العنوان نظرات في علوم الحديث (۲من ٣)
الكاتب عبدالرحمن رمضان
تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010
مشاهدات 57
نشر في العدد 1931
نشر في الصفحة 55
السبت 18-ديسمبر-2010
اتضح لنا جليًا فيما سبق وأن ذكرناه أن وقوع الفتنة الكبرى التي مزقت شمل الأمة وجرأت الناس على الكذب، كان ذلك دافعًا قويًا وسببًا رئيسًا في ظهور بدايات علوم الحديث التي نشأت في البداية لحماية نصوص الشرع الشريف، من خلال التثبت في قبول الروايات ومعرفة من يقبل حديثه ومن يرد... إلخ.
ومع مرور الزمن بدأت المنظومة الحديثية وقواعد القبول والرد تتسع حيث ازدادت الحاجة إلى قواعد هذا العلم نتيجة لانتشار الرواية وطول الإسناد مع مرور الزمن، حيث كانت لا تزيد الأسانيد على راويين أو ثلاثة في الأعم الغالب، ثم راحت الأسانيد تطول شيئًا فشيئًا.
لذلك أصبح العلماء لا يقبلون من الحديث إلا ما كان مسندًا مصحوبًا بأسماء نقلته ورواته : خشية الدس والافتراء على الشرع الشريف: مما دفع بدوره إلى ظهور نشاط آخر من أنشطة فن المصطلح، وهو حفظ معلومات واضحة عن كل فرد ممن اشتغل بالرواية يومًا ما، وإذا ما وصل إلينا يومًا إسناد جديد من الأحاديث سهل معرفة حال كل واحد من رجال إسناده لتعلم وزنه من الضبط والحفظ، ومنزلته من الديانة والعدالة، فنعلم من ثم إن كان قد أصاب أو أخطأ، وهل هو أهل القبول روايته أم لا. فنشأ نتيجة لذلك علم الرجال الذي يعتني فيه بتدوين أسماء الرواة وأحوالهم وشيوخهم وتلاميذهم واضطر العلماء نتيجة لكثرة الأسانيد وتعدد الطرق إلى محاولة حصر الطرق، وكشف التداخل الواقع في أسانيدها وعرض بعضها على بعض المعرفة ضبط الرواة من عدمه، فنشأ علم العلل مع العشرات من آلات البحث العلمي الدقيق التي بدأت تظهر وتتضح.
ومع تعدد الآلات وتنوعها كثرت شعب الحديث واتسعت مادته وتراكمت فنونه مما جعل الحفاظ يصنفونه ويكتبونه فيه، بل ولوعوه إلى أنواع مختلفة، وأجناس يسهل معها حصره واستيعابه فظهرت كتب تعتني بالكلام على الرواة، ومعرفة ما قيل فيهم من جرح أو تعديل، وظل يتطور هذا اللون حتى صار علمًا قائمًا بذاته يسمى علم الرجال، أو الجرح والتعديل.
وظهرت كتب تهتم بجمع نصوص السنة وترتيبها تارة على مسانيد الصحابة كـ مسند أحمد، أو على الأبواب الفقهية كـ السنن الأربعة و موطأ مالك، أو على الجوامع التي تهتم بالفقه والتفسير والمغازي.. إلخ. ومنها ما اقتصر فيه أصحابه على الصحيح المجرد كالبخاري ومسلم ومنها ما جمع مع الصحيح، غيره كـ جامع الترمذي، ومنها ما جمع بين الأحاديث المرفوعة وأقوال الصحابة والتابعين، كمصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة وغيرهما.
وهكذا بدأت تتنوع المؤلفات وتتكاثر مما جعل المعايير التي يعول عليها في القبول والرد تتبلور النقاد يستخلصون من النماذج الجزئية العملية التي وقع فيها القبول والرد مقياسًا كليًا يمكن تطبيقه وتكراره، فجعلوا يجردون القوانين والضوابط المنثورة في كلام العلماء هنا وهناك، حتى ظهر طور ثالث من العلوم وهي قوانين الرواية التي عرفت بعد ذلك بمصطلح الحديث، وهو الذي أعتنى به الرامهرمزي في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي.
ومن خلال ما سبق يتضح أن كل تصانيف المحدثين صارت تصب في محاور ثلاثة:
1- كتب الرواية كالصحاح والمسانيد والسنن ونحوها.
2- كتب الرجال والعلل وما يلحق بها.
3- كتب القواعد وقوانين الرواية كالمحدث الفاصل والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل