العنوان نموذج من أدب الجدل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 45
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
نموذج من أدب الجدل
يحدث الجدل في حياة الإنسان بسبب توارد الأفكار والرغبة في الإفصاح
عنها ونشرها وعندما تصطدم هذه الأفكار بغيرها وينشأ الجدال، والمحاورة، والمناقشة،
وهناك جدل محمود، وجدل مذموم، فالمحمود هو ما أيد الحق وأفضى إلى خير.. فقد ورد في
القرآن وسمع عن الصحابة أخبار تفصح عن الجدل المحمود. والمذموم عكس المحمود وهو ما
أيد الباطل أو أفضى إلى شر.
ولا نقول: الجدل كله مذموم فذلك تعسف، أو الجدل كله محمود فذلك أيضًا
تعسف.
والقرآن الكريم حين يعرض نماذج من الجدل فإننا نلمح بل نحس بالآداب
الجميلة التي تنبعث منه وسأعرض نموذجًا.
هو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ
إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 24).
وهذه الآية تعرض محاورة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جهة
والمشركين من جهة أخرى.. والآية كما هو واضح قد استخدم فيها لفظ «أو».. و «أو» في
اللغة ليست للشك دائمًا كما يفهم بعض الناس.. بل تأتي لمعان أوجزها فيما يلي: 1-
للتخيير والإباحة بعد المطلب.
2-
للشك.
3-
الإبهام.
4-
التفضيل.
5-
التقسيم.
ويمكن أن تدرج الآية في معنى الإبهام.. كيف ذلك؟
أقول: ذكره ابن هشام النحوي.. وهو أقرب النحاة إلى الصواب في تفسير
«أو» في هذه الآية نظرًا للمعنى المستفاد منها، بدون تأويل أو تكلف أو تحمل..
فاستخدام «أو» هنا استعمال لطيف بليغ أديب، يوضح عمق الأدب الجميل، والأسلوب
الراقي، والمنهج الجدلي الأريب.. وما ذلك إلا لأنه يريد أن يقرر الحق في نفوسهم
بأسلوب العاقل الحصيف فمن المعلوم أن موضوع المجادلة في هذه الآية هو توحيد الخالق
أو الإشراك به، وهما أمران على طرفي نقيض.. فمن الأمور البدهية أن تكون الهداية في
إحداهما.. والضلال المبين في الآخر.. إلى هنا لم نأت لنكشف عن الأدب الجم الذي كان
عليه الحوار.
لقد تخلى كل فريق عن التعصب الذي يعمي العيون عن الحق، ويشحن النفوس
ضد تقبل الصواب، فلم يقل: نحن على هدى وأنتم في الضلال.. فلو قال ذلك لاتسعت دائرة
الخلاف، والبغي على أنفس المشركين شركهم وعنادهم ولأخذتهم العزة بالإثم.. ولكنه
بعث في نفوسهم التساؤل حول من المحق؟ ومن المبطل؟ وهذا كما قال سيد قطب في الظلال
«غاية النصفة والاعتدال والأدب في الجدال».
يمكن أن أختصر الآداب التي أوضحتها الآية السابقة في أمرين: الأول:
تخلي كل فريق عن التعصب سابقًا، والاستعداد التام للبحث عن الحقيقة.. والقبول بها
إذا ظهرت.
الثاني: الأسلوب المهذب اللبق في المحاورة دون مراء أو استهزاء أو
احتقار.. لأن الأسلوب المهذب يهذب اللقاء ويكسب الأعداء ويحولهم إلى أصدقاء ويعطي
الصفاء.. وعكس ذلك ينهي اللقاء بلا رضا، ولا اقتناع ويشحن النفوس ويضيق الصدور.
والقرآن الكريم أرشدنا إلى ذلك صراحة فقال: ﴿وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 46).
وفي الحديث الشريف «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا
البذيء».
مهدي بن علي القرني
السعودية- بيشة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل