العنوان نقوش على جدار الدعوة.. الأضحية والتضحية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1295
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 07-أبريل-1998
في يوم الحج الأكبر- يوم النحر- يمارس الحجاج شعائر الحج التي جعل الله تعظيمها إحدى أمارات تقوى القلوب: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ (الحَج: 32)، فيرمون جمرة العقبة وينحرون البدن أو يذبحون الهدي، ويحلقون أو يقصرون ثم يطوفون ضارعين متبتلين داعين الله أن يقبل منهم وأن يعفو عنهم: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البَقَرَةِ: 127)، ومن وراء هؤلاء الحجيج ملايين المسلمين في كل أرض تهفو أفئدتهم إلى البيت العقيق وتود أن لو كانت مع الحجيج، وربما نوى الكثيرون أن يكونوا من بين الحاجين في العام القادم إن شاء الله لهم ذلك ويسره، وهؤلاء وإن كانوا لم يمارسوا شيئًا من شعائر الحج! إلا أنهم يقومون بذبح الأضاحي: تشبهًا بمن ذبحوا الهدي، وتحقيقًا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فينال الفقراء والأصدقاء والأقارب من لحومها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فتطيب بها نفوس المضحين، ونفوس المحتاجين، فتعم الفرحة ديار المسلمين، فلا يبقى بينهم -في هذا اليوم- جائع ولا محروم، لأنهم طبقوا سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فصلوا صلاة العيد، ووزعوا لحوم الأضاحي، وأدركوا أنهم على ميراث من إرث أبيهم إبراهيم الذي هم أن يضحي بولده الوحيد اتباعًا لأمر الله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)﴾ (الصافات: 102- 107)، إن أمر الله عظيم يحتاج في تلقينه إلى قوة وعزيمة، وعلى إرادة وتمسك شديد، بالصبر، ونفوس تضحي في سبيل الله بكل غال ونفيس، وحينئذ، بعد أن يعلم الله منها الصدق والعزم، يأتيها عون الله، ويخفف الله عنها، ويحقق ما تقر به العيون من كل ما هو معنوي ومادي.
والأمة المسلمة- اليوم- محتاجة إلى التضحية في كل مجال من مجالات الحياة، ومن كل قادر على التضحية بما يستطيع، لا من أجل علو في الأرض ولا فساد، ولا من أجل استكبار في الأرض ولا من أجل مباهاة الآخرين، ولا غير ذلك مما يدخل في حيز الاهتمام بشؤون الدنيا، ولكن من أجل تنفيذ أوامر الله وفي سبيل مرضاته.
إن الأمة التي يرتبط اسمها الآن بالتخلف والتبلد والجمود محتاجة إلى التضحية لتنفض عن عيونها الكرى، وعن جوارحها الكسل، وعن حواسها الغفلة، وعن فكرها الجمود، حتى تتحرك ملكاتها، ويعمل أعضاؤها، وتستبصر طريقها، وتتيقظ إلى مكانها بحسب ما هو واقع على الأرض، وبحسب ما ينبغي أن يكون في دنيا الناس حيث هي الأمة الوسط الخيرة الأمة التي أخرجها الله للناس الأمة الشاهدة على الآخرين: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البَقَرَةِ: 143)، إن التضحية في هذا العصر، أصبحت واجبة وجوبًا على كل قادر وفي مقدمة المضحين يأتي دور العلماء وأصحاب التفرد وأرباب المال، فالعلماء يضحون بوقتهم لتبصير الأمة بحالها وحثها على النهوض من كبوتها، وتوضيح الأهداف العليا أمامها، وأصحاب الخبرات والتجارب لا يدخرون وسعًا في هذه السبيل، إذ يقومون بتجاربهم في معاملهم ومختبراتهم، ليثبتوا كل صالح ويبينوا كل فاسد، ويكشفوا كل زائف في مجالات الصحة والأغذية والأدوية، والأسلحة والتصنيع، وفي كثير مما يحتاج إليه الناس في دنياه، وكل يبذل جهده، ويعطي ما استطاع، ويدخر ذلك عند الله ليجد أجره الجزيل المضاعف يوم يلقاه.
إن التجرد لله كان السمة المميزة لأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذين رباهم على يده وصنعهم على عينه، فحققوا بالتجرد لله والتضحية، في سبيله ما سوف يظل إلى يوم الدين شاهد صدق على بذلهم وعطائهم الذي غيروا به وجه الأرض المعمورة، فصارت فيها كلمة الله هي العليا، وجاءتهم الدنيا وهي مرغمة، وهابتهم الأمم، وجعلت لهم حسابًا كل حساب قبل أن تفكر في مكر بهم أو اعتداء عليهم.
وأرباب المال من الناس عليهم- كغيرهم من الفئات- أن يضحوا في سبيل الله وحده، بتقديم أموالهم في كل نافع مفيد، يعود على الأمة بالخير حتى يكونوا على أثر السابقين من أمثال عثمان ابن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من المنفقين المتصدقين، الذين جيشوا الجيوش، وأعدوا في السلم والحرب ما استطاعوا من نفقة يرجون أجرها وبرها عند الله.
ولئن اقتصر حديث التضحية على هذه الفئات إلى جانب أصحاب النفوذ والسلطات العامة فلأنهم الأقدر على التضحية، ولأنهم يحملون العبء الأكبر في مسؤولية النهوض بالأمة، ولأنهم الباذلون للتضحية في مكانها بحيث تثمر ثمرتها وتؤتي أكلها، وإلا فإن الناس جميعا مطلوب منهم أن يضحوا بما يستطيعون لأن أحدًا لا يخلو من المسؤولية أمام الله كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وبدلًا من أن تلعن الظلام فليضيء كل واحد منا شمعة وبدلًا من أن تندب حظنا على اللبن المسكوب، فلنعمل على اكتساب غيره، وتنظيف الأرض من أثره.
المسلمون يضحون يوم الحج الأكبر، وهذه شعيرة يؤجرون عليها- إن شاء الله- يوم الدين، وعليهم أن يضحوا من أجل المسجد الأقصى الذي يستصرخهم دون أن يجد مصرخًا، ويستنجد بهم دون أن يجد منجدًا.
المسلمون يضحون- يوم الحج الأكبر- وعليهم أن يضحوا لإطفاء الحرائق الملتهبة في جسم الأمة المسلمة وفي بلاد عديدة، وبعضهم- للأسف- يزكي نيرانها ويسكب عليها مواد الاشتعال لتزداد اتساعًا وامتدادًا.
المسلمون يضحون يوم الحج الأكبر وعليهم أن يضحوا بما يستطيعون ليكسروا حاجز التخلف الذي يفصل بينهم وبين التقدم بعشرات السنين، وعليهم أن يخلعوا عن أجسامهم ثياب الكسل والخمول، ليلبسوا في هذا العيد ثياب النشاط والهمة ومراقبة الله في أعمالهم وأقوالهم وخدمة أمتهم حتى تجد لها في الركب موضعًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل