العنوان أضواء جديدة على لعبة اليمين واليسار 1
الكاتب عبد الله المدرس
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
مشاهدات 59
نشر في العدد 268
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
نشهد اليوم على مستوى العالم تطورات سريعة، وتغيرات نوعية وكمية في العلاقات بين الكتلتين الشرقية والغربية، أو الشيوعية والرأسمالية، وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وحتى الأيديولوجية، وليس هذا بمستغرب ما دامت القاعدة التي ينطلق منها المعسكران هي المادية والمنفعية «البراغماتية».
أكثر من هذا، أن الكتلة المذهبية الواحدة تنشق على نفسها وتصطرع وفق مقاییس مادية منفعية صرفة، بعيدًا عن بداهات «المذهب» وخطوط الاستراتيجية العريضة ومستلزماتهما، الأمر الذي يدفع بعضها أحيانًا إلى أن تسعى للتقارب من خصمها في المذهب، فتعقد معه الاتفاقات السياسية والاقتصادية، وترسم الخرائط الاستراتيجية، وتعدل- مجاملة منها- من بعض مواقفها العقائدية من أجل أن تكسب سلاحًا أقوى ضد خصمها ذاك الذي تربطها به العقيدة المشتركة، بل إنها تذهب أحيانًا إلى حد اتهامه بالتزييف والتزوير والخيانة والتحريفية من أجل أن تبرر موقفها «المتناقض» ذاك، وتعطي لنفسها «صك» الشرعية ساحبة إياه من خصومها الذين ينتمون إلى العقيدة ذاتها.. وهذا يذكرنا بما كانت تفعله المؤسسات الكنسية المتناحرة في العصور الوسطى.
إن انقسام العالم الرأسمالي إلى كتلتيه الكبيرتين: الولايات المتحدة وأوربا الغربية، والصراع الخفي والمعلن القائم بينهما، والذي كنا نحن ضحيته طيلة الفترة التي أعقبت سقوط الجدار العثماني، وبخاصة في أعقاب قيام إسرائيل عام 1948.. ثم انقسام دول أوروبا الغربية نفسها، وتضارب سياساتها ومواقفها، بدأ يأخذ بالازدياد منذ ستينيات هذا القرن، وبلغ درجة من الوضوح تتيح لأقل الناس وعيًا سياسيًا رؤية الموقف على حقيقته، ذلك الذي كان حتى أواخر الخمسينيات خافيًا على الأكثريات الجماهيرية التي كثيرًا ما كانت تخدع وتضلل، وتدفع إلى أن تدخل لعبة ماكرة لن تصل منها على رمية واحدة!
وكان يوازي هذا التمزق الغربي الرأسمالي، تمزق في الجبهة الشرقية الشيوعية، فهنالك الاتحاد السوفيتي والصين، وهنالك ألبانيا ويوغسلافيا.. ليس هذا فحسب، بل إن الاتحاد السوفيتي نفسه أخذ يشهد تصدعًا خطيرًا في بنيانه، كان العهد الستاليني يغطي عليه إعلاميًا وبوليسيًا، أما العهود التالية فأخذت تغطي عليه بدخان المدافع الثقيلة وحديد الصواريخ، وهي ترى زعامات الغرب تقصف بور سعيد وفيتنام وغيرهما بالمدافع والصواريخ، وليست التجربة المجرية في إطارها القومي هي الأولى والأخيرة، ففي بولونيا تحركت الطبقة العمالية نفسها مطالبة بوضع أكثر عدلًا!!
وفي رومانيا تمارس سياسات خارجية تند في كثير من الأحيان عن القواعد السياسية للاتحاد السوفيتي الأم. وأما ما شهدته جيكوسلوفاكيا في منتصف العقد الماضي فقد كان شيئًا عجيبًا: انقلاب سلمي كامل ضد كل المؤسسات الشيوعية، سعى إلى الإفادة من تجربة المجر المرة، وكاد يصل إلى هدفه في تفتيت النظام الشيوعي هناك لولا أن أوقفت المحاولة في اللحظة المناسبة، بقوة السلاح لا بقوة الكلمة أو إقناع المنطق الأيديولوجي الذي عجز في الواقع عن أن يكون النظام الأمثل والمقبول من قبل تسعة من كل عشرة جيكوسلو فاكيين أعطوا رأيهم بضرورة الحزب الشيوعي الواحد في البلاد «1».
ولكن إذا كان الاتحاد السوفيتي قديرًا على استخدام القوة، لتغطية أية محاولة من محاولات الرفض داخل الاتحاد نفسه، فإنه ليس بقدير على ذلك إزاء المعسكر الصيني الذي لا يملك أية وصاية عليه بأية درجة كانت.. ومن ثم كان الصراع المكشوف على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والعسكرية ثم الأيديولوجية التي بلغ من عنفها وتوترها أن دفعت كلًا من المعسكرين إلى أن يكيل النقد المذهبي العنيف، والتجريح المر للمعسكر الآخر، فيتهمه بالتحريفية والبورجوازية، ويصل الأمر إلى اعتماد نفس الأسلحة الدعائية التي كانت موجهة يومًا ضد العالم الرأسمالي، وها هي الآن تستخدم ضد رفاق العقيدة، رغم ما يحمله ذلك من تناقض فاضح مع صميم الفكر الماركسي.
فزعماء الصين يبتكرون عبارة «الإمبريالية الروسية» فيرد الروس على هؤلاء الزعماء فيتهمونهم بالبرجوازية، هذا في الوقت الذي تدعي فيه النبوءة الماركسية أنه في المجتمع الشيوعي تختفي، وبشكل نهائي أية نزعة برجوازية رجعية في الداخل، أو إمبريالية في الخارج، لأن الحركة الشيوعية نفسها هي «نقيض» البرجوازية والإمبريالية «2».
وخلال هذا كله تفتح أبواب «الستار الحديدي» الذي ضربه ستالين حول روسيا، ويسمح للهواء الغربي في أن يدخل العالم الشيوعي فيجري فيه من التغيرات «الحضارية» ما لم تأذن به الماركسية.. ويخطو الزعماء الروس خطوة أخرى فيوسعون نطاق علاقاتهم مع زعامات الغرب الرأسمالي الأمريكي أو الأوربي الغربي.. وتتبادل الزيارات فيذهب قادة موسكو إلى واشنطن ولندن وباريس وبون، ويرد زعماء هذه العواصم على الزيارة بالمثل. وتتم خلال هذا وذاك اتفاقات، وتبرم معاهدات، وتقام جسور بين المعسكرين تكاد تجعلهما كتلة واحدة يضمها حلف «غربي» مقدس بمواجهة التحفز الشرقي الخطير بعدده وطاقاته!
وليست مسألة الإقرار القانوني الدولي لوضعية ألمانيا المنقسمة إلى شرقية وغربية، والمناقشات الدائمة حول قضية الأمن الأوربي، والاتفاقات الشاملة بين أمريكا وروسيا والتي توجت بزيارة نكسون لموسكو عام 1972 وزيارة بريزينيف لواشنطن عام 1973، حيث ضمنت روسيا لأمريكا تزويدها بمصادر الطاقة «النفط» وضمنت أمريكا بالمقابل لحليفتها إمدادها بالحبوب، وما حدث قبل هذا، وبعده، من تنسيقات سرية مشتركة بين الحليفتين، فضحت الصين جوانب عديدة منها اتفاقات استهدفت شعوب العالم الثالث، وبخاصة الإسلامية منها، وتقاسم مناطق النفوذ الأمريكي والروسي فيها، وفق خرائط تذكرنا بما كان يفعله الحلفاء في أعقاب الحربين العالميتين إزاء الدول المغلوبة على أمرها.
وليست تجربتا باکستان الشرقية والصراع العربي الصهيوني هما الوحيدتان في هذا المجال: فقد غزيت باكستان الشرقية بأيدي هندية تعودت أن تستجدي عطف أمريكا، وبأسلحة روسية سلمت للهند على عين البيت الأبيض ورعايته، من أجل تحقيق هدف مشترك في خلق حاجز تتبناه الدولتان بوجه الصين، وجرى الغزو تحت رقابة غير مباشرة من الأسطول السابع الأمريكي الذي لم يتحرك إلا بعد أن تم الغزو وسقطت راولبندي.. لكي يحمي الدولة الناشئة!! وأما متطلبات حلف بغداد الاستعماري الذي تشکل باکستان إحدى أعمدته فقد أهملت تمامًا.
وأما تجربة حزيران المرة فلا أظن لعبتها المزدوجة تخفى على أحد.. السلاح الأمريكي والتآمر الاستنزافي الروسي والتوجيه الصهيوني من وراء هذا وذاك.. كانت الأسباب الكبيرة وراء هزيمتنا، أما إذا ما أردنا أن نبحث بجد عن الأسباب!
ليست هذه الشواهد سوى نماذج خمس لما تم فعلًا بين المعسكرين، وما سيتم في المستقبل سيكون أخطر وأشمل بطبيعة الحال «3»، الأمر الذي لوح لزعماء الصين بالعزلة الدولية، وخوفهم من التطويق الروسي- الأمريكي المشترك لنشاطاتهم ومطامحهم الحيوية، فدفعهم دفعًا إلى «الخطوة» التي ما كانت تخطر على بال الصيني الشيوعي يومًا: وهو أن يدعى الزعيم الأمريكي إلى بكين وأن يقضي هنالك «1972» أسبوعًا خطيرًا يقول هو عنه «إنه أسبوع غير العالم» ولنا أن نتصور حجم القرارات التي تم الاتفاق عليها بين المعسكرين، ومساحة الخرائط التي رسمت في العاصمة التي كانت ترى في الريح الأمريكية سمومًا يجب أن تقفل بوجهه المنافذ والأبواب.
وكانت أمريكا قبل هذا قد مارست مناورات غزلية محببة مع الصين في مسألة دخولها هيئة الأمم المتحدة، مضحية بحليفتها «الرأسمالي» تايوان، الأمر الذي أتاح للصين دخول هذه الهيئة التي كانت إلى عهد قريب ترى فيها مؤسسة إمبريالية تضيع في غمارها صيحات الشعوب المظلومة!!
هل أن هذه التغيرات النوعية التي تمت على حساب متطلبات الصراع المذهبي والاستراتيجي بين كتلتي اليمين واليسار الدوليتين، تصاغ بأيد ماكرة تقبع في عواصم العالم الكبرى، وبخاصة واشنطن وموسكو، وتنسج- بمكر ودهاء يهودي- حبكة العلاقات الدولية بما يحقق مصلحتها في نهاية الأمر، دونما اكتراث حقيقي ليمين رأسمالي ويسار شيوعي، ما دامت الإحصاءات الدقيقة تبين لنا أن أشد العقول فاعلية في سياسات الكتلتين، وأمهر الخبرات في الأحزاب الشيوعية أو الديمقراطية أو العمالية أو المحافظة أو الجمهورية إنما هي يهودية صهيونية معروف بعضها ومجهول أكثرها «4».
وإن لنا أن نستنطق في هذا المجال كتابًا ذا خطورة بالغة ألفه الأميرال «وليام غاي كار» بعنوان يدل بوضوح على مضامينه: «أحجار على رقعة الشطرنج».. إلا أننا يجب أن نضع في الحسبان حقيقة أن المبالغة في تصوير الخطر اليهودي، وتوسيع أدواره في أصداء العالم، وتضخيم حجمه إلى حد الأساطير، أمور ليست من العلمية والجد في شيء، وهي تقودنا، كما قادت ولا ريب وليام غاي كار وكل الذين كتبوا عن الصهيونية، إلى «إسرائيليات» من نوع جديد تعتمد التهويل والمبالغة والتضخيم، دون أن يكون لها رصيد كافٍ من الحقيقة وهذا ولا ريب سلاح نفسي رهيب يمكن - إذا لم نلتفت إليه - أن يطيح بمعنوياتنا وبداهات الصهيونية صمودنا النفسي في صراعنا مع الصهيونية ودولتها في إسرائيل في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى هذه المعنويات وتلك البداهات.
إن تصور الخطر اليهودي شبحًا رهيبًا يسيطر على العالم كله، وتذعن لكلمته عواصم الدنيا وزعاماتها، وتقطع كل يد تمتد إليه بسوء، وكل إنسان يتوجه إليه بكلمة نقد.. خدعة ماكرة يجب ألا تمرر علينا، فما أكثر ما طورد اليهود وقتلوا وشردوا وفضحوا وأخمدت نيرانهم دون أن يحركوا يدًا أو يصنعوا شيئًا. و«الجماعة» التي تسعى بإيمان ويقين وتخطيط، إلى أن تحقق أهدافها المشروعة في هذا العالم لن يعجزها شيء يهوديًا كان أم غير يهودي «5».
إلا أن هذا التحفظ إزاء المبالغة في تصوير الخطر اليهودي يجب ألا يدفعنا إلى خطأ مقابل يقوم على «التهوين» من هذا الخطر واستصغاره، لأن هذا التهوين والاستصغار يبعدنا عن الإدراك الحقيقي المسؤول لأبعاد الدور اليهودي في صراعنا الراهن مع إسرائيل، ويصدانا عن أن نتخذ الموضوعية الكفيلة بمجابهة الأخطار والتحديات والسعي لتجاوزها والتغلب عليها وكيف لنا أن نهون ونستصغر وإسرائيل التي تحتضنها واشنطن وتحميها موسكو من أي هجوم يهدد سلامتها، قائمة بين ظهرانينا، وكيف لنا أن نهون أو نستصغر وبإمكان أي باحث أن يجري إحصاء علميًا دقيقًا على زعامات الأحزاب الرئيسية في كل من أمريكا والاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الغربية والشرقية على السواء لكي يرى نسبة اليهودية فيه.
ولكن ومرة أخرى، نتعلم من منطق التاريخ أن جماعة «مؤمنة» بأهدافها «ساعية» للوصول إليها لا يمكن أن يقفها شيء عن المضي إلى ما تريد، يهوديًا كان أم أمريكيًا أم روسيًا. وأحرى بنا نحن الأمة «الوسط» الذين وعدنا الله بالنصر «إن كنا مؤمنين» «6» أن ندرك هذه البديهة وألا تضيع علينا وسط تهاويل وإسرائيليات «القرن العشرين».. ولا داعي بعد هذا لاقتباس شواهد من الكتاب المذكور، وباستطاعة أي قارئ الرجوع إليه والاطلاع مباشرة على أبعاد المسألة ووقائعها.
إن الذي نريده من هذا العرض الموجز للمتغيرات الدولية بين الكتل المتصارعة، هو أن نبين كيف أن مسألة «اليمين واليسار» إلى قد تفتت على المستوى الدولي، في النطاق العسكري والسياسي والاستراتيجي والاقتصادي على الأقل.. وأما الأيديولوجي فسيجيء حتمًا، وقد بدأت بوادره تظهر في مواقف روسيا من تيارات الحضارة الغربية، وفي عودتها المتدرجة إلى مسألة «الوازع الذاتي» «7» في الإنتاج، وفي تخليها في سياسة التوتر والعزلة والانغلاق التي سادت العقود الماضية.
بل إنه في بعض دويلات الاتحاد السوفيتي ازداد هذا التغير المذهبي حدة، ليس على مستوى السلطة فحسب، بل على مستوى الجماهير الساحقة، وكاد يجعل دولة كجيكوسلوفاكيا تفلت من إطار الشيوعية الروسية وترتمي- ثانية- في أحضان الغرب بإرادة كاملة لتسعة من كل عشرة من بينها!!
وليس هذا التغير «المتكامل» سوى بديهة من بداهات العلاقات الحضارية ووحدتها العضوية، إذ لا يمكن أن يطرأ تغيير كمي أو نوعي في جانب من جوانب حضارة ما، إلا شهدت الجوانب الأخرى تغيرات موازية بنفس الحجم.. فهذا الارتباط الحضاري العضوي، مضافًا إليه بداهات النفس البشرية ومتطلباتها الأساسية التي أغفلتها الماركسية خلال مرحلة التطبيق، ثم ما لبثت أن اصطدمت بها اصطدامًا مريعًا، هي التي تجعلنا نخمن ما سيكون عليه الاتحاد السوفيتي أو غيره في الدول الشيوعية بعد عشرين أو ثلاثين عامًا.
والصين لم يكن أحد يتصور إمكان لقائها بأمريكا، وهي التي لم يمض على ثورتها الثقافية أكثر من ثمانية أعوام، بدأت هي الأخرى تفتح الأبواب.. ثم إذا بنا نستمع إلى عبارات «إمبريالية روسية» و «برجوازية صينية» وليس بمستبعد أن نستمع في يوم قريب أو بعيد عبارة «الرأسمالية الروسية» و«الطبقية الصينية»!
إن هندسة عالم ما بين الحربين، والعقد الذي أعقب ثانيتهما، قد تغيرت تغييرًا جذريًا، و«مواقع» السياسات الدولية أخذت تتحول كالكثبان الرملية من مكان إلى مكان، فما هو اليوم يميني سيصبح غدًا يساريًا وما هو في الغد يساري سيتحول بعد غد إلى موقع في أقصى اليمين!!
إنها أشبه بلعبة فقدت قواعدها وتجاوزت الالتزامات الفنية والقانونية من أجل «الربح» وحده، فلاعبوها يغيرون مواقعهم، والدفاع يتجاوز خط الهجوم ويتراجع المهاجمون إلى خط الدفاع، ويترك حامي الهدف شباك مرماه لكي يذهب إلى خصمه فيبعده عن مكانه ويتيح للكرة أن تدخل مرماه!! وذلك هو منطق السياسة في أغلب الأحيان، أنها تتجاوز كثيرًا متطلبات المذهب، وصرامته وحديته، وترتضي المواقف الوسطية في عالم متغير لا يتنفس فيه إلا من يداهن، ويتقرب، وينفتح، وينفرج، ويتملق، وسايس، لقد غدا عالمنا مسرحًا للاحتراف السياسي وليس ميدانًا للصراع الفكري كما كان في يوم من الأيام!!
فهل لنا نحن أن نحكم على أنفسنا بالذيلية والتبعية بالتزامنا مقاییس اصطنعها غيرنا، وتلاعب بها بخفة وسرعة لا تتيح لأشد العدائين سرعة أن يلاحقها؟
أما الأجدر بنا أن نعتمد مقاييسنا الأصيلة الأشد ثباتًا، ولكن الأكثر دينامية في الوقت نفسه، في تحليل المواقف العالمية، وتحديد مواقعنا في صراع الكتل والمذاهب والسياسات؟
إن القرآن الكريم يخاطبنا بوضوح ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).. ويا له من منطلق، تتوازن فيه بمقياس إلهي لا يخطئ، قوى الثبات والتطور، والسكون والحركة، والاستاتيكية والديناميكية.
إن الموقف الوسط ليس موقعًا جغرافيًا، ولكنه استراتيجية مذهبية لا تميل، إلى يمين ولا إلى يسار، صارمة لا تلعب السياسات بمقدراتها، ثابتة لا تزعزعها أعاصير التاريخ.
والشهادة على الناس، هي عمل حركي جهادي مستمر، لن يقف أو يتعثر.. إنه «ثورة دائمة» تلتزم مسؤوليتها إزاء البشرية جميعًا، فتشهد عليها، لا بمفهوم الرؤية السلبية، ولكن بالفعل الإيجابي والتغيير الدائم والانقلاب المستمر على كل وضع أو حالة أو صيغة لا يرتضيها الرسول «الشاهد» الذي بعثه الله للناس جميعًا.
«1» أوردت صحيفة الحزب الشيوعي الجيكوسلوفاكي أنها «سألت قراءها عن إلغاء احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، أو إبقائه، وكان ذلك في شهر حزيران 1968، وذكرت أن تسعة من كل عشرة من القراء طالبت بالإلغاء، وواحد فقط من كل عشرة طالب بإبقاء احتكار السلطة للحزب الشيوعي». «عن د. محمد البهي: تهافت الفكر المادي والتاريخي، ص 43 هامش 1».
«2» يروي أحد الباكستانيين «صديق الحسن الكيلاني» الحادثة التالية التي أوردتها مجلة الشهاب، العدد التاسع، السنة الرابعة كنت أتجول في مطار لاهور بانتظار قدوم ثلاثة ضيوف من فيتنام. وعندما نزلوا على أرض المطار استقبلهم الاشتراكيون، وفي وقت الاستقبال جرى نقاش بينهم، وبدأوا يقولون: أنت رجعي، أنت عميل للاستعمار!! وسألت نفسي: من العميل منهم؟ كلهم اشتراكيون! وسألت أحدهم: ما هذا؟ فقال: الصينيون استعماريون قتلوا الشعب المسلم! وقال آخر إن الروس استعماريون وانتهازيون! ولا بأس أن نشير هنا إلى ملحوظة جانبية قد تلقى ضوءًا على الموضوع! تلك أن عددًا كبيرًا من زعماء الاشتراكية في باكستان، كما يؤكد الراوي المذكور، من مالكي الإقطاعات الواسعة والمزارع الغنية وممن لهم أرصدتهم في المصارف الكبيرة أو على الأقل ينتمون لآباء من كبار الملوك والإقطاعيين.. فهل يستطيع التفسير المادي أن يبين لنا كيف ينبت الاشتراكيون في أرض برجوازية مما يعكس المقولة الماركسية تمامًا؟
«3» كتبت صفحات هذا البحث الموجز في الأشهر التي سبقت حرب تشرین 1973، وقد أكدت الأحداث التي رافقت تلك الحرب وأعقبتها، هذا الذي ذكرناه، وأغنته بمزيد من الأدلة والشواهد.. وليست سياسة «الانفراج» التي دفعت المعسكرين الأمريكي والسوفيتي إلى التسابق لوقف الحرب وتصفية القضية الفلسطينية تصفية سلمية نهائية.. وليست موافقة روسيا على تهجير يهودها إلى إسرائيل استرضاء للكونجرس الأمريكي ودفعه إلى تأييد منح روسيا الأولوية في العلاقات التجارية سوى مثلين فحسب ضمن عشرات الأمثلة، بل مئاتها.
«4» وأبرز ما يبدو هذا الفكر اليهودي في الانتقال، عبر اللحظات المناسبة لدعم وإنجاح وركوب الجبهة الأكثر ضمانًا لأهدافهم وما دام «اليسار» هو الفرس السباق في العقد الأخير، فليكن الرهان عليه.. ونقرأ- على سبيل المثال- في الصفحة العاشرة في عدد مجلة «الجويش أوبزرفر» اليهودية الأسبوعية التي تصدر في لندن «آذار 1970»، نقرأ حديث المجلة عن انتصار الحزب الاشتراكي النمساوي في الانتخابات العامة، وتسلم رئيسه اليهودي الدكتور كريسكي منصب رئيس الوزراء، حيث تقول تحت عنوان «رئيس وزراء النمسا اليهودي» «انتصار الحزب الاشتراكي في الانتخابات النمساوية يوم الأحد الماضي «الأول من آذار» هو أمر جدير بالملاحظة «!!» إذا أخذنا في الاعتبار شيئين: هذه هي المرة الأولى التي توجد فيها حكومة اشتراكية منتخبة في النمسا، وستكون هذه هي المرة الأولى التي يحتل فيها يهودي أعلى منصب في البلاد، فالدكتور برونوکريسكي، الذي منح لقب المستشار الجديد، هو يهودي سجن مرتين».
وتشير المجلة كذلك إلى أن والد الدكتور كريسكي «الاشتراكي» كان «مديرًا فنيًا لأحد المصانع»!!
وفي عدد الخامس من حزيران – 1970 - نشرت مجلة «إسرائيل اليوم» اليهودية تصريحًا لرئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الإيطالي «مايروفيري» تحت عنوان «بقاء إسرائيل على قيد الحياة أمر ضروري جدًا لإيطاليا»: «أعلن الأمين العام للحزب الاشتراكي.. في خطاب انتخابي أن بقاء إسرائيل على قيد الحياة هو أمر جوهري لسياسة إيطاليا الخارجية، فإسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
وفي عدد 26 حزيران – 1971 - نشرت «الجويش كرونيكل اللندنية» على صفحتها الأولى خبرًا عن عدد النواب اليهود في البرلمان البريطاني الجديد بعد انتخابات الثامن عشر من حزيران قالت فيه «إن تسمه وثلاثين يهوديًا ويهودية ينتمي ثمانية منهم إلى حزب المحافظين وواحد وثلاثون إلى حزب العمال «!!» قد انتخبوا أعضاء في الأسبوع الماضي، وأن هذا العدد ينقص عن الرقم القياسي للأعضاء اليهود في البرلمان السابق بعضو واحد».
ودعت جريدة «الصوت اليهودي» البريطانية قراءها في عددها الذي صدر قبل الانتخابات بستة أيام إلى التصويت لحزب العمال الاشتراكي، ونشرت عن ذلك افتتاحية في صدر صفحتها الأولى، اختارت لها عنوان «لماذا نصوت للعمال؟» ختمتها بهذا النداء «صوتوا للحزب الذي يعمل من أجل السلام العالمي.. صوتوا لحزب العمال»! «انظر مجلة الشهاب- الأعداد 18، 20، 21 السنة الرابعة»
«5» ولقد جاءت حرب رمضان «تشرين» بعد كتابة هذا البحث - لكي تقدم دليلًا تاريخيًا على ما يستطيع أن ينجزه «التحدي الإيماني» ضد اليهودية العالمية شرط أن يظل محافظًا على توتره وبعده العقيدي.
«6» انظر الهامش السابق.
«7» انظر كتاب «مقال في العدل الاجتماعي» للمؤلف: الفصل الأول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل