العنوان نظرات في علوم الحديث (١ من ٣)
الكاتب عبدالله رمضان
تاريخ النشر السبت 11-ديسمبر-2010
مشاهدات 58
نشر في العدد 1930
نشر في الصفحة 51
السبت 11-ديسمبر-2010
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات 6).
تلك كانت الإشارة الأولى التي انطلق علماء الأمة من خلالها إلى حماية التشريع الشريف من عبث العابثين - زنادقة ومبتدعة وموتورين - وذلك أن الأمة الإسلامية التي نيط بها حملة رسالة الله إلى العالمين، وعى رجالها الأوائل من الصحابة والتابعين عظم الأمانة الملقاة على عواتقهم، فكان الواحد منهم يراجع نفسه مرات ومرات قبل أن ينقل حديثا عن رسول الله الأمين صلي الله عليه وسلم، خشية الخطأ أو النسيان. بل وإذا نقل إلى أحدهم حديث لم يبلغه راح يتثبت من الخبر فيطلب شاهدا يستوثق به من أن الراوي حمل الحديث على وجهه وأنه لم يلتبس عليه الأمر، فمثلا أبو بكر الصديق جاءته الجدة تلتمس أن ترث فأخبرها أنه لا يعلم لها مستندا ترث به من قرآن أو سنة، فأخبره المغيرة بن شعبة أنه شهد النبي صلي الله عليه وسلم يعطيها السدس، فطلب منه الصديق من يشهد له أنه سمع ذلك من النبي صلي الله عليه وسلم فلما شهد معه محمد بن مسلمة أنفذه لها. (رواه الترمذي وصححه ٢١٠٠/٤).
وهذا الفاروق عمر يخبره أبو موسى أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع.. فتوعده عمر إن لم يأته بمن يشهد معه أنه سمعه من النبي، فشهد له أبو سعيد الخدري بذلك، فقال عمر: الهاني عنه الصفق بالأسواق. (البخاري في الاستئذان ثلاثا ).
ومن هنا نشأت الثقة المتبادلة بين الصحابة وانتقلت منهم إلى التابعين، فكانوا لا يسألون عن الإسناد، حتى حدث خلل في منظومة أخلاق المجتمع، فأدى ذلك إلى تغيير في الواقع، فتجرأ الناس على الكذب وقد كان هذا غريبا في ذلك الوقت، فاكتشف الناس من خلال ذلك التغيير ضرورة الحاجة إلى استحداث ضوابط تقي المجتمع ذلك الخلل، فارتأت الجماعة العلمية حينئذ أن تتثبت من مصادر المجتمع وعلومه وأخلاقه وقوانينه، قواعد تعين على كشف الكذب ومعرفة المفترين لا سيما والقرآن يحض على التثبت في الأخبار عموما، فكيف بما يتعلق بالدين؟! ولذلك وجدنا فيما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ما يجلي لنا هذه الصورة، ويبين لنا الواقع الذي استدعى ذلك، فيما أخرجه عن ابن عباس قال: إنا كنا إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.
وأخرج بسنده عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم. ونتيجة لذلك الأمر ظهرت المعايير التي ساعدت على حفظ السنة، وأمكن من خلالها ضبط نصوص الشرع الشريف، فاتجه العلماء إلى وضع قواعد وأسس علوم الحديث، ذلك العلم الذي كان في بدايته عبارة عن مبادئ وضوابط وضعت من أجل التثبت في الرواية والتدقيق في النقل. وقد غرس هذا الأمر في شعور المسلم انتباها إلى عظمة التدقيق وأثره في معرفة الحقائق، وكشف الكاذب من الصادق، وأن التثبت منهج رباني حاكم الله إليه الأمم واعتمده في بيان المهتدين من الظالمين فقال سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ۱۱۱)، وقال أيضًا: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ (الأنعام: ١٥٠).
وهكذا بدأت تظهر البذور الأولى العلوم الحديث، والتي لم تزل تنمو وتتسع على مر الأيام حتى صارت علمًا قائمًا بذاته تضرب إليه أكباد الإبل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل