; نقاط: باراك يغني بالعربية | مجلة المجتمع

العنوان نقاط: باراك يغني بالعربية

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

مشاهدات 68

نشر في العدد 1371

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

قدم د. أسامة الباز - مستشار الرئيس المصري للشؤون السياسية - ثلاثة أشرطة كاسيت تتضمن أغاني لأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ هدية إلى رئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك، وقالت جريدة "الشرق الأوسط" إنه من المعروف أن باراك يهوى الأغاني العربية، وسبق له أن غنى أغنية عبد الحليم حافظ "باحلم بيك" على الهواء على شاشة التلفاز الإسرائيلية.

وتخيلت أن أحد أجهزة التحقيقات الإسرائيلية استدعى باراك لمساءلته عن ميوله العربية، وجاء في لائحة الاتهام: 

"السيد رئيس الوزراء... إن ميولك العربية تشكل تهديدًا لأمن دولة إسرائيل، وإعجابك بأشهر المغنين العرب، وأنت المسؤول الأول في دولتنا العبرية، يسهم في اختراق الثقافة العربية للمجتمع اليهودي."

ثم إن هؤلاء المغنين بالذات من أعداء السامية... أنسيت يوم غنى عبد الحليم حافظ "يا أهلًا بالمعارك"، وقال: "ملايين الشعب... تدق الكعب تقول كلنا جاهزين لقد كان يحرض ملايين العرب على التجهز لقتالنا وحربنا، أنسيت أنه كان يريد تدمير إسرائيل."

وهذه أم كلثوم... وهي المرأة التي وقفت تغني، "أصبح عندي الآن بندقية... أصبحت في قائمة الثوار."

أما فريد الأطرش، فهو وإن لم يؤثر عنه أنه غنى أغاني وطنية، إلا أنه شارك في أوبريت "المارد العربي" الذي قالوا فيه: "يا فلسطين... يا شعب مجاهد... جيشك راجع بالملايين"، وقالوا أيضًا: "زي ما حررنا الجزائر... مش حنسيبك يا فلسطين.

أترى يا سيد باراك كيف أنك اتبعت هواك وتخليت عن مسؤولياتك الوطنية وفتحت قلبك لأعداء إسرائيل؟

كان باراك يستمع إلى لائحة الاتهام وهو يبتسم ابتسامته الصفراء المعهودة ويهز ساقيه تارة أو يدق كعب إحدى قدميه في الأرض متعجلًا الرد.

وحين أتيحت له الفرصة أخيرًا للحديث انطلق يقول: "أيها السادة.. تعلمون أنني من أكثر أبناء إسرائيل إخلاصًا لشعب إسرائيل.. وقد خدمت في جيش الدفاع قرابة ثلاثين عامًا، كنت فيها مثال الجندي المخلص لشعبه وأرضه، وخاطرت بحياتي في بيروت وعنتيبي لأخلص إسرائيل من بعض الأصوات الفلسطينية المزعجة، وقتلت من الأسرى المصريين على أرض سيناء أضعاف ما قتل أي جندي آخر في جيش الدفاع. وقد كوفئت على ذلك بأرفع الأوسمة والنياشين حتى لم يعد فوق صدري مكان للمزيد.

وهذه مقدمة مهمة لتعرفوا أو على الأحرى لتتذكروا من أنا.. وما موقفي من الأغيار.

أما بخصوص المغنيين والمطربين العرب، ومن ذكرتم منهم على وجه الخصوص، فإن لي وجهة نظر سوف أعرضها لكم.

تعلمون أننا في عالم تتعدد فيه أسلحة الحروب والمعارك، وليس شرطًا. وأنا الخبير العسكري - أن تكون الدبابات والمدافع أو الطائرات والصواريخ أمضى الأسلحة، فهناك سلاح الكلمة بمعناها الإيجابي أو السلبي، فالكلمة إما أن توضح المبادئ وتكشف الحقائق وتدعو للعمل، وإما أن تدلس على الأفهام وتزيف الحقائق وتدعو للدعة والراحة. وقد كنا في أول نشأة دولتنا ضعافًا محاصرين، فيما أعداؤنا من الشعوب العربية يرغبون في الثأر لهزيمتهم في حرب الاستقلال. وقد قيض لنا رب يهود هؤلاء المغنين والمطربين الذين شغلوهم بأغاني العشق والغرام، وشاركوا مع عدد من قيادات العرب في ذلك الزمان في سحبهم من أرض الواقع ليسبحوا في الأوهام، فلم يستيقظوا إلا على هزيمتهم النكراء في حرب الأيام السنة التي مكنتنا من استعادة أورشليم والصلاة عند حائط المبكى والاستعداد لهدم مسجدهم، وإقامة الهيكل الثالث على جبل الهيكل.

تخيلوا كم من ملايين الساعات ضيعها العرب في الاستماع للأغاني العاطفية لأم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش، ليلًا ونهارًا، وأثر تلك الأغاني في تثبيط الهمم وثني العزائم. وماذا لو أن تلك الطاقات كانت قد وُجِّهت للإنتاج والاستعداد لملاقاتنا. أما تلك الأغاني التي يُسَمَّونها بالوطنية، فلم يكن لها أثر يذكر وسط هذا الخضم الزاخر من الأغاني العاطفية.

وإذا كنتم قد ذكرتم بعض الأمثلة العدائية لإسرائيل، فإنني أستطيع أن أذكر لكم العشرات من كلمات الأغاني التي تضعف عزيمة العرب، بل تناقض عقيدتهم، الم يغنوا مع أم كلثوم لا تقل شئنا فإن الحظ شاء، ومع عبد الحليم قدر أحمق الخطى، ومع فريد: جئت با يوم مولدي جنت يا أيها الشقي.

لقد أدى هؤلاء خدمة عظمى لشعب إسرائيل، ولولا أن يكون لذلك أثر عكسي عند الشعوب العربية يجعلها تتنبه لما هي فيه. لمنحت أسماء هؤلاء المغنين العرب، ومن يسير على طريقتهم أرفع وسام في دولة بني صهيون.

نطق باراك بالجملة الأخيرة بحزم واضح. ثم صمت.. وأخذ يجيل ناظريه فيمن حوله، وقد ران الصمت على الحضور.

وبعد مداولة قصيرة، قرر جهاز التحقيق الإسرائيلي توجيه الشكر لرئيس الوزراء إيهود باراك.

الرابط المختصر :