العنوان نقوش على جدار الدعوة: الخيال والواقعية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997
مشاهدات 92
نشر في العدد 1245
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 08-أبريل-1997
الخيال والواقعية
«لكل مقام مقال» جملة مأثورة في أدبنا العربي، لا تزيد في معناها عن الوصية بواقعية خطاب الناس، ومراعاة حال المخاطبين، وحال المخاطبين، فالشطط في القول والمبالغة في الكلام، والتزيد في الخطاب يجعل صاحبه حالمًا يتمنى، ويجعل الناس يعيشون مخدرين، أسرى الأماني المكذوبة، والآمال الخداعة، والضبابية الغائمة، لأنهم تجاهلوا الواقع، وتعلقوا بالخيال، وحين لا تستند الآمال إلى ركائز من الواقع يدفع الناس لتحقيقها تكون وسيلة من وسائل الخداع الجماهيري، تصرفهم عن واقعهم، ولا تحقق لهم آمالهم ومطامعهم.
وكثيرًا ما وقعت الجماهير العربية أسيرة هذه الآمال المغشوشة التي خدرت الأمة زمنًا غير قليل، لأنها ابتعدت عن الواقعية في الخطاب والواقعية في العمل والممارسة، وأنزلت خيالية الكلام لتحل محل العمل فاكتفت بالشعارات عن الممارسات، وتاريخنا الحديث المليء بمثل ذلك مما لا يحصره إلا المراقب المتفرغ الذي يستهويه الإحصاء، ونحن نكتفي ببعض الأمثلة التي تجاوز فيها المخاطبون الواقعية فضللوا المخاطبين فعاشوا الواقع السقيم بعد انكشاف الزيف وظهور الخداع، ولم يكن يوم أسوأ على الأمة الإسلامية والعربية في العصر الحديث إلا حين استيقظت على الهزيمة المروعة سنة ١٩٦٧م، وامتدت إسرائيل بعدها في سيناء والجولان والضفة الغربية بما في ذلك القدس، كل ذلك يحدث نتيجة الأماني الكاذبة والوعود المضللة من بعض الزعماء العرب، بأن إسرائيل ستلقى في البحر هي ومن وراءها، هكذا قال عبدالناصر يومًا من الأيام قبل الحرب، فتغنت بمقولته القيان، وسارت بأقواله الركبان، وعاش الجميع منتظرين لحظة النصر المبين، فإذا بهم في هوة الخسف الأليم والزيف العميم والهزيمة المريرة، أين كانت الواقعية؟ كيف ماتت الأريحية؟ كيف حل الزور والبهتان محل الحق؟
إنها مجانبة الواقع وسط الأوهام وأحلام اليقظة التي لم تعلم منها الأمة، ولم تأخذ العبرة فوقعت بعد عقدين من الزمان السيرة وهم من الأوهام، يوم أعلن صدام أنه سيحرق نصف إسرائيل على ساكنيها، وأن قدرته وقوته فوق كل اعتبار، فماذا حدث لإسرائيل نتيجة هذا الخيال أو الخبال؟ انطلق صاروخ «سكود» نحو إسرائيل فسقط في صحرائها كقطعة من الثلج، فكان عليها بردًا وسلامًا، ونالت إسرائيل عشرة مليارات دولار أمريكي حتى لا تدخل المعركة ضد صدام، فهل جدي الخيال شيئًا عند النزال والقتال؟ أفليست الواقعية في الخطاب والعمل أقوم سبيلًا واصدق قيلًا؟ إن إيقاظ الناس -إن كرهوا- خير من تنويمهم وإن رضوا، إن الواقعية قد يغص بها أناس لأنها ثقيلة على نفوسهم، وتجابههم بأخطائهم قد يرتضيها كثيرون لأنها بداية الإصلاح الحقيقي، فتعلم الأمة مواطن ضعفها، وتعمل على أن تأخذ أنفسها وأبناءها الجادة، ولا تزيغ عنها، فلا تناطح السحاب وهي قصيرة القامة، ولا يزيد إنتاجها بالكلام وهي فقيرة تمد يدها هنا وهناك، ولا تحارب بالشعارات وهي ضعيفة عاجزة.
هذه بعض مزايا الواقعية في الخطاب والواقعية في السلوك التي تُفْقَدُ في كثير من الأحيان لدى كثير من الفئات والجماعات التي تضمها الأمة بين جوانحها.
ومن بين هذه الجماعات أبناء الصحوة الإسلامية، الذين يبتعد بعضهم عن الواقعية في القول، والواقعية في التصور فيظنون أنهم قادرون على صنع المعجزات، وأنهم إن دانت لهم الأمور في الخيال ذلت لهم الصعاب، ولانت الشدائد، وشاع هذا الوهم بينهم وانتقل منهم إلى غيرهم، فظن الكثيرون أن الأمور ستتحول من النقيض إلى النقيض على يد الإسلاميين، كما يتحول الإنسان من الشمس إلى الظل في سهولة ويسر، وبعض قادة الصحوة لا يبصر الناس بواقعية الحال، وأن الأمة التي ظلت تتقهقر عن موقعها المتقدم قرونًا وقرونًا محتاجة إلى عقود من السنين مليئة بالعمل المنظم المستند إلى فكر سليم، بعيد عن العنتريات المزعومة، يقوم فيها كل فرد بدوره، ويؤدي واجبه على النحو الأمثل غير ناظر إلى مكاسب شخصية ولا متهرب من تضحيات مالية، أو بدنية في الجهد أو في الوقت وحينئذ يتم تحويل الأمة ويتم تقوية بنيانها حقيقة وواقعًا بعد تقويض الخمول والكسل، والابتعاد عن الشعارات الجوفاء، والركون إلى الواقعية في الخطاب والتربية، والاعتدال في ميزان الأمور، والتركيز على التربية الصحيحة المعطاءة للناس كل الناس.
وهذا الذي نقوله ليس بجديد في الرؤية الإسلامية، لأن جيل الصحابة الأولين هم أكثر الناس تضحية، وأعظمهم جهدًا، وأقلهم مطلبًا، وأسخاهم يدًا، ولذا كان أثرهم في الأمة عظيمًا.
ومن أولى بذلك اليوم من أبناء الصحوة الإسلامية وقادتها الذين هم في مقدمة القائمين بواجبهم، والمضحين في سبيل دينهم؟ ولن يتم شيء مأمول وإن كانت الأماني هي غاية الأفكار وكانت الأخيلة هي دليل التحول من الضعف إلى القوة، ومن التأخر إلى التقدم.
إن الواقعية منهج للإصلاح يجب أن يسير عليه المصلحون الصادقون، وأملي أن يأخذ أبناءُ الصحوةِ أنفسهم بالواقعية، وأن يدركوا أين هم من أمتهم، وأين الأمة منهم؟.
أخوكم جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل