العنوان نظرات في لغة القرآن الكريم- سمكها .. أغطش
الكاتب أنور عبد الفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000
مشاهدات 81
نشر في العدد 1405
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 20-يونيو-2000
﴿رَفَعَ سَمكَهَا فَسَوَّىٰهَا وَأَغطَشَ لَيلَهَا﴾ (النازعات : 28-29)
في سورة النازعات نتوقف اليوم أمام لفظتين انفردت بهما هذه السورة من كتاب الله الكريم.
وبداية فإن سورة النازعات من السور المكية التي تتناول الأدلة على وجود الله الخالق، وتدعو إلى التفكر والتدبر في آيات الله الدالة على قدرته المطلقة في بدء الخليقة ثم بعثها للحساب يوم القيامة ﴿فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرا يَرَهُ وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّة شَرّا يَرَهُۥ﴾ (الزلزلة : 7-8)
وتدعو آيات هذه السورة الإنسان إلى تأمل حجمه الضعيف إذا ما قارن نفسه ببناء الكون الفسيح الذي لا مجال للعقل في أن يدرك اتساعه فتسأل الآية الكريمة هذا الإنسان: ﴿ءَأَنتُم أَشَدُّ خَلقًا أَمِ ٱلسَّمَاءُ بَنَىٰهَا رَفَعَ سَمكَهَا فَسَوَّىٰهَا وَأَغطَشَ لَيلَهَا وَأَخرَجَ ضُحَىٰهَا﴾ (النازعات: 27-29) فماذا يكون هذا الإنسان وسط هذه المعجزات الكونية الكبيرة؟
ونتوقف اليوم أمام كلمة (وسمكها ) حيث يقول المفسرون: (رفع سمكها ) أي أعلى سقفها في الهواء، وقال فيها الإمام ابن كثير - رحمه الله -: أي جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء مستوية الأرجاء مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء ا.هـ.
والسمك لغة السقف، وقيل هو من أعلى البيت إلى أسفله.. والسمك أيضًا القامة من كل شيء بعيد طويل السمك.
قال ذو الرمة:
نجائب من نتاج بني عزير *** طوال السمك مفرعة نبالا
وسمك الشيء يسمكه سمكًا فسمك أي رفع الشيء يرفعه فارتفع.
والسماء مسموكة أي مرفوعة كالسمك، وكان علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي عنه : يدعو ربه قائلًا: اللهم بارئ المسموكات السبع ورب المدحوات، فالمسموكات السبع هي السموات، أما المدحوات فهي الأرضون جمع أرض، وقد أخذت كلمة المدحوات من قوله تعالى: ﴿وَٱلأَرضَ بَعدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَا﴾ (النازعات : 30)
وسمك الشيء سموكًا أي ارتفع، وبيت مستمك سمك في الريم ومنسمك أي طويل السمك، ويقال اسمك؛ أي اصعد في الدرجة، والمسماك عمود من أعمدة الخباء أو البيت قال الشاعر:
كان رجليه مسما كان من عشر *** سقبان لم ينقشر عنهما النجب
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَغطَشَ لَيلَهَا﴾، فهي لفت آية الليل ﴿وَجَعَلنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَينِ﴾ (الإسراء: 12) يقابلها آية إخراج النور والنهار بعد ظلمة الليل، كما هو في قوله تعالى: ﴿وَأَغطَشَ لَيلَهَا وَأَخرَجَ ضُحَىٰهَا﴾ (النازعات: 29) وكما أن في عملية دخول الليل في النهار والنهار في الليل آية، كما نلاحظ سويًّا فإن في تعاقب الليل والنهار على امتداد ملايين إن لم يكن بلايين السنين آية كونية كبرى لأولي الألباب.
وغطش الليل فهو غاطش أي مظلم، وأغطش ليل بنفسه وأغطشه الله أي أظلمه.
والغطش في العين شبه العمش، والغطش سعف في البصر، تقول رجل أغطش وامرأة غطشي والغطاش ظلمة الليل.
ومفازة غطشى أي صحراء غمة المسالك لا يهتدي فيها.
والمتغاطش.. المتعامي عن الشيء والذي يقصد تجاهل أمر من الأمور.
هذا .. والله تعالى أعلى وأعلم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل