العنوان نقوش على جدار الدعوة.. استمرارية الدعوة في الخارج والداخل (۲) التفاعل
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
مشاهدات 79
نشر في العدد 1265
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
التفاعل: هو الإيجابية، هو الحركة الناشطة مؤيدة كانت أم معارضة في سبيل الحق ومن أجله، هو التخلي عن السلبية تجاه المؤثرات في الحركة الإسلامية وفي كل حركة، وهو التخلي عن السبات العميق في دنيا الأحلام المنتشية، أو الأوهام المتفشية.
إنه الحيوية التي تجعل الأفكار متجددة وثابة، والمشاعر دفاقة غزيرة، والحركة قوية مؤثرة.
إنه اليقظة التي تجعل صاحبها ناميًا، والمجتمع متعافيًا موارًا بالحياة، تتدافع فيه أو تتلاحق أمواجها، لتدفن السلبية في حواشيها وترسيها في قاع اليم فلا تطفو على السطح ولا تعيق السفن السائرة، أو الأشرعة العابرة.
التفاعل تجاوب مع صيحات الآخرين يشعرهم أنهم يعيشون بين الأحياء لا بين المقابر، ويعملون من أجل النماء لا من أجل الفناء، ويبنون للمستقبل وكلهم ثقة أن بناءهم له أسسه المركوزة في الوجدان قبل أن تركز في الطين والرمال.
هذا التجاوب ما لم يحدث يكون المنادي ذا صيحة في واد تضيع من فمه بعد حين الأصوات دون أن يجد لها صدى في أرض الواقع، فيتوقف عن دعوته، وربما انحرف عن وجهته لأنه لم يجد سامعين واعين متجاوبين معه مؤيدين له في فكرته، أو معارضين له في طرحه وتنظيراته.
ولهذا التفاعل دوافع عديدة منها:
معايشة الواقع الذي يعيشه الناس ومحاولة التأثير فيه بالدعوة والفكرة، والسلوك والحركة، لأن هذا الواقع هو ما يراه الناس أمامهم، ويتصرفون في ضوء ما يشيع فيه من أعمال أو أفكار أو تصورات.
ومن الخطأ وسوء الرأي أن نترك هذا الواقع لنحلق في الأحلام الآتية أو نتعلق بالأمجاد الماضية، والواجب أن نرسم الطريق إلى المستقبل مستفيدين من أمجاد الماضي لتحقيق آمالنا في الواقع مع الهيمنة على هذا الواقع المعاش وتوجيهه الوجهة الصائبة التي تجعل الناس يتفاعلون معه ويتجاوبون.
ومنها- كذلك- محاولة اكتساب الآخرين بإعطائهم حقهم من التقدير وعدم بخسهم أشياءهم أو أفكارهم أو فهمهم للحياة والأحياء، حتى وإن أخطأوا فإن واجبنا تصحيح الأخطاء دون تعنيف، وإلا فإنهم سيظلون في أماكنهم قابعين، وبصمتهم تجاه من حولهم لائذين غير ناطقين، خوفًا من خطأ قد يقع، وتقريع قد ينجم عنه، ولماذا ينالون التقريع وهم يعملون؟ وغيرهم لا يعمل فلا يصاب بتقريع أو توبيخ، ولا يحكم عليه بخطأ أو صواب.
إن احترام آراء الآخرين، وإن خالفت رأينا، والأخذ بها إن كانت صوابًا يتحقق من ورائها خير، وتخلي الكبار عن آرائهم أمام الشباب ليمارسوا دورهم هو أهم العوامل المؤدية إلى تواصل الأجيال والتفاعل التام، ومحاولة بذل المزيد من الجهد لترقية العمل الدعوي.
ومنها: الثقة بالآخرين، التي تجعل من أصحابها متحملين للمسؤولية، شاعرين بواجبهم نحو الحركة، هذا الواجب الذي يؤدي إلى نوع من القلق المقبول، والخوف على الحركة من كل ما يعترض طريقها، ويثبت أنهم قادرون على حمل المنهج الصحيح وأنهم قادرون على مواجهة التحديات والعقبات التي تقف في طريق الدعوة بأقل قدر ممكن من الخسائر ليتجنبوا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وهم في ذلك مستظلون بظل القرآن والسنة باذلون ما يستطيعون في طريق الدعوة القائم على التضحية والعطاء، وهل يضحي في سبيل المبدأ، ويتمسك بالسير في الطريق من لا ثقة فيه؟
والعاملون للإسلام في بلاد الغرب ما لم يجدوا تفاعلًا من إخوانهم في بلاد الإسلام، وتعاونًا مثمرًا وتوجيهًا غير مرفوض سوف ينقصهم الكثير الذي يوفر عليهم الجهد والحركة ويختصر لهم مسافات من الطريق، إنهم يعملون، وعملهم الدعوي ينبغي أن يلقى تفاعلًا من الآخرين، يوجه حين يقتضي الأمر توجيهًا، ويرشد حين يقتضي إرشادًا، ويتوقف عن هذا وذاك حين يقتضي الأمر حزمًا سريعًا في بعض الأمور التي تحتاج إلى بت سريع في ضوء مستجدات لا يشعر بها العاملون في بلاد الإسلام.
وبالأحرى فالتفاعل ينبغي أن يظل في إطاره المقبول مع اعتبار أن رأي العاملين للإسلام في بلاد الغرب- في إطار عملهم- هو المتقدم على رأي غيرهم بحكم خبرتهم ومعرفتهم بالمستجدات التي تلاحق حياتهم هناك فأهل مكة أدرى بشعابها ويكفي أن نقدم- مخلصين- النصيحة فإن قبلت فذلك فضل الله وإن لم تقبل فهناك أمور ضرورية حتمت عدم قبولها والأخذ بها، وهذا لا يمنع من التواصل والتفاعل والإحساس بقيمة عطاء الآخرين واحتياجهم جميعًا للدعاء والوفاء والتقدير للعاملين في أي أرض وأي بلد، وإن اختلفنا أحيانًا في الرأي معهم، فإن هذا لا يفسد للود قضية.