; رسالة الأخوة.. نموذج فريد للعدل الاجتماعي | مجلة المجتمع

العنوان رسالة الأخوة.. نموذج فريد للعدل الاجتماعي

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012

مشاهدات 69

نشر في العدد 1996

نشر في الصفحة 56

الجمعة 06-أبريل-2012

لاشك أن الإنسانيّة عانت من الظلم  الاجتماعي والاستغلال قروناً عديدةً، وكان القوي ينتهك حقوق الضعيف، ولم يكن
للأخير ناصراً أو معيناً، وفي تلك الخضم برزت فلسفة الأخوة الإسلامية في جوانبها الإنسانية والتكافلية لتشكل إحدى أهم التجارب الرائدة في تاريخ العدل الاجتماعي على الإطلاق، فقد دشن الإسم نموذجاً فريداً لأشدّ أشكال العلاقات الاجتماعيّة مساواةً وعدلاً وإخاء، وفق منهج لا يحابي ولا يداجي، إلا على أسس قويمة واستحقاقات واضحة.
لقد جعل الإسلام  الزكاة ركناً من أركان الإسلام ، وأساساً من أسسه، وفريضة من 
فرائضه؛ لتأمين حياة الضعفاء والفقراء والمساكين، قال تعالى: ﴿ انما الصَّدّقّاتٍ لٌلًفٍقّرّاءٌ والمساكين  الًعّامٌلٌينّ عّلّيًهّا والمؤلفة قٍلٍوبٍهٍمً فٌي  الرقاب والًغّارٌمٌينّ فٌي سّبٌيلٌ الله وابًنٌ  السبيل فّرٌيضّةْ مَنّ الله و اللَّهٍ عّلٌيمِ حّكٌيمِ﴾ 60 التوبة، وقال تعالى: ﴿خٍذً مٌنً أمًّوّالهٌمً صّدّقّةْ تٍطّهٌرٍهٍمً تٍزّكٌيهٌم بٌهّا وصّلٌ عّلّيًهٌمً إنَّ صّلاتّكّ سّكّنِ لَّهٍمً واللَّهٍ سّمٌيعِ عّلٌيمِ﴾ 103 التوبة، وكافأ الإسلام  المزكين بتطهيرهم من الأدران والأوزار، في الآخرة، وبشرهم بتنمية أموالهم، وحذرهم من عواقب الأثرة والشح.
لقد كان بوسع النبي ﷺ وأهله أن يعيشوا في ترف ونعيم، وهو الحاكم الذي بيده مقاليد الأمور، إلا أنه آثر أن يضرب مثلاً عظيماً ورفيعاً للقائد الذي يشارك شعبه وطأة المعاناة وألم الحرمان بقناعة ونفس راضية، فقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي حازم قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير بإصبعه مراراً يقول: «والذي نفس أبي هريرة بيده، ما شبع نبيّ الله ﷺ وأهله ثلاثة أيّام تباعاً، من خبز حنطة، حتى فارق الدّنيا .»

وكان رسول الله ﷺ «لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه »، كما ورد في الحديث، وقال المناوي: «وإن كثر، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر »، و «كان فرحه ﷺ - كما يقول ابن القيم - بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما أخذه .»
يزعم الحاقدون أن الإسلام  لا يمثّل إلا إصلاحاً جزئياً للمسألة الاجتماعية، بدعوى أن العصر الذي تصوغه وسائل الإنتاج لم يتح له أن يتحرّك لصياغة عالم جديد من العلاقات، لكن الناظر في واقع الإسلام  عبر سنيّ الدعوة الإسلامية الحافلة، يرى أن التجارب الاجتماعيّة ترد هذا الزعم وتبطله، فقد شكلت الأخوة الإسلامية  تجربة عظيمة في دلالاتها وآثارها وصاغت مجتمعاً متكافلاً متواصلاً، يحكمه مبدأ العطاء قبل الأخذ، وتشدّه أواصر الفكرة الإسلامية الوسطية، ويوجّهه الإيمان بقيم التسامح والتعايش، في كل حركاته وأعماله، ويقوده النبي ﷺ ، الذي ضرب بتجرّده وإيثاره، وعطائه الدائم المثل الأعلى، وأقام تجربة حية مثالية، ستظل إلى يوم الدين رفيعة الشأن، جليلة القدر، كبيرة النفع، عميمة الفائدة.
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجود بالخير من الريح المرسلة .

إن المجتمعات التي تستلهم مبادئها وأخلاقها وأدبياتها من رسول ونبي وقائد أرسى كل معاني الجود والعدل والتكافل؛ «ما نقص مال من صدقة »، و «داووا مرضاكم بالصدقة »، لهي بالتبعية مجتمعات خيرة، وقادرة على ترسيخ جميع مقومات ومعطيات الأمن الاجتماعي والإنساني.
إن مجتمع المدينة المنورة يعد نموذجاً فريداً في التكافل، وعلينا استدعاؤه في كل حين، لاسيما في ظل الظلم البشع الذي تتعرض له الشعوب الإسلامية  على يد بعض الحكام الطغاة، فقد حرص الأنصار على الحفاوة بإخوانهم المهاجرين، رضي الله عنهم أجمعين، حتى لم ينزل مهاجريّ على أنصاريّ إلا بقرعة، وذلك من كثرة الراغبين في الإيواء، وتحمّل الأعباء، وقدّر المهاجرون هذا البذل الخالص فما استغلّوه، وما نالوا منه إلا بقدر ما يتوجّهون به إلى العمل الشريف.
وتلقّى الأنصار أمر المؤاخاة بفرح عميق، وفتحوا قلوبهم قبل بيوتهم لإخوانهم في العقيدة حتى قالوا للنبي ﷺ فيما يرويه
البخاري عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبيّ ﷺ: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا »، فقالوا: تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا، وهكذا قابل المهاجرون رضي الله  عنهم إيثار إخوانهم الأنصار رضي الله عنهم، وسماحتهم بتقدير كامل، وسماحة مماثلة، رافضين منذ البدء أن يكونوا اتكاليين على إخوانهم، وعالةً    على أولئك الذين أحبوا من هاجر إليهم، ولم يجدوا في صدورهم حاجةً مما أوتوا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
إن الأمة الإسلامية  في حاجة ماسة اليوم إلى إعادة قراءة تاريخها، وتجديد فكرها بالعودة إلى منابع الدعوة الأولى لاستلهام القيم النبيلة والتأسي بالنبي الكريم والصحابة الأجلاء الذين ضربوا المثل والقدوة في العدل والإحسان ومشاركة الآخرين معاناتهم وآلامهم، والله نسأل أن يرفع عنا الظلم، وأن يهلك الظالمين، وأن يخفف معاناة الضحايا والمظلومين، والله الموفق والمستعان

الرابط المختصر :