العنوان نقاش على جدار الدعوة- عقبات التحول إلى الجماهيرية «2 من 2»
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
مشاهدات 66
نشر في العدد 1223
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
إن انطلاقة الحركة الإسلامية واتساع مداها جاءت لتحقق الفهم الإسلامي الصحيح، والتكيف الواقعي مع جماهير الصحوة العريضة، لكن ذلك لم يترك على سجيته، فما إن خرجت الحركة الإسلامية من أجواء الملاحقات والعمل الضيق السري في بعض الأحيان لدواع أمنية، إلا أن عادت للملاحقات المتتالية، وذلك بعد أن أثبتت قدرة هائلة على استيعاب الشارع والتحول السريع إلى الجماهير العريضة، من هنا إذا أردنا أن نتكلم عن المعوقات والعقبات للتحول إلى الجماهيرية، لا بد من شرح جملة أمور بموقف النظام؛ إذ تسعى السلطة في بعض الدول للوقوف في وجه الحركات الإسلامية لتحول دون امتدادها، وهي تستعمل أساليب قمعية أكثر ديمقراطية من السابق، وتتجلى هذه الأساليب: بقمع الحريات، وفرض قانون الطوارئ مع الحركات التي تعمل سلميًّا داخل إطار النظام السياسي الحاكم، والمواجهة العسكرية، والتصفية الجسدية للحركات التي تحولت للعمل العسكري؛ نتيجة لأي ظرف، وبذلك يُستبعد التيار الإسلامي الفاعل في مجرى الأحداث، ويُدفع بأبنائه إلى الانزواء اتقاء لشر السلطة، وهذا ما يؤدي إلى الابتعاد عن الجماهير، والاكتفاء بالنخب التي غالبًا ما تهتم بالحقل السياسي والعمل العام، إضافة إلى المثقفين من أساتذة وطلاب جامعات، وتتجلى مظاهر الحرمان السياسي لإبعاد الحركة عن الجماهير في منعها من خوض الانتخابات النيابية نتيجة تهديد أفرادها، وكذلك إجهاض نشاطها الانتخابي إذا ما سُمح لها بدخول هذا المعترك عن طريق شل ماكينتها الانتخابية، واعتقال الناشطين والمرشحين، فضلًا عن عمليات التزوير، التي قد تلازم الانتخابات البرلمانية في بعض الدول الإسلامية للأسف الشديد.
أما لهجة الحرمان من ممارسة الحركة للدور الاجتماعي، فالأمر ماض على قدم وساق، بهدف قطع صلة الحركة بالجماهير، فالدولة تلجأ إلى حصر العمل الاجتماعي العام بها أيضًا، أو تحت غطائها، وبذلك تحرم الحركة من المتنفس الاجتماعي الذي يجعلها تتلاحم مع كافة شرائح المجتمع، والنظام الذي يعمد إلى هذه الأساليب يحتاج إلى تأييد كبير في مواقفه غير المبررة هذه؛ لذلك فهو يلجأ لدعم المعادين للحركة الإسلامية – العلمانيين-، وتتبنى طروحاتهم وتروج لهم في حملة فكرية واسعة؛ لتحطيم صورة ودور الحركة الإسلامية على الصعيد العام، وتجند لذلك وسائل الإعلام المختلفة، هذا عائق، وهناك الكثير من المعوقات والعقبات على الصعيدين السياسي والاجتماعي موجودة ومطردة.
لكن في المقابل هناك خيارات عدة أمام الحركة الإسلامية لتوازن بين أهدافها والمضايقات، التي تحول دون ذلك، فالخروج الجزئي من إطار العقبات تلك، والإبقاء على الاتصال بالجماهير، يتحدد من خلال القدرة على تأمين البدائل من وسائل إعلام خاصة، وتنشيط الطرح الفكري والسياسي العام في كافة المنتديات بأسلوب واضح ومبسط ليعبر إلى كافة الجماهير، ولكن لا يبقى في إطار المناقشات والمداولات النخبوية والثقافية، والتأكيد على وجود المشاركة الشعبية، وفتح علاقات جديدة مع كل الأطراف الداعية لمزيد من العمل السياسي الحر والمصلحة الجماهيرية العامة، على أن يرتبط ذلك بتطوير مناهج التربية في المؤسسات الإسلامية - السياسية والتربوية - لمزيد من الانفتاح وتقبل الحوار، والخوض في غمار العمل الاجتماعي والسياسي لمزيد من التلاحم الشعبي، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ (الرعد: ١١).
أما مظاهر الفرقة والخلاف بين المجموعات الإسلامية، وإن كانت تشكل عقبة نحو التحول إلى الجماهيرية؛ بسبب تشتت القوى والمؤيدين، إلا أن حقيقة هذه الظاهرة -المرتبطة عمقًا برغبة بعض الأنظمة - ستضعف مع سعة الاحتكاك بالجماهير، والخروج من صفة النخبوية المتحجرة الضيقة، التي تؤذي المشروع الإسلامي إذا لم تتحول إلى قاعدة متينة داعمة للعمل الجماهيري مؤسسة له.
إن إشراك الجماهير عمليًّا، يضيف إلى رصيد المشروع الإسلامي إمكانيات هائلة، ومعها يتحول المشروع الإسلامي من هم النخبة إلى همّ الجمهور، فالعمل التنظيمي الحركي خطوة متقدمة إلى الأمام على طريق تجميع الجهود على ألا يضيق هذا التنظيم وتلك الحركة بالجمهور، بل يتسعان له ليتسع مداهمًا وتأثيرهما في التحول الإسلامي المنشود.