العنوان نظرية الاستبداد و الجبروت.. نموذج فرعون وقارون
الكاتب إبراهيم بدر شهاب الخالدي
تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016
مشاهدات 71
نشر في العدد 2099
نشر في الصفحة 76
الخميس 01-سبتمبر-2016
الشخصية الخالية من الإيمان يملؤها الزيغ والطغيان لا سيما إذا امتلكت المال والسلطان وأسباب القوة
الشخصية المثالية تتمثل في أسمى درجات التواضع وحب الخير للناس
الدول العظمى المتغطرسة جعلت من نفسها شرطياً للعالم للتحكم في مصائر الشعوب
النموذج الفرعوني القاروني محدود النظر.. ضيق الأفق..
لا يبصر وجه الحق والصواب
وبعض الناس يتحولون من حال إلى حال بسبب ما آل إليهم من عز الثروة، أو الجاه، أو السلطان والأعوان، ولو كان ذلك في سن متأخرة من أعمارهم.
ويكون التحول النفسي والسلوكي (إيجاباً أو سلباً) نحو التواضع أو الجبروت، بحجم الملكية وطبيعة الشخصية، وكلما زاد الفارق بين ضعف الشخصية وحجم ما آل إليها من الملك والقوة زاد الانحراف والطغيان والجبروت، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى {6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى {7}) (العلق)، ذلك أن الإنسان ذا القلب الخالي من الإيمان يملؤه الزيغ والضلال والطغيان، ولا سيما إذا امتلك المال والسلطان وأسباب القوة.
جنون العظمة
فالشخصية السلبية التي يمثلها فرعون السلطة أو قارون المال هي شخصية ضعيفة أمام شهوتي السلطة والمال، تتغير بالملكية نفسياً وسلوكياً إلى درجة الانحراف الذي يخرج بها عن الإنسانية، ويفضى بها إلى الظلم والطغيان، ذلك أن الملكية ولا سيما إذا كانت بحجم ما امتلكه فرعون وقارون أو أدنى من ذلك، تصيب صاحبها بما يسمى جنون العظمة وهوس السلطة، فيفقد بذلك جزءاً من عقله وحواسه، وتضعف لديه المشاعر الإنسانية إلى أبعد الحدود، ويصاب ببلادة في الحس وغشاوة على العقل، فلا يعود يبصر وجه الحق والصواب، ولا يحسب حساب العواقب والنوائب، ولا تستفزه صيحات المقهورين ولا دعوات المظلومين، وتتكشف كوامن نفسه الخبيثة، وتبرز لديه صفة الأنانية والجشع بأبشع صورهما، وتشرئب نفسه إلى ما يملكه الآخرون لاغتصاب ما يملكونه وأخذه منهم عنوة، ويتمرد على القيم الفاضلة والأخلاق السامية، ويستعلي على القانون والنظام، بل ويتمرد على الإنسانية، وينقلب وحشاً كاسراً، لا تحده قيم ولا تثنيه عن المنكر مبادئ ولا أخلاق.
هوس السلطة
فكم من فقير ذليل آلت إليه ثروة أو سلطة فانقلب وحشاً ضارياً، تحركه طباع الوحوش وشريعة الغاب، فنسي ماضيه وتنكر لأمثاله من الفقراء الأذلاء، وتعطلت لديه المشاعر الإنسانية، وبرزت بوضوح صفاته الوحشية الهمجية التي كانت كامنة في غياب ما امتلكه من سلطة أو ثروة، وكأن ثقله المادي يزداد على حساب الثقل المعنوي والأخلاقي، يصدق فيه قول الشاعر:
لئن أنالتكَ الدنيا ثروةً فأصبحتَ
ذا يُسرٍ بعد إذ كُنتَ ذا عُسرِ
فقد كشفَ الثراءُ منكَ خلائقاً من اللؤمِ
كانت تحت ثوبٍ من الفقرِ
والنماذج الفرعونية القارونية على مستويات ودرجات، فثم تجد فرعون والنمرود وأمثالهما، تجد ذا ثروة استغل جهود عماله في مزرعته أو مصنعه، مستقوياً عليهم بما يملك، فاستغل عرق جبينهم وأكل أموالهم تحت ذرائع شتى، وتجد موظفاً متعطشاً إلى السلطة رُقي إلى وظيفة إدارية في وزارة أو مؤسسة ما ذات صلاحيات أوسع وسلطة أكبر، فاستبد بالسلطة المخولة له والصلاحيات الواسعة، فصادر حريات مرؤوسيه وموظفيه فكلفهم ما لا يطيقون، واتخذ من القرارات ما سبب لهم الضيق والنفور، وهكذا يصنع هذا النموذج في كل زمان ومكان متى أتيحت له أسباب القوة والاستعلاء.
غطرسة الدول العظمى
ومثلما ينسحب هذا الأمر على الأفراد والجماعات، فإنه ينسحب كذلك على الدول والإمبراطوريات سواء بسواء.
إن ما نشاهده اليوم من غطرسة أمريكا وروسيا ودول الاستكبار العالمي على بقية دول العالم الممزق الضعيف ما هو إلا بسبب ما تمتلكه من أسباب القوة العسكرية والمادية، فجعلت من نفسها شرطياً للعالم، وخولت نفسها حق «الفيتو» والتحكم بمصائر البشر، وعملت هذه القوة فيها اليوم ما عملت من قبل في دولتي فارس والروم ومن عاصرهم من عرب الجاهلية وسواهم، فقد جاء في كتب التاريخ أن النعمان بن المنذر كان له يومان؛ يوم سعد، ويوم نحس، فأما يوم السعد فمن وجده فيه أغناه، وأما يوم النحس فمن لقيه فيه قتله، هكذا بكل صلف وحماقة ودون مبرر أو مسوغ، إنما هي الغطرسة وجنون العظمة والنرجسية الممزوجة بالسادية المفرطة.
أما الدولة الرومانية، فقد نقلت إلينا كتب التاريخ أن الرومان كانوا يستمتعون باسترقاق الشعوب المغلوبة، ويتلذذون بتعذيب العبيد، ويعاملونهم كما يعاملون الحيوانات سواء بسواء، بل أسوأ من ذلك بكثير.
وما تفعله ما يسمى بدولة «إسرائيل» من قتل وتدمير وتهجير وتضييق على الناس باسم الأمن ومكافحة الإرهاب، تدعمها قوى البغي والعدوان بكل وسائل الدعم المادي والمعنوي والإعلامي، ما هو إلا مثال بارز على هذا الذي ذكرنا، ويدعم نظرية الغطرسة والجبروت.
الصورة المثالية
ولكن الناس في هذا الأمر ليسوا سواء، رغم كثرة الطواغيت والجبابرة، فثم نجد أناساً بهذا الوصف المتقدم، نجد آخرين وهم قلة بطبيعة الحال على النقيض من أولئك، يمثلون أسمى درجات التواضع وحب الخير للناس، ويسعدون برسم الابتسامة على شفاه الفقراء والمحرومين، وقد برز منهم نماذج كثيرة في الحياة، أهمها في تاريخنا الإسلامي، نموذج عثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما، فهما صحابيان جليلان، يمثلان نموذجاً للتواضع والكرم وقوة الشخصية التي لا يذلها الملك ولا يطغى عليها أو يغير من طبيعتها الطيبة الكريمة المعطاءة، بل جعلت المال في يديها للبذل والعطاء لا في قلبها للخزن والأثرة؛ ولذلك فهما ينفقان في وجوه البر والخير بلا حدود، ولهما مواقف عظيمة في البذل والعطاء قلَّ نظيرها، بل يندر مثالهما في التاريخ، رغم أن هناك من فاقهما في البذل والكرم مع الفقر وقلة ذات اليد، وهما: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، فالرسول [ كان أجود من الريح المرسلة، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، أما أبو بكر فقد أثر عنه أنه عندما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: «ماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟»، قال: تركت لهم الله ورسوله، وكان قد تبرع بجميع ماله في سبيل الله تعالى.
أما عن ملك السلطة الذي لا يزيد صاحبه إلا تواضعاً ورحمة؛ فتجسده مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع أعدائه من كفار قريش وسواهم، فحينما دخل مكة فاتحاً، لم تأخذه عزة القوة ونشوة النصر والغلبة، بل أخفض رأسه تواضعاً حتى لامست لحيته سنام ناقته وهو يطوف حول الكعبة، وقد صفح عن أهل مكة، وسامحهم على مواقفهم السابقة من الدعوة الإسلامية، وقال لهم قولته المشهورة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، رغم قدرته على الانتقام وأخذ الثأر.
إن الذي دفع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام إلى هذا السلوك القويم، هو بُعد نظرهم إلى ما بعد الدنيا الفانية؛ لأنهم يدركون تماماً أن ما يفوتهم في الحياة الدنيا طاعة لله وتعبداً، سيعوضون عنه في الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أما النموذج الفرعوني القاروني فهو محدود النظر، ضيق الأفق، قد حجبت عنه السلطة والمال والقوة وجه الحق والصواب وسبل النظر السليم، فظن أنه خالد في الدنيا، ولذلك أمعن في الطغيان، وأفرط في الظلم والعدوان، رغم أنه ليس بحاجة إلى الظلم والعدوان، وكان بوسعه أن يكسب محبة الجميع وهو مرتاح الضمير هادئ البال، إنها السلطة والقدرة الممتزجة بخواء الروح من الإيمان، وضعف الشخصية أمام شهواتها الهابطة.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل