; نفحات رمضان ونسمات القدر وبركات البيت .. ولكن! | مجلة المجتمع

العنوان نفحات رمضان ونسمات القدر وبركات البيت .. ولكن!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003

مشاهدات 52

نشر في العدد 1578

نشر في الصفحة 47

السبت 22-نوفمبر-2003

 

يأتي رمضان الذي يتعشقه العباد، ويترقبه بغاة الخير، فينزل بردًا على القلوب وسلامًا على النفوس وهدوءً على الضمائر، وسعادة للروح وبهجة للحياة، يستقبله الناس بالأفراح والأهازيج، والأذكار والتراتيل بعفوية فيها جلال الإيمان وعمق العادة وطبيعة الخير، وسجية المؤمن

يأتي رمضان، فيذكر المسلم بزيادة الأجر ومضاعفة الثواب وشرف الأيام والليالي، وينبه إلى فضل الله وعطائه العميم، ومنحه ورزقه الكريم، لينهل ويتزود ويتضلع من الخير والزاد والبركة يأتي رمضان يظله القرآن وترفرف عليه الهداية، وتعلوه نسائم المغفرة وأجواء التوبة فينهل منه الجميع، العالم النحرير، بما يوحيه القرآن ويعلمه التنزيل، ويمليه الفرقان والعاصي بما يناله من مغفرة الذنوب، وتوبة من الخطايا ورجوع إلى الطريق المستقيم.

كما يأتي رمضان بذكريات الخير وبشريات النصر والفتح، فتطل علينا "بدر" بعظمتها وعظمة رجالها، وفتح مكة بهالتها وبطولاتها وخضوعها واستسلامها، وهتافها ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81) هذه الأجواء العظيمة يجب أن تنتج العظماء، وهذه الروحانيات الكبيرة ينبغي أن تهيئ النفوس الكبار، ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فرمضان بروحانياته ودفعاته الإيمانية لم يستطع كثير من المؤمنين بأثقالهم وأوزارهم الاستفادة منها، أو الارتفاع إلى مستواه، فمن الناس من أحاطت به ظروف جعلت عبء الحياة عليه شديد الوطأة فتاه تحت كلكلها، ومنهم من أحاطت به أحمال جعلته يحمل عليه سواه، فهو في كفاح دائم ونضال مستمر وعمل لا ينقطع، وكذلك الأمم في حياتها تتقلب بها الحادثات وتنتابها عوامل الاجتماع، فهي أحيانًا وادعة مستسلمة، وأحيانًا كادحة مجاهدة، وإنما يحمل عبء الجهاد فيها أصحاب الدعوات الخالصة والمبادئ السليمة، ورجال الإصلاح والعزائم، الذين آمنوا بوجوب العمل، واعتقدوا ضرورة الحاجة إلى إيقاظ هؤلاء النفر اللاهين والنائمين من أبناء الأمة ودعاة الحق والإصلاح وأصحاب النفوس الكبيرة لابد أن يجاهدوا ولابد أن يعرفوا أن الكفاح قدرهم فيستعدوا لكفاح طويل لا نهاية له، فإن حاجات الأمم أطول من أعمارها مهما طالت وعليهم ألا يقصروا أو ينوأ في أداء المهمة العظيمة التي كان من حظهم أن يحملوا عبئها وينتدبوا للقيام بها.

وهم إذا فعلوا ذلك فقد أعد الله لهم أعظم الأجر لقاء جهدهم الدائب، وهم إذا حرموا أنفسهم لذائذ الدنيا الفانية في حياتهم القصيرة، فقد أعد الله لهم في خلد جنته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإن سمت أنفسهم عن الزائل وجاهدوا في الله حق جهاده، رأوا في لذة العمل الصالح وفي سعادة النجاح وسادة المجتمع ثواب عملهم وجهادهم في الدنيا قبل الآخرة، وفي الحياة الفانية قبل الباقية ولن يضيع الله ذلك الأجر، بل سيضاعفه وشتان بين ثواب الله ورضاه، وبين ما يفني ويزول، بين لذة الحياة الدنيا، ولذة الآخرة ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة: 38)، «ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (رواه البخاري)

فإذا أبوا إلا القعود واستسلموا للضعف، وسلموا الراية وخانوا الأمانة، فهناك العذاب الأليم والجزاء الوفاق في الدنيا قبل الآخرة.

 ولن يدع الله إن شاء الله الراية بغير حملة، ولن يترك إسلامه ودعوته بغير أنصار، بل يدیل الله منهم ويستبدل قومًا غيرهم، ويكون إثم المقصرين القاعدين الذين كرهوا العمل وسلموا الكفاح على أنفسهم، والضرر حائق بهم أو لا ﴿يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر:٤٣).

 وعلى المجاهدين أن يعلموا أن شرف العمل عظيم وفضله كبير من حيث اختارهم الله لحمل الأمانة ونصرة دعوته، ولو لم يكن من الثواب إلا هذا التكريم لكان فيه الكفاية والغناء، فإن الله لا يختار لهذا الشرف إلا من أحبهم، وماذا يرجو مؤمن بعد أن يكون لربه حبيبًا ومن رسوله قريبًا، فيشكر الله على هذه المنة، ولا يرى لنفسه فضلًا في شيء ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: 17)

 وبعد: فهل هناك اليوم عذر للقاعد عن العمل للإسلام وأمته، أو متقاعس عن الدفاع عن بيضته، أو مفرط في دينه وعقيدته؟ بعد هذه الحوادث الجسام التي تعيشها الأمة وتكاد تستأصل شأفتها وتمحو عزتها! إنه من المفروض والمؤكد على كل مؤمن اليوم أن يضع نفسه تحت تصرف أمته، دفاعًا على عقيدته التي أمن بها، يذود عنها ويعمل لها، ويجاهد في سبيلها بنفسه وماله، ولا عذر لأحد في ذلك.

قرأ أبو طلحة رضوان الله عليه سورة براءة فأتي على هذه الآية: ﴿ انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 41)، فقال: أرى ربنا قد استنفرنا شيوخًا وشبانًا، جهزوني يا بني، فقال: بنوه يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبي وركب البحر ومات مجاهدًا في سبيل الله.

وشهد أبو أيوب الانصاري مع رسول الله ﷺ بدرًا ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا عامًا واحدًا، قال ابن سيرين: وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: ﴿ انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا، ومازال رضي الله عنه المجاهد القوي، والجندي الفتي، حتى مات ابن يثرب ربيب الصحراء شهيدًا على أسوار القسطنطينية، ونام شهيدًا سعيدًا قرير العين هادئ النفس على ضفاف البسفور... هؤلاء هم رجال رمضان ورجال القرآن الذين استفادوا الكثير من هذه النفحات العلوية، وهذه الأجواء الإيمانية فعاشوا كرامًا، فهل نفقه الدروس والعبر؟.. نسأل الله.

الرابط المختصر :