العنوان نظرة تحليلية في أحداث جامعة اليرموك
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986
مشاهدات 50
نشر في العدد 770
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 03-يونيو-1986
• في الجامعة الأردنية «الأولى» يتم التسييس بلا دماء
• إدارة جامعة اليرموك تقدس النمط الأميركي وتريد من الطالب أن يكون كشكول دراسة!
• السلطات استغلت وساطة النائب الكوفحي لتمكين القوات المهاجمة من إحكام الخطة!
• ليس وراء الأحداث دوافع سياسية اللهم إلا عند إدارة الجامعة، والشيوعيون ركبوا الموجة.
• مطلوب محاكمة من كان السبب في اقتحام الجامعة عسكريًّا.
• السبب الحقيقي للأحداث هو وقوف إدارة الجامعة ضد مطالب الطلبة الأكاديمية.
الأحداث المؤسفة التي وقعت في جامعة اليرموك بالأردن يوم ١٥ مايو الماضي والتي راح قبل ضحيتها ٣٥ طالبًا وطالبة بين قتيل وجريح نتيجة لاقتحام قوات من الشرطة والبادية والصاعقة لحرم الجامعة، شوهت صورتها من قِبَل السلطات الأردنية، كما شوهت من بعض الأوساط الإعلامية خاصة اليسارية، ولعل أهم أسباب تشويه حقيقة هذه الأحداث هو مدى حساسيتها وما تُشكله من إحراج بسبب ارتفاع عدد الضحايا من الطلاب العزل من جهة، وبسبب أن الضحايا من عائلات أردنية معروفة من جهة ثانية، كما أن إعلان الشيوعيين في بيروت مسؤوليتهم عن تحريض الطلبة وقيام السلطات باعتقال بضعة وعشرين من قياداتهم جعل الصورة لمن هم خارج الأردن غير واضحة.
فهل الذي حدث هو مواجهة بين السلطة والشيوعيين؟ وهل مطالب الطلبة كانت أكاديمية أم سياسية؟ وما هي الدوافع وراء قرار مواجهة الموقف بالعنف؟
خلفية
الأحداث لا تفهم إلا من خلال ربطها بخلفياتها، أهمها:
إن جامعة اليرموك أنشئت بدعم أمريكي ومثل هذا لا يمكن أن يتم إلا باتفاق غير معلن على أن تحقق هذه الجامعة وأمثالها بُعدًا معينًا مسبقًا من المطالب الأمريكية، وقد بدا هذا واضحًا على طريقة الجامعة في التدريس والإدارة ومعاملة الطلاب وكأنهم في المرحلة الابتدائية، فعلى الرغم من تكوين الجمعيات العلمية الطلابية المنتخبة في الكليات المختلفة، فقد قامت إدارة الجامعة بتكبيل هذه الجمعيات والرفض المتكرر السماح لها بالقيام بأنشطة تتناسب وتطلعات هذا الجيل من الأمة، وكما سبق فإن هذا التصرف من رئيس وإدارة الجامعة يتفق والبعد المحدد من المطالب الأمريكية فالطالب الجامعي في عالمنا من وجهة نظر منفذي الأسلوب الأمريكي في شرقنا يجب أن يكون مجرد «کشكول دراسة» وليس له الحق بالاتصال بالفعاليات الفكرية والثقافية والسياسية من خارج أسوار الجامعة ولا بدعوتهم لإلقاء محاضرات أو إقامة ندوات يتحدثون فيها عن قضايا المجتمع، لأن المطلوب من الطالب الجامعي أن يتخرج من الجامعة وهو لا يفقه ولا يجيد إلا تخصصه العلمي، وإذا صدق ما كتبته «الغارديان» في عددها بتاريخ 21/5/86 ونقلته «القبس» في عددها بتاريخ 23/5/86 على لسان عدد من طلبة جامعة اليرموك ومسئولين في الجامعة حيث قالوا «إن الطلبة بوجه عام يخضعون لمراقبة دقيقة من قِبَل إدارة شئون الطلبة، التي يرأسها ضابط سابق في الجيش ويعاونه ضابط سابق في المخابرات، وقد اتهم الطلاب الرجلين، بأنهما يضعان تقاريرهما عن نشاطات الطلبة، وقوائم الطلبة من ذوي النشاط ويقدمانها إلى إدارة الجامعة وإلى السلطات الأمنية.
إذا صدق هذا، وما نظن أنه بعيد عن الصواب، بالإضافة إلى الممارسات الذاتية من رئيس وإدارة الجامعة، مما سيؤدي حتمًا إلى جو من الإرهاب وفرض القيود على حرية التعبير لدى الطلاب تكون نتيجته حركة الاحتجاج التي نشأت داخل الجامعة لتعكس بصدق ذاتي عدم رضا الطلاب عن إدارة الجامعة التي بتصرفاتها هذه تستعدي غالبيتهم العُظمى.
ونضيف لذلك أن لدى إدارة جامعة اليرموك ما يسمى بعقدة «الجامعة رقم اثنين» فهي الجامعة الثانية بعد الجامعة الأردنية في عمَّان ولذلك فإن إدارة جامعة اليرموك ورئيسها على وجه الخصوص يحاول أن يثبت للآخرين بأنه لا يقل مقدرة عن رئيس الجامعة الأردنية في عمَّان، ولكل أسلوبه في مواجهة تحركات الطلاب، فرئيس الجامعة الأردنية يلتف حول مطالب الطلبة، بينما رئيس جامعة اليرموك يواجهها وجها لوجه، حفظًا لهيبة الجامعة وإدارتها كما تبرر إدارة جامعة اليرموك لدرجة أنه سجل سابقة خطيرة في تاريخ التعليم العالي في الأردن بعدد ضحايًا أسلوبه في الإدارة، ومن يدري فلعله بعد أن يرى الأعداد الحقيقية للضحايا والتي بدا واضحًا أنها تجاوزت الإعلان الرسمي خاصة من مات منهم بسبب جراحِهِ الخطيرة والتي تمثلت إما في نزيف داخلي في الدماغ نتيجة لضرب الهراوات الشرسة أو لنزيف داخلي في البطن نتيجة لضرب اللكمات والبونيات اللاإنسانية، نقول لعل رئيس جامعة اليرموك بعد أن يَعد الجنازات يدافع عن نفسه ويكشف الحقيقة مدَّعيًا بأنه كان ينفذ سياسة عُليا! وبأنه كان يشعر بتحركات لإبعاده عن الجامعة واستبداله بأحد الموالين للسياسة العليا، بحكم اللعبة السياسية التي تعتمد على تنصيب وتقريب الموالين لاستلام المواقع ذات التأثير والأهمية.. ولذلك تشدد في موقفه ليثبت قدرته، فهل وقع رئيس جامعة اليرموك بإربد بنفس الشَّرَك الذي وقع فيه قريبه رئيس الوزراء السابق الذي راح ضحية «تحرشه» بقبائل بني حسن على مشارف مدينة الزرقاء؟ العلم عند الله تعالى وحده، وأما في عالم البشر فإن المؤشرات تتوجه نحو رئيس الوزراء الحالي لتحمله المسئولية الكبرى بحكم منصبه، مع عدم إخلاء طرف رئيس وإدارة جامعة اليرموك من المسئولية المباشرة.
حقيقة الأحداث
توجد في جامعة اليرموك جمعيات طلابية تنتخب كل عام بالاقتراع السري وبإشراف إدارة الجامعة من قِبَل طلاب الجامعة في كلياتها المختلفة، ويسيطر الاتجاه الإسلامي على معظم هذه الجمعيات حيث فاز مرشحو الاتجاه الإسلامي في (۲۳) جمعية طلابية من (۲۷) جمعية، وفاز المستقلون واليساريون في (٤) جمعيات.
وبدأت المضايقات للجمعيات الطلابية من قِبَل إدارة الجامعة وإدارة شؤون الطلبة فيها حيث يتم التدخل في النشاط الطلابي على صعيد تحديد أسماء المحاضرين من خارج الجامعة ممن يحملون فكرًا إسلاميًّا واضحًا وتفضل إدارة الجامعة وشؤون الطلبة محاضرين موالين لأفكارهم وآرائهم وغير متحمسين لأفكار الجهاد ومعاداة اليهود، لأن الاتجاه العام في المنطقة هو تهيئة المناخ الفكري والسياسي لقبول الحلول السلمية المفروضة من قِبَل أمريكا وبريطانيا والصهيونية العالمية.
كما بدأت المضايقات ضد الجمعيات الطلابية حول الرحلات الطلابية وضرورة أن تكون مختلطة وللأماكن السياحية ومعرفة أسماء المشتركين فيها مما يؤدي في المستقبل بهؤلاء المشتركين من الطلاب والطالبات إلى الملاحقة الأمنية من قِبَل الأجهزة الأمنية في مدينة إربد حيث تقع جامعة اليرموك.
وقد طلبت الجامعة رسومًا للتدريب العملي من طلاب الهندسة تبلغ (۹۰) دينارًا في السَّنَة مما اضطر الطلبة للاحتجاج ومراجعة إدارة الجامعة حول هذه الرسوم الباهظة وبعد مراجعات متعددة وضغوط طلابية خفضت الجامعة هذه الرسوم إلى (١٥) دينارًا.
ولما ضاقت الجمعيات الطلابية ذرعًا من مضايقات إدارة الجامعة وعمادة شؤون الطلبة، وشعرت أنها لا تستطيع ممارسة واجباتها لخدمة طلاب الجامعة ضمن اختصاصاتها وضمن اللوائح المقررة المعمول بها في الجامعة- قررت هذه الجمعيات أن تدعو إلى عقد مؤتمر عام تشرح خلاله الموقف للطلبة وتعيد إليهم أمانتهم وتعتذر عن الاستمرار في مهامها التي انتخبت من أجلها ورفض رئيس الجامعة وإدارة شؤون الطلبة عقد المؤتمر في داخل الجامعة مما اضطر الطلاب إلى عقد المؤتمر في ساحات الجامعة في العراء داخل أسوار الجامعة، وكانت النتيجة أن أكد طلبة وطالبات الجامعة تأييدهم للجمعيات الطلابية وشجبوا تصرفات إدارة الجامعة وشؤون الطلبة ضدهم وضد نشاطاتهم الطلابية التي لا تتعارض مع أنظمة ولوائح الجامعة.
ولكن إدارة الجامعة قررت تشكيل لجنة تحقيق مع الطلبة والطالبات الذين تبنوا مطالب إخوانهم وأخواتهم حول رسوم الجامعة وحول المحاضرات وحول الرحلات وحول الملاحقات الأمنية المتواصلة منذ عامين لإرهاب الطلاب بالابتعاد عن الجمعيات الطلابية وعن نشاطهم الفكري والإسلامي وتهديدهم بعدم التوظيف في المستقبل في دوائر الدولة أو إعطائهم شهادات حسن سلوك للعمل في الخارج وامتد التهديد والوعيد للفصل من البعثات والمنح الدراسية الممنوحة لبعضهم من قِبَل الدولة.
وقد تم تشكيل لجنة التحقيق بمعرفة رئيس الجامعة وقررت بدون تحقيق نزيه وعادل فصل (۳۲) طالبًا من الجامعة (۲۱) فصلًا نهائيًّا، (۱۱) فصلًا مؤقتًا، وقد تسرب خبر القرار إلى بعض الطلبة مما أثار حفيظتهم وخوفهم على ضياع مستقبلهم وبخاصة من كان منهم في السنوات النهائية.
وقد راجع بعض الطلبة الذين تسربت قرارات فصلهم إدارة الجامعة للتأكد من ذلك.. ولما تأكد الخبر وانتشر بين الطلبة قرروا التضامن الجماعي مع إخوانهم وأخواتهم- للضغط على إدارة الجامعة لإلغاء قرار الفصل التعسُّفي وانتخاب لجنة تحقيق من أعضاء مجلس الجامعة لتجري تحقيقًا عادلًا ونزيهًا، ولكن إدارة الجامعة رفضت وأصرت على رأيها وكانت الامتحانات السنوية ستعقد خلال أسبوع قبل الأحداث الدامية، مما اضطر الطلاب للتظاهر والاعتصام داخل الجامعة كوسيلة للضغط على إدارة الجامعة لإنصافهم ليل الأربعاء 14/5/86، وتوسط وجهاء إربد ونوابها ورئيس بلديتها وشخصيات كثيرة رسمية وشعبية لدى رئيس الحكومة ووزارة الداخلية ووزارة التعليم العالي ورئيس جامعة اليرموك لحل هذا الإشكال بين إدارة الجامعة والطلاب بأسلوب ودِّي وعادل وحرص الطلاب على أن يعرضوا مطالبهم العادلة على الوسطاء وهي:
1- إلغاء قرارات الفصل التعسفي بدون تحقيق عادل محايد ونزيه.
2- إعطاء الجمعيات الطلابية حق العمل ضمن اللوائح المقررة.
3- الإفراج عن الطلاب الموقوفين لدى الجهات الأمنية ووقف الملاحقات الأمنية ضد طلاب الجامعة.
4- تأجيل الامتحانات حتى يستطيع الطلاب الدراسة والاستعداد لبضعة أيام عوضًا عن الأيام التي تعطلت الدراسة خلالها بسبب الإضراب
وكان لوساطة الدكتور أحمد الكوفحي نائب إربد أثر كبير في التوفيق بين إدارة الجامعة والطلاب حرصًا منه على أن تستجيب الجامعة لمطالب الطلاب العادلة وأن يبقى الخلاف محصورًا في إطار الجامعة حتى لا يستغل من قِبَل جهات أخرى لا تريد الخير للجامعة والطلاب ونجحت المفاوضات والوساطة الساعة 1,15 صباح الخميس.
ولكن للأسف حوالي الساعة الواحدة والنصف من صباح الخميس 15/5/86 اقتحمت قوات الشرطة والبادية والصاعقة أسوار الجامعة وانهالت على الطلاب والطالبات بالضرب والإيذاء والسب والشتم وحاول الدكتور الكوفحي والطلاب إقناع القوات المهاجمة بانتهاء الأزمة ونجاح الوساطة ولكن الأمور كما يبدو وصلت إلى حد اللاعودة ودارت معركة مؤسفة بين القوات المهاجمة وجموع الطلبة والطالبات العزل من أسباب القوة وانتهت في الساعة الرابعة والنصف صباحًا حيث تم نقل الجرحى والقتلى إلى مستشفيات الحكومة والجيش.
إنه لأمر مؤسف حقًّا أن تُقْدِم الحكومة الأردنية على مثل هذا التصرف مع طلاب وطالبات الجامعة الذين رفضوا ويرفضون أن تتحول مطالبهم الطلابية العادلة إلى مطالب سياسية من أية جهة كانت أو أن تفسر على وجه آخر، وهم الحريصون على أمن واستقرار بلدهم وكان لقرار الحكومة استئناف افتتاح الجامعة وتقدُّم الطلبة لامتحاناتهم بكل هدوء أكبر دليل على نية الطلبة الفعلية في المحافظة على الهدوء واستمرار الدراسة في جامعتهم على أن تكمل الحكومة التحقيق وتقصِّي الحقائق حول من تسبب في اقتحام الجامعة عسكريًّا مما أدَّى إلى النتائج المحزنة التي وقعت.
والحكومة الأردنية مطالبة بأن تعالج أمور الجامعة معالجة جذرية لإنصاف الطلاب وإعطائهم حقوقهم ورفع عقوبة الفصل عنهم، فهل تفعل ذلك؟ إننا لمنتظرون.