العنوان نمطان من الناس
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 29-يناير-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1937
نشر في الصفحة 66
السبت 29-يناير-2011
في حياتنا اليومية.. عبر شبكة علاقاتنا الاجتماعية.. في سعينا اليومي بين الدوائر والمؤسسات والأسواق.. نلتقي نمطين من الوجوه.. الفارق بينهما يمتد على مسافة ١٨٠ درجة.. فيما يذكرنا بالفارق بين الملائكة والشياطين.
وجوه تنضح بالشر والخبث والمكر والخداع، والأنانية واللؤم والفسق والفجور.. تغطيها ظلمات يعلو بعضها بعضا، وتكاد تستعصي على الوصف.. ووجوه تنضح بالخير والبراءة والإيثار والعطاء والإيمان والاستقامة.. تغمرها الوضاءة والبشاشة، والسكينة والرضا وتفرش على قسماتها ملامح نورانية تستعصي على الوصف.
وجوه منغمسة بالرذيلة التي تنطوي على كل قيم الشر والضلال في هذا العالم، ووجوه متوضئة بالفضيلة التي تنطوي على كل قيم الخير والاستقامة في هذا العالم.
ومنذ البدء أرادها الله سبحانه هكذا.. أن يتجاور الخير والشر، والنور والظلمة والهدى والضلال.. وأن يتعاقب الليل والنهار على كر العصور والأزمان. منذ البدء أرادها الله سبحانه تغايرًا، وتنوعًا، وتدافعًا، واختلافا، ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ جَعَلَ النَّاسَ أُمَةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مختلفين. إلا من رحم رَبِّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ وَتَتْ كَلِمَةً رَبِّكَ جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (هود)، بل إن القرآن الكريم أشار لحكمة يريدها الله سبحانه إلى أن.. ﴿وأكثرهم للحق كارِهُونَ﴾ (المؤمنون).
وهكذا عجنت الحياة الدنيا بالاثنتين معًا، ونسجت خيوطها بالطول والعرض، وهي تنطوي على الاثنتين معا. وبذلك يتميز الخير من الشر والذهب من التراب والأصيل من الدخيل، والطيب من الخبيث والمستقيم من الملتوي، والمؤمن من الفاجر.. إلى آخر الخط الطويل من هذا التضاد الذي يغطي الحياة الدنيا من أقصاها إلى أقصاها.
ومهمة المؤمن في هذا العالم أن يجابه الشر بكل صيغه وأنماطه، وأن يبذل جهده المكافح الموصول لمد مساحات الخير.. وسواء حصد نتاج كفاحه هذا في الدنيا أم في الآخرة.. فإن عليه ألا يقف لكي يتساءل لماذا تأخر الحصاد؟ المهم أن يبذل جهده ويمضي.. وسيكون قانون تراكم الجهد كفيلا بتحقيق المطلوب والمطلوب هو توسيع مساحة الخير وتضييق الخناق على الشر، من أجل ألا تنتشر في الدنيا وتستأثر بمقدراتها هذه البقع السرطانية.. هذا النمط الذي تغمر وجهه الظلمات والذي يصعب التعامل معه، والذي يجعل الحياة لا تستحق أن تعاش..
من منا لم يتعامل مع النمطين.. في السوق في الشارع، في المؤسسة في الدائرة، وفي كل مكان من أرض الله الواسعة؟ من منا من لم يتعذب، ويتألم، ويكتوي بالنار، ويصاب بالهم والغم والاكتئاب، وتتعرقل مصالحه، ويُغش، ويُخدع، ويطفف معه الميزان، وهو يتعامل مع هذا النمط الرمادي أو الأسود من الناس؟
ومن منا من لم يشعر بالارتياح والسعادة، والتخفف والرضا والانسجام، وهو يتعامل مع النمط الوضئ المشع من الناس؟ من هنا تبدو قيمة هذا الدين باعتباره منهج عمل لتوسيع رقعة السعادة والفرح والتخفف والانسجام في حياة الناس.. منهج عمل لتسيير شؤونهم اليومية، ومطالبهم التي لا حصر لها بأكبر قدر من اليسر والرضا.
وتبدو قيمته - كذلك - باعتباره منهج عمل لملاحقة بؤر الضيق والتعاسة وتعذيب الناس، وعرقلة شؤونهم، والقاء حفنات من المرارة في حلوقهم.. ملاحقتها وتضييق الخناق عليها.
فالدين المعاملة، كما تحدث رسول الله، والمسلم المسلم هو من وصفه بأنه سمح إذا باع، سمح إذا اشترى... وكتاب الله يجابه بأقصى درجات الويل والتنديد والثبور أولئك ﴿الذين إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَزَنُوهُمْ يُخسِرُونَ﴾ (المطففين)، ويضعهم وجهًا لوجه أمام يوم الحساب العسير ﴿ألا يظن أولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمينَ ﴾ (المطففين).
وهذا يكفي..
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل