; نكون أو لا نكون | مجلة المجتمع

العنوان نكون أو لا نكون

الكاتب الشيخ حسن أيوب

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1981

مشاهدات 58

نشر في العدد 527

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 05-مايو-1981

لا ينكر أحد أن البعث الإسلامي المعاصر ذو أثر اجتماعي وسياسي وفكري وروحي واضح وملموس حتى بات الخبثاء من المتمسلمين يعملون له ألف حساب، ويخططون بدهاء من أجل القضاء على هذه الظاهرة أو على الأقل إيقاف مدها عند حد معين حتى لا تعمى عيونهم بنور الحق ولا يُقتَلعون من جذورهم بقوة الحقيقة الربانية ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (يوسف:21).

كما لا ينكر عارف ببواطن الأمور ومتابع لتطور الأحداث وتاريخها أن يقظة اليوم هي ثمرة جهاد الأمس، وأن قوة الدفع المعاصرة ما هي إلا رد فعل لتضحيات سابقة، من رجال ثبتوا على الحق لينتصر ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً﴾ (الأحزاب:23).

ويأبى الله أن يضيع جهاد المجاهدين، ودأب الصادقين، وصبر المخلصين الذين أحاطت بهم من كل جانب فتن كاسحة، ووحوش ضارية، وظلمات دامسة ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا (آل عمران:146)، ولكن قالوا في ثقة بالله واطمئنان إلى نصره وتأییده ﴿ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ (آل عمران:147).

يأبى الله أن يضيع جهاد محمد بن عبدالوهاب ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومحمود خطاب السبكي، وحامد الفقي وعبدالكريم الخطابي وعزالدين القسام وعمر المختار، ويأبى كرم الله وفضله أن يضيع دم حسن البنا وعبدالقادر عودة ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب وسيد قطب ومحمد هواش وعبدالفتاح إسماعيل وغيرهم ممن لم تعرف الأمة لهم مثيلًا إلا في عهد السلف الصالح من صحابة وتابعين لهم بإحسان.

يأبى الله أن تسيل دماء هؤلاء على أرض الإسلام فلا تطهرها من الدنس، ولا تحييها من موات، ولا تؤجج فيها نيران الغيرة على دين الله، والثورة على كل محاولة لتدمير أمة الإسلام أو إذلالها أو إخضاعها لأعداء الله وتلامذة الشيطان. 

وما الشباب المؤمن الذي ملأ الأرض الإسلامية وغير الإسلامية بكلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وما الفتيات القانتات الصادقات المتحديات للفتن والشهوات، وما الجيل التقي من الناشئين والناشئات، وما صوت التهليل والتكبير في جنبات الأرض إلا ثمار أثمرتها أشجار التقى والجهاد والصبر والتضحيات. 

لكنني أخشى أن تتشعب الطرق بأحباب الله فتتلقفهم شياطين الإنس والجن فتغريهم بالمدح، وتفتنهم بالشبهة، وتأسرهم بالشهوة، وتفرقهم بكلمة أنا، وليس إلا أنا ولا حق إلا ما كان معي أنا.

وحينئذ ينسون واجب الإخاء، وحق الإيمان، وجوهر الإسلام، ينسون الحب في الله، والنصيحة لله، والتضحية بأنانية النفس من أجل كل أخ قال لا إله الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (الحجرات:10).

أخشى أن نسير الهوينى والجميع يسرع، وأن نمسك بالمال عن الإنفاق المثمر في سبيل نصرة هذا الدين والكل في الملذات يسرف، وأن نتواكل في خمول ودعة وبلهنية عيش وكل من في الدنيا يكد للشيطان ويكدح، وأن نطرق أبوابًا لا تغني في البناء شيئًا، ولا تسعف في قطع الداء ودفع البلاء، وأن نضيع فرصًا ذهبية كلها اليوم بأيدينا، وغدًا لا ندري أيكون الأمر لنا أم علينا ﴿وتلكَ الأيامُ نُدَاولُها بينَ النَّاس) (آل عمران:140). 

أخشى أن نغرق في الخيال، أو نقف عند حد الهتاف، والتحدي والمعسكرات، أو نعتمد في فهم الكتاب والسنة على من جعلوا الدين حرفة ارتزاق، أو لا يتكلمون عنه إلا بقدر ما يقبضون من الدراهم والدينارات، أو نهمل التفقه في الدين إلى درجة العمق والشمول اعتمادًا على غيرنا ممن لا يغار على دين الله ولا يهمه إلا جني ثمار المناضلين والمناضلات، إن أهل الحق اليوم أكثر منهم في أي يوم مضى من عصرنا الحديث، وإن أهل المال الوفير والخير الكثير ينفقون بغير منهج مرسوم ولا نظام محكم.

وإن شباب الإسلام في أرض الله أحوج ما يكون اليوم إلى نظام دقيق مدروس يجمع العلماء على كلمة سواء، وينظم الإنفاق في سبيل العلم والتربية ورعاية جند الله أينما وجدوا، ويجعل من كل خطوة حركة بناء في صرح الإسلام، فهلم فلنبدأ قبل فوات الأوان، فإما أن نكون أو لا نكون.. ولا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله، وقد قال تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل:٥)، وقال تعالى لنبيه يحيى عليه السلام: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (مريم:١٢)، وقال تعالى لبني إسرائيل: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ﴾ (البقرة:٦٣).

الرابط المختصر :