; نقاط.. الديمقراطية تأكل نفسها | مجلة المجتمع

العنوان نقاط.. الديمقراطية تأكل نفسها

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1388

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 15-فبراير-2000

الأزمة القائمة في النمسا.. ليست أزمة داخلية أو أوروبية فحسب، بقدر ما هي أزمة النظام الديمقراطي الذي ارتضى هؤلاء الاحتكام إليه، ثم فوجئوا بأن معاييره قد أفرزت لهم ما لا يتفق مع هواهم.

في النمسا فاز حزب الحرية اليميني بعدد 52 مقعدًا من مقاعد البرلمان في الانتخابات العامة الأخيرة من مقاعد البرلمان البالغ عددها 183 مقعدًا، وبنسبة تقارب 30% من الأصوات، وجاء في المرتبة الثانية بعد حزب الشعب، الأمر الذي مكنه من دخول الحكومة الحالية واحتلال نصف مقاعدها.

حزب الحرية فاز في انتخابات حرة ونزيهة وفق المعايير الديمقراطية المعتمدة.. لكن أهواء الناس هي - على ما يبدو - التي لم تكن ديمقراطية.. فهؤلاء قد اختاروا حزبًا تعتبره أوروبا خارج النسق، ولذلك جاءت ردود الأفعال تجاهه قوية للغاية، وسريعة جدًا بشكل يثير الدهشة، ويدعو للتساؤل: كيف يمكن أن يتخذ قرار «إعلان الحرب» على النمسا وعزلها أوروبيًا وعالميًا بهذه السرعة، فيما كانت القرارات الخاصة بالبوسنة، وكوسوفا فيما مضى.. والشيشان في الوقت الراهن تحتاج إلى شهور وربما سنوات، تُعقد خلالها عشرات الجلسات على مختلف المستويات، بما في ذلك القمم التي تجمع كبار المسؤولين تحت اسم التشاور وتبرير التأخر في اتخاذ القرار بأن القضايا الدولية معقدة ولا يمكن حسمها بسرعة، أما قرار مواجهة النمسا، ومثله قرار التدخل في تيمور الشرقية، وقرارات فرض العقوبات على إيران، وليبيا، والسودان، وغيرها مما يمس المسلمين خاصة فإنها تتم بأسرع من البرق؟!

النمسا دولة داخلية «ليست لها شواطئ على البحار» تقع في «قلب» أوروبا، ومشكلتها الأخيرة تعني أن النظام الديمقراطي الأوروبي قد أصيب بأزمة «قلبية» حادة، وقد لا تكون المشكلة كبيرة اليوم، حيث إن حزب الحرية لا يحكم وحده، ولكنها قد تزداد غدًا إذا استطاع الحزب تحقيق نسبة أعلى من الأصوات في الانتخابات المقبلة تمكنه من الحكم بمفرده ليطبق سياسات يراها الغرب نازية، خاصة أن هايدر - رئيس الحزب - قد أبدى فيما مضى إعجابه بالزعيم النازي أدولف هتلر.

لماذا نقول إن الديمقراطية الغربية في أزمة؟

لقد اعتاد الغرب أن يصدّر مشكلاته للدولة الضعيفة، وأن يحل مشكلاته على حسابها، وأن يتحكم في مصائر دول أخرى، ولم يعتد منذ انكسرت موجات الفتح الإسلامي منذ قرون أن يواجه الخطر الخارجي في عقر داره، حتى الحربين العالميتين اندلعتا من داخل أوروبا ولم تأتيا من الخارج.

موجة الاستعمار الغربي وبخاصة الإنجليزي والفرنسي والتي شملت معظم بلدان آسيا وإفريقيا كانت تحت سمع المجالس النيابية المنتخبة وبصرها، وبإقرارها وموافقتها.. الثروات المنهوبة من البلدان المحتلة دخلت أوروبا تحت علم الديمقراطية دون اعتراض.. واليوم فإن العولمة وسيادة الشركات المتعدية الجنسية.. وحرية التجارة، وتصدير النفايات السامة للبلدان الفقيرة.. والحروب بالوكالة.. واستخدام شعوب العالم الثالث فئران تجارب لشركات الأوبئة ولمصانع السلاح يتم أيضًا تحت سمع الديمقراطيات الغربية وبصرها دون اعتراض.

الانقلابات العسكرية.. ومؤامرات الاغتيال، وحتى إجهاض التجارب الديمقراطية الناشئة في العالم الثالث، كما حدث في الجزائر.. ذلك كله تم تحت سمع الديمقراطيات الغربية وبصرها.. ولا بأس عندها في ذلك طالما أن الأمور كانت بعيدة عن أرضها.. لقد أكلت الديمقراطية الآخرين واستمتعت بذلك وسمنت وتقوْت، ولم تكن تتوقع أن تعود لتواجه مشكلة في جسدها.. بل في قلبها.

لقد أرادوا للديمقراطية الغربية، مبادؤها وأساليبها أن تسود العالم، وأن تكون مرجعية عالمية، بها يُعرف الصواب من الخطأ، وإليها يتم الاحتكام.. فكيف يمكن تسويق تلك السياسات فيما الديمقراطية الغربية تعيش أزمة في داخلها؟!

حزب الحرية النمساوي.. حزب عنصري يعادي الأجانب والمهاجرين.. وكثير من هؤلاء من المسلمين الذين اضطرتهم كوارث بلدانهم السياسية والاقتصادية إلى الهجرة.. وهو يستمد زخمه الشعبي من إثارة المخاوف من وجود هؤلاء الغرباء وتأثيرهم على الجنس النمساوي «الخالص».. ومن هنا فليس واردًا التعاطف معه ولا مع أفكاره.

لكن هذا الحزب نشأ في رحم الديمقراطية الغربية، وكبر تحت لوائها، وهي المسؤولة عن وجوده، ولنر كيف تأكل الديمقراطية الغربية نفسها بعد أن أكلت الآخرين.

الرابط المختصر :