العنوان نيران العنف المشتعلة في الجزائر هل تمتد إلى المغرب؟
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1299
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 12-مايو-1998
وأخيرًا خرج المغرب الرسمي عن صمته فيما يخص الحملة الصحفية الجزائرية التي انطلقت منذ الخريف الماضي، وعرفت تصعيدًا نوعيًا في الأسابيع الأخيرة، فرغم أن الحملة كانت صاخبة وصل صداها إلى وسائل الإعلام الدولية، فإن الدوائر الرسمية في الرباط التزمت الصمت ولم ترد على اتهامات جنرالات الجزائر سواء بالنفي أو بالإقرار.
غير أن أول جلسة من جلسات مجلس النواب العلنية التي اعتاد تخصيصها أيام الأربعاء للأسئلة الشفوية للنواب -والتي عقدها المجلس يوم الأربعاء التالي للتصويت بالمصادقة على برنامج الحكومة، ومنحها بالتالي ثقة البرلمان- اضطرت وزير الداخلية إلى الحديث في الموضوع، فقد تركزت أسئلة كل الفرق النيابية يوم الأربعاء ٢٩ أبريل الماضي على هذا الموضوع.
وقد أجاب السيد إدريس البصري وزير الداخلية المغربي بأن التصعيد الأخير الذي عرفته هذه الحملة يندرج في إطار مخطط أعمّ يرتبط بالمناورات الهادفة إلى تأخير، أو بالأحرى عرقلة المسلسل الاستفتائي المقرر إجراؤه من قِبَل الأمم المتحدة في الأقاليم الجنوبية، وأكد وزير الداخلية المغربي أن تصعيد الحملة جاء «على إثر مصادقة مجلس النواب المغربي على البرنامج الحكومي الذي يضع مسألة الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة على رأس الأولويات»، وذكّر البصري في هذا الصدد بـ«توقيع المغرب على اتفاقيات هيوستن التي جاءت لتعزز وتدعم المخطط الأممي لتسوية قضية الصحراء المغربية»، وقال: «إن المغرب منذئذ ورغم مناورات خصوم وحدته الترابية ومن يقفون وراءهم يمضون بإصرار في تنفيذ مخطط التسوية الأممي، وتطبيق المقتضيات التي صادق عليها المغرب في هيوستن عن طواعية وبكل سيادة».
ومضى وزير الداخلية موضحًا: «وبمجرد أن لاحظ الخصوم أن تقدم مسلسل التسوية يتسم بالجدية والحزم من جانب المغرب، شرعوا في وضع العراقيل واختلاق المشاكل لإقناع الرأي العام الخارجي والداخلي على السواء بوجود مخاطر مفترضة»، وفي هذا الإطار قال البصري: «بدأت الصحافة الجزائرية أولًا في الحديث عن عمليات مزعومة تنطوي على مخاطر زعزعة استقرار المغرب العربي».
وأشار البصري إلى أن «العنصر الثاني من هذا المخطط يتمثل في فتح هذه الجرائد صفحاتها أمام بعض المسؤولين السابقين للتعبير عن آرائهم في تطورات الوضع بين البلدين، ثم جاءت بعد ذلك كعنصر ثالث الأنباء المروجة من طرف الصحف الجزائرية حول الوجود المفترض لقواعد أو أسلحة تَمُر عبر المغرب، وموجهة إلى عناصر جزائرية»، موضحًا أن «التحريات التي قامت بها أطراف أخرى ومراقبون أظهرت بطلان هذه الادعاءات، وأن المغرب لا يهمه سوى تشجيع علاقات حُسن الجوار في المنطقة».
وأضاف البصري أنه «بعد أن اتضح الأمر بشأن هذه النقطة بدأت الصحافة الجزائرية منذ ما يقارب عشرين يومًا في الحديث عن أعمال تخريبية مزعومة في بعض مناطق المغرب، نسبتها إلى جماعات مغربية مسلحة مشابهة للجماعات التي تنشط في الجزائر».
وكانت صحيفتا (Le Soir) البلجيكية، و (France-soir)الفرنسية قد نشرنا تقريرًا حول احتمال وجود نواة مجموعة إسلامية مغربية مسلحة في كل من بلجيكا وإيطاليا، ومباشرة بعد ذلك انطلقت الصحف الجزائرية المعروف ولاؤها للجهاز العسكري في حملة متناغمة بعناوين مثيرة من مثل: «هلع في وجدة»، «عشرات القتلى في عدة مدن مغربية»، «مئات السكان يهجرون أماکن سكناهم هربًا من المذابح في القرى والمدن المغربية»، «مدينة بني هلال المغربية تشهد معارك ضارية بين الجماعات المسلحة ورجال الأمن، فيما الأهالي يهربون بكثافة من مسرح الأحداث»، ومع أن وكالة الأنباء الجزائرية لها مراسل جزائري في المغرب يمكنه التنقل بكامل الحرية عبر التراب المغربي، فإن تلك الصحافة لم تعتمد على أي تقرير منه أو من وكالة الأنباء الجزائرية، بل كان مقال (Le Soir) البلجيكية، و(France-soir) الفرنسية كافيين لانطلاق الحملة الصحفية في الجزائر.
غير أن الصحفي والكاتب الفرنسي «هوبير كوندوربي» الذي كان حينها في أوج حملته الدعائية لكتابه الجديد الصادر عن دار النشر «كالمان - ليفي» والذي يحمل عنوان «العالم حسب شيراك، كواليس الدبلوماسية الفرنسية»، قام بواجب التحقق من الأمر، واتصل بمسؤول كبير في جهاز المخابرات الفرنسي (D.S.T) طالبًا منه الإيضاح حول هذه المزاعم، وبعد مراجعة دقيقة لجهازه حول الأمر كان جواب هذا المسؤول الأمني الفرنسي هو: «ليس في هذا المقال أي عنصر يمكنه أن يبرهن بشكل جدي على وجود حركة إسلامية مسلحة بالمغرب».
ولكن لماذا هذه الحملة الآن في الوقت الذي يعرف فيه المغرب تحولات هامة تتمثل أساسًا في رسم خطوة واسعة في اتجاه ديمقراطية الحياة السياسية، وبعد أن رحب العديد من القادة السياسيين التاريخيين في الجزائر بحكومة اليوسفي، واعتبروها تحمل تباشير انفراج قريب في العلاقات مع الجار المغربي؟ وما الذي يسعى إليه الجنرالات في الجزائر من وراء ذلك؟
1- تعميم الأزمة حتى لا يبقوا وحدهم في مواجهة فقدان المصداقية أمام المجتمع الدولي والتي تمثلت مؤخرًا في الاتهام الصريح من طرف الاتحاد الأوروبي والكونجرس الأمريكي، بعد ثبوت ضلوع وحدات «الدفاع المدني» التي سلحها هؤلاء الجنرالات في المجازر التي يتعرض لها المدنيون في الجزائر.
2- محاولة دفع المغرب إلى التراجع عن مسلسل «الدمقرطة» والعودة به إلى نادي الديكتاتوريات، وذلك بخلق أزمة أمنية مفتعلة تؤدي إلى إفشال تجربة التناوب الديمقراطي وإفشال أي احتمال للتقارب بين السياسيين الجزائريين والمغاربة، وخصوصًا أن لهم ماضيًا في الكفاح المشترك ضد المستعمر، ومن شأن حكومة اليوسفي أن تساهم في التقريب بين البلدين.
3- إحداث نزاع ولو مسلح مع المغرب لتفادي الوقوف المحتوم في قفص الاتهام، ومن ثم دفع ثمن حرب أهلية كان العسكريون وراء إضرام نارها بانقلابهم على المسلسل الديمقراطي الذي قاد الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الحكم، ثم فشلوا في حسم الموقف وإطفاء النار التي أشعلوها مما أطال النزيف.
ويبقى أهم ما جاء في جواب وزير الداخلية المغربي أمام نواب البرلمان، هو إعلانه أن الحملة الصحفية الجزائرية تشبه إلى حد كبير حملة أخرى كانت قد شنتها نفس الصحافة على المغرب سنة ١٩٩٤م، وشاركتها بنفس الطريقة آنذاك صحف أجنبية أخرى، ثم تلت ذلك أحداث فندق «أطلس - آسني» بمدينة مراكش التي ذهب ضحيتها سائحان أجنبيان، وتمكنت قوات الأمن المغربية في صيف ١٩٩٤م من تفكيك شبكة إرهابية دخلت عبر أوروبا بترسانة من الأسلحة المتطورة بنية إدخال المغرب في دوامة من العنف، واتضحت بعد ذلك دلائل ضلوع المخابرات الجزائرية في تدريبهم وإرسالهم إلى المغرب بخطة جد مدروسة، فهل تنتقل أعمال العنف مع ذلك إلى المغرب؟ سواء حدث هذا أم لم يحدث فإن مجرد إثارة أمر كهذا في الظروف الراهنة قد يؤثر على أهم موارد المغرب من العملة الصعبة: السياحة.