العنوان نعم.. أنياب الديمقراطية الموعودة!
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 40
السبت 20-سبتمبر-2003
اطلعت على مقال الأستاذ فهمي هويدي في جريدة «الشرق» القطرية، تحت عنوان «أنياب الديمقراطية الموعودة» فأثار الموضوع في نفسي شجونًا وهمومًا وآلامًا، ورجوت أن أقدم للقارئ شيئًا عن هذه الأنياب التي أصبحنا نعيش في ظلها هاهنا في بلاد الحرية والديمقراطية.. إسبانيا.
صورة غريبة وشاذة وعجيبة ليس عما يجري في بلادنا من قمع للحريات وتكميم للأفواه وزجر لكلمات الحق التي بدأت تنكمش بصورة بالغة الخطورة حتى في ساحات الإنترنت الداخلية، فهذه لم تسلم بدورها من أنياب الديمقراطية الغربية التي يجد بعض الحداثيين في التطبيل والتزمير لها مجالًا ممتازًا للارتزاق على حساب أمة تغلي وتشتعل من أقصاها إلى أقصاها رفضًا للغزاة الذين أتوا إلى عقر دورنا لامتصاص دمائنا باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ديمقراطية تضرب في كل يوم جديد مركزًا من مراكز النور والحرية والتقدم والاستقلالية في البلاد العربية والإسلامية لقد هيأت هذه الديمقراطية جنودًا متخصصين للإجهاز على كل ساحة للرأي المناهض لها مهما كانت بسيطة أو صغيرة أو مغمورة، فلقد تم - على سبيل المثال - تدمير موقع صغير كموقع الشروق الإخباري الفلسطيني ثلاث مرات خلال شهر واحد، كما تمّ تعطيل موقع «بوابة العرب» مرتين خلال شهر كذلك، ولم أكن أريد أن أذكر ما الذي كان قد حل ببعض الصحف العربية التي كانت قد استقطبت في فترة من الزمان مجموعة من الأقلام التي تتحدث باسم الأمة منافحة عن حقوقها المغتصبة، فاضحة أوضاعها التي صار من الخيانة السكوت عليها، فتم استخدام رئيس تحرير استطاع في شهر واحد أن يجعل نصف أولئك الكُتَّاب يتركون مواقعهم وأعمدتهم بانتظار كوة من نور جديدة، وهو شيء لا يمكن أن يفتقد طويلًا، لأن التاريخ علمنا دائمًا أن الحق يجد على الدوام من يخدمه ويموت في سبيله.
أما عن إسبانيا التي أعيش فيها، إحدى دول الاتحاد الأوروبي الديمقراطية الحداثية المتقدمة، فإن عمليات الإرهاب الإعلامي وكبح الحريات والرأي الآخر والهيمنة التامة على إعادة تشكيل العقل والتفكير الجماعي للشعب، صارت من الوضوح والفضيحة بمكان لا يمكن معهما لإنسان شريف أن يسكت عليها: القنوات الفضائية الست الرئيسة، ومنذ تسلم حزب الشعب حكم البلاد بأغلبية كبرى، مشغولة ليلًا ونهارًا في برامج الجنس ونشر الدعارة، والاهتمام فقط بأخبار الساقطين والساقطات من نجوم المجتمع القذر الذي يسمى بالمخملي، ولا تكاد تجد في هذه القنوات مجتمعة برنامجًا حواريًا واحدًا سياسيًا أو ثقافيًا، حتى نسي الناس أسماء المثقفين والكتاب والشعراء الإسبان الذين ازدهر وجودهم وإنتاجهم أيام الحكم الاشتراكي إلى درجة صارت فيها الثقافة همًا وطنيًّا وقوميًّا، إلا أن العهد «الأثناري - البوشي» الجديد، كما يدعوه النخبة من المفكرين وصناع الرأي من الإسبان جاء لإسبانيا بثقافة القمامة الإعلامية، التي لا هدف من ورائها إلا شغل الجمهور عن القضايا السياسية الكبرى التي تحاك من أمام الستار، وليس من خلف الستار كما كان الحال من قبل!.
قضايا على غاية من الخطورة، كغزو العراق ومحاسبة كل من رئيس الحكومة أثنار ووزيرة خارجيته على الكم الهائل من الكذب والمداهنة، واعتقال مجموعات من الشباب العرب المقيمين في إسبانيا والحاصلين على الجنسية والزج بهم في السجون دون محاكمات ولا تهم، ومن ثم الإفراج عنهم بكفالات مادية كبيرة، والإعلان في الصحف الرئيسة بعد ذلك وفي خبر جانبي هامشي عن براءتهم، سقوط طائرة عسكرية، ومقتل أكثر من ستين عسكريًّا إسبانيا أثناء عودتهم من مهمة لحفظ السلام، تسمية خلف الرئيس الحكومة وشغل البلاد والعباد خلال أكثر من عام في حل هذا اللغز الأثناري المدهش!، تنامي الأعداد الهائلة للمهاجرين من البلاد وفي زمن قياسي ومن جنسيات خاصة مواطني دول جنوب أمريكا اللاتينية، وتنامي نسبة الجريمة المرتبطة بهؤلاء لدرجة مذهلة، غرق ناقلات نفط على شواطئ مقاطعة غاليتيا الشمالية، متسببة في القضاء شبه التام على البيئة في تلك الشواطئ، ومع خراب البيئة خراب اقتصاد المقاطعة، وتعطل عشرات الآلاف من الصيادين عن العمل وجلب الرزق، قضايا كهذه على علاقة وثيقة بأداء الحكومة الديمقراطية، قضايا مثل هذه لا يكاد أحد يتطرق لذكرها في القنوات التلفزيونية إلا في البرامج الإخبارية الصباحية التي لا يكاد يتابعها إلا المختصون على درجة عالية في السياسة والصحافة والاعلام، ولا تتم معالجتها كما يجب في دولة تدّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان.
الصحف الإسبانية لا تتمتع بالقدر اللازم من الحرية ولا من الديمقراطية، فهي تابعة رأسًا للأحزاب التي تمتلكها وهي تنطق باسمها، ويستحيل على المشتغل في الصحافة الذي يريد الاطلاع على مسألة ما أن يلم بالمسألة دون الرجوع إلى ثلاث من هذه الصحف على الأقل ليجد في كل منها رأيًا مخالفًا تمامًا لما تقوله الصحيفة الأخرى، وأما البرامج الإذاعية فهي على حال الصحف من الابتعاد عن النزاهة في نقل الخبر وتحليله، وقد سمعنا أيام الإعداد لغزو العراق العجب العجاب من الكذب والتناقض بين الإذاعات الإسبانية الموالية للحكومة والمناهضة لها، وقد استخدمت حرب العراق كسلاح ماض في هذه المعركة بين اليمين واليسار الإسبانيين اللذين جانب - كلاهما - الحق والنزاهة والصدق في سبيل الوصول إلى مكاسب سياسية، وخاصة الحزب الحاكم الذي بدا لي وكأنه لا يختلف في شيء عن الأحزاب الحاكمة في بعض بلادنا، ولولا وعد انتخابي سبق على لسان رئيس الحكومة الإسبانية بعدم الاستمرار في الحكم لأكثر من ثمانية أعوام لحكم «أثنار» إلى الأبد هو وأولاده وأحفاده وصهره، ذلك أنني لا أستبعد أن يكون صهره رئيسًا للحكومة ذات يوم وهو الحائز على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وأحد أبرز قيادات الحزب الحاكم، وإن اضطر يوم زفافه إلى الاستقالة من مناصبه هذه حسب التوصيات الدستورية.
إسبانيا في عهد الحكم الأثناري - البوشي انتقلت وبحركة قليلة الدهاء لتصبح دولة شبه فاشية تستخدم حكومتها الإعلام كوسيلة ماضية للسيطرة على الجماهير التي تم تغييبها بشكل لم يسبق له مثيل عن الحضور في الساحات السياسية والإعلامية الديمقراطية الإسبانية في عهد الحروب «العادلة المنصفة الشريفة»، ومنها على سبيل المثال الحرب على العراق أصيبت بمقتل، في زمن لم يعد فيه من معنى الكلمة ديمقراطية اللهم إلا إسكات الرأي الآخر وتغييبه واعتصام الحاكم بحماية القوة العظمى الأحادية له، والضرب عرض الحائط برأي الجمهور وإرادته.
البرنامج الإعلامي التلفازي الوحيد الذي يبث يوميًّا نصف ساعة من الحوارات السياسية في ساعات الاستماع والمشاهدة القصوى - وهي ساعة تناول طعام الغداء - لا يمكن أن يمر يوم عليه إلا بوجود شخصية صهيونية أو يهودية، بل إن هناك موظفين ثابتين من مدّعي الثقافة والإعلام من اليهود وبعضهم مستشار لدى السفير الإسرائيلي في مدريد، من الذين يتولون إعادة صياغة الرأي العام الإسباني ضد العرب والإسلام والمسلمين يومًا فيوما، والذين - والحق يقال - هم أقل عداوة للعرب والاسلام والمسلمين من بعض كتاب بعض الصحف العربية من الحداثيين المطبلين المزمرين لفرض الديمقراطية الغربية ولو بالدبابات الإسرائيلية أو الأمريكية!. لم يستقدم هذا البرنامج قط مثقفًا عربيًا واحدًا للدفاع عن فكرة واحدة تخدم الحق العربي، وإن كان معظم الكتاب والإعلاميين والمثقفين الإسبان الذين يحضرون الحوارات يحسبون دائمًا -رغم أنف وسائل الإعلام الإسبانية -من مؤيدي الحق الفلسطيني دون قيد أو شرط وهي حالة غالبة في إسبانيا لم تستطع كل القوى الصهيونية مجتمعة تغييرها.
التغيرات الهائلة في طبيعة الديمقراطية الإسبانية وفهم أبعادها ودورها ووسائلها، لم تؤثر على الشرفاء حتى من الإسبان، وإن كانت قد أثرت على غير الشرفاء من أبناء جلدتنا، فالأصوات تتعالى في كل مكان الحماية الديمقراطية التي اغتصبت من قبل مجموعات اقتصادية هائلة من خارج البلاد استطاعت شراء قنوات تلفزيونية وصحف بأكملها تدير من خلالها الرأي العام في ظل حكم الحزب الواحد بالأغلبية المطلقة التي أصبحت تساوي هاهنا حكم الفرد في البلاد العربية.
لقد ظهرت أنياب الديمقراطية التي تحمي نفسها بنص دساتير بدت عاجزة عن حماية الناس من دكتاتورية الديمقراطيات الغربية التي لا يمكن تسميتها اليوم إلا بالفاشية وخاصة في إسبانيا وإيطاليا، حيث يمكن شراء كل شيء وبيع كل شيء.
المؤلم بالنسبة للمقيم في هذه البلاد هو ما يجري فعلًا في بلادنا من قهر واستعباد واستيطان واحتلال، أو تمثيل وتهريج وكذب وانسلاخ عن هذه الأمة. كل ذلك باسم الرغبة في نشر الديمقراطية! أيها القوم إنها أسطوانة مشروخة هذه التي تدندن بها أمريكا تارة وطابورها العاشر في أجهزة إعلامنا وصحافتنا تارة أخرى بينما يتم إغلاق كل مركز للحوار وإخراس كل صوت مخالف وتوجيه صاروخ إلى كل صدر يتنفس حرية وعزة وكرامة، إنها أغنية قديمة هذه التي تتحدث عن الحب في زمن الكراهية، وعن الحداثة في زمن الغزو والحرب، وعن تحرير العراق في زمن امتصاص الخيرات والثروات واقتسام القصعات، وتتحدث عن الديمقراطية في زمن الأنياب المكشرة في الغرب والشرق والتي تستخدم حتى أقدس الكلمات والشعارات للقضاء على أمن العالم وقدرة الشعوب على التعايش والإخاء.