح السياسي والدستوري. 

الوجود الكثيف للعمالة الأجنبية في تسيير البنية التحتية للتجارة والاقتصاد في المنطقة، وتكثيف العمل في يد العمالة الأجنبية، دفع المواطن للانغماس في حياة بليدة تدور في مدار الرأسمالية الريعية ضمن هذه الظروف صار المواطن- في المعادلة السياسية- صفرًا سياسيًا إذ أن حركة الاقتصاد اليومي والتجارة اليومية والإنشاء والتعمير لا تقوم عليه بل تقوم على جهود العمالة الأجنبية غير العربية. 

في رأيي أن قدوم العمالة الأجنبية غير العربية وبالأخص الآسيوية وبهذه الكثافة التي تشاهد في المنطقة، كان انتكاسة كبيرة في العملية الحضارية والسياسية، فكثافة العمالة الأجنبية غير العربية قد حولت المجتمعات الخليجية من حيث علاقاتها الداخلية إلى مجتمعات رأسمالية غير منضبطة. ولا يخفى على أحد ما يعنيه ذلك على الصعيد السياسي، ابتداء بغياب الوظيفة الاجتماعية للمال، مرورًا بصدارة التجار ونجوم المال في الشأن السياسي وصولًا إلى توغل بعض الموظفين الكبار والوزراء في النشاط التجاري وما ينتج عن ذلك من جَرح للحياد الاجتماعي للسلطة السياسية، ونسأل: كيف تتطور جدلية الصراع الاجتماعي والسياسي من خلال

نظرات في المجتمع النفطي

ظاهرة العمالة الأجنبية؟ وكيف يؤثر ذلك على المفهوم السياسي للمواطنة في منطقة الخليج؟ وما مدى تأثير ذلك على علاقة المواطن الخليجي بالوافد العربي؟ أقول- وبالله بالتوفيق- إن جدلية الصراع الاجتماعي والسياسي- وبتأثير ظاهرة العمالة الأجنبية ودلالاتها السياسية- تتطور في الخليج بشكل سلبي، وصار المفهوم السياسي للمواطنة يمارس لا من خلال أطره الطبيعية، بل من خلال التمايز مع الوافد الأجنبي والعربي. وصارت العلاقة السياسية بين المواطن الخليجي والوافد العربي- بفعل كثافة العمالة الأجنبية وتوافرها- تحكمها آليات ومعدلات السوق، أي العرض والطلب ومجرده من الانتماء السياسي أو الوشيجة السياسية. 

نشأ عن هذا الموقف في التركيبة السكانية معازل أو بالأحرى «غيتو» للوافد العربي والأجنبي يحقق العزل السكاني التام، هذا العزل السكاني أفرز بدوره نظامًا مخيفًا من الإقليميات الضيقة التي مازالت تؤثر بشكل سلبي للغاية على الإدارة العامة في الخليج، وصار لكل «غيتو» آلياته وميكانزماته الخاصة وصار لكل جالية نوادي خاصة ومدارس ونشرات وجرائد بل وبرامج إذاعية وتلفازية خاصة بالجاليات الأجنبية غير العربية وصار لهذه الجاليات دور اجتماعي خطير على صعيد التبشير الديني والانتشار الثقافي، ومازالت الإشكالية السكانية تتفاعل دون حل وإذا ما ظلت تتنامى بوتائرها الحالية فسوف- بالتأكيد- تعصف بأمن واستقرار هذه المنطقة.

إشكالية البناء الدستوري للدولة 

لقد كان المجتمع الخليجي تقليديًا يتشكل من طبقة عليا صغيرة وقوية وغنية من جهة، وطبقة عريضة ضعيفة مفككة من المعدمين وغير المتعلمين والعمال غير المهرة والزراع والبدو الرحل من جهة أخرى طرأ اليوم تغيير جوهري في الخليج على هذا التشكيل الاجتماعي. ثمة طبقة وسطى آخذة في النمو والتراكم والضغط استطاعت أن تبرز لتحتل موقعًا بين الطبقتين اللتين تشكلان طرفي السلم الاجتماعي.

هذه الطبقة الاجتماعية الجديدة- والتي أفرزتها القاعدة الاجتماعية المتعلمة- من المهنيين والمدراء والإداريين والمدرسين والمحامين وضباط الجيش والعمال المهرة والمهندسين والأطباء والتقنيين مازالت منذ أن باشرت مسؤولياتها العامة تبحث لها عن سياق سياسي في المجتمع النفطي، وحتى الآن لم تستطع دول المنطقة أن توفر لها هذا السياق. 

هذه الطبقة الوسطى الجديدة هامة للغاية وأهميتها تكمن في حاجة المجتمع الخليجي الماسة لها. هذا البروز للطبقة الوسطى الموصوفة أعلاه دليل مادي على أن المجتمع النفطي بدأ يجني ثمار التطور الاجتماعي وينعتق بشكل تدريجي من قيود التنظيم الاجتماعي القديم وبدأ يدخل إلى عالم التمدين وما يفرضه من تنظيمات اجتماعية جديدة أفرزها التعليم والتطبيب وحياة المدينة، لكن هذا المجتمع نفسه مازال يسيد في شأنه السياسي وفق متطلبات التنظيم السياسي لحياة الصحراء والذي يتعارض بشكل حاسم مع حياة المدينة والحاضرة.

وعلاج هذه الإشكالية الحساسة الدقيقة هو المباشرة فورًا بالبناء الدستوري للدولة في الخليج، الحل الدستوري يوفر على المنطقة وشعوبها كثيرًا من المشاكل والصراعات وأي تحايل على هذا الحل سيقذف المنطقة في أتون الصراع الاجتماعي الذي بدأت معطياته بالتشكل والذي لا نرغب ولا نحبذ تصاعده لما يحمل في طياته من مخاطر كبيرة على جميع أهل المنطقة شعوبًا وحكومات.

لذا نقول ونؤكد ونكرر على ضرورة الحل الدستوري للمشكلة السياسية التي يواجهها المجتمع النفطي في الخليج.

•هكذا يتبين لنا أن المجتمع النفطي في الخليج ليس كما يتصوره البعض، مجتمع بلا قضية، بل إن فيه أكثر من قضية تتطلب الحل الفوري والسريع وكل ما ورد في هذه المحاضرة هو مجرد رأي، فإن وفقت فيه فمن الله، له الحمد والثناء والألوهية والربوبية، وإن أخطأت فيه، فمني ومن الشيطان نعوذ بالله منه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

•••

الرابط المختصر :