العنوان نور وسط جهاد الحج
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1992
مشاهدات 53
نشر في العدد 1005
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 30-يونيو-1992
في وسط جهاد الحج، وبعد جولة من الصراع مع
لهيب الحر، وعناء الزحام الذي يعصر الرجال عصرًا، فضلًا عن القوارير ضعاف البنية
التي لا حول لهن ولا قوة، جلستُ وقد بلغ منهما الذي بلغ بي، وبعد حديث ذي شجون حول
فريضة الحج عرفت أن الأول جاء من أمريكا حاجًّا عن الإمام ابن حزم الظاهري، فقلت: ابن
حزم الظاهري؟! قال: نعم، لقد قرأت أن ابن حزم لم يحج في حياته فقررت أن أحج عنه
لفضله وعلمه، ثم التفت إليه الرجل الثاني الذي يجلس بجانبي، وقال: نعم ما فعلت!
فهؤلاء الرجال لهم في أعناقنا الكثير، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير
الجزاء، ثم قال الآخر: وأنا جئت من بريطانيا لأحج عن الشهيد سيد قطب، فقد عرفت أنه
دخل السجن وقضى فيه خمسة عشر عامًا ثم خرج ولم يمكث إلا قليلًا حتى دخله ثانية، ثم
أعدم رحمه الله قبل أن يتمكن من أداء فريضة الحج، وأنا أرى وفاء لعلم الرجل وجهاده
في سبيل دعوة ربه، وعرفانا بجميله الذي قدمه للمسلمين عامة ولي خاصة أن أهب له هذا
الحج تقديرًا لفضله ووفاء بحقه.
قلت: يا جبال الوفاء! إن هذا الكم من
الإخلاص يندر أن يوجد اليوم إلا في أهل الإيمان الذين يعرفون لكل صاحب فضل فضله،
«وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه» لأن الإيمان رحم بين أهله وصلة بين ربه في
كل زمان ومكان، وصدق الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ
وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر:10) كما أنه صداقة وخلة لا تنفصم عراها ولا تنحل
عقدتها، وصدق الله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا
الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف:67)، وكان هذا هو دأب السلف الصالح رضوان الله عليهم
في دعائهم لإخوانهم بظهر الغيب أحياء وأمواتًا، عرفانًا لفضلهم وتقديرًا لجهدهم؛
قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو
للشافعي رحمه الله تعالى. ولكثرة دعائه للشافعي قال له ابنه: أي رجل كان الشافعي
حتى تدعو له كل هذا الدعاء؟ فقال أحمد: يا بني، كان الشافعي رحمه الله كالشمس
للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف؟ وكان أحمد رحمه الله يقول: ما مس
أحد محبرة إلا وللشافعي رحمه الله في عنقه منة. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما صليت
صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي؛ لما فتح الله عليه من العلم
ووفقه للسداد فيه.
وفي الأمة الإسلامية على امتداد عصورها
رواد نذروا أنفسهم لخدمة الملة وحمل المنهج وتوضيح غامضه وتفصيل مجمله، بعد أن
أحاطوا بعلوم الشريعة وفنوا أعمارهم في تحصيلها والدعوة إليها والدفاع عنها،
فأبانوا أحكام الله لعباده وأوقفوهم على حلاله وحرامه، يقول في هذا الصنف الإمام
أحمد بن حنبل: الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم
يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى،
ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد
هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله
تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة،
وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، يقولون على كتاب الله
وعلى الله وفي الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس
بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين.
فجيل الرسالة متصل، وشباب العقيدة على
الدرب، وفتية الإيمان في الساحة تراهم فتسعد، وتنظر إليهم فتهنأ، وتعلم أنهم
الحقيقة رغم الزيف، والعز رغم الضعف، والأمل رغم التيه، والصبح رغم الافتراء
والضلال، وصدق القائل:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به
في
طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
جيل موصول بالصالحين وعايشهم، ويأخذ عنهم ويرتشف من رحيقهم ويقتبس من نورهم.. جيل طلق الخنوع والكسل والتمرغ في الأوحال؛ أوحال كثيرة ومتعددة ومتنوعة.. جيل أقسم بالله أن يبنيها وأن يعمرها ويعزها، وأن ينصرها وأن يجعلها خير أمة أخرجت للناس، فأعظم به من جيل، وأكرم به من شباب موصول مبارك تقي نقي طاهر، يكشف الله به الغمة ويزيل به الكروب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل