العنوان هؤلاء لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة
الكاتب توفيق علي
تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006
مشاهدات 68
نشر في العدد 1708
نشر في الصفحة 54
السبت 01-يوليو-2006
- الذين يحرفون الدين ويسخرونه لأهوائهم، ويحمّلون النصوص ما لا تحتمل.
- والذي حمَّله الله سبحانه كتابه ليؤم به ويتدبره ويعمل به.. ثم خالف ذلك.
تحدث القرآن عن صنف من عباد الله، يهملهم الله عز وجل فلا يكلمهم بما يسرهم ويفرحهم، بل يكلمهم بما يسوئهم ويحزنهم، لأنهم لم يتبعوا وحي
السماء ولكن اتبعوا الأهواء، وآثروا الثمن القليل من الدنيا، على الدرجات العليا، فآثروا الفاني على الباقي، فحرموا نظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة، في وقت هم في أمس الحاجة إلى نظرة ود ورحمة وعطف ولطف من الله، في يوم قال الله فيه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: 22-23).
إنها وجوه أهل السعادة.. فهي مشرقة حسنة ناعمة، ترى خالقها ومالك أمرها، فتتمتع بذلك.. نسأل الله أن تكون منهم.
من لا يكلمهم الله عز وجل
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 174). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 77).
لا يكلمهم الله
قال الطبري - يرحمه الله: لا يكلمهم بما يسرهم، ولا بما يحبون ويشتهون، فأما بما يسوئهم ويكرهون فإنه سيكلمهم لأنه تعالى قد أخبر. تعالى ذكره - أنه يقول لهم إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (المؤمنون: 107) ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: 108).
وقال القرطبي - يرحمه الله: قيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية(1).
وقال ابن كثير - يرحمه الله: لا يكلمهم كلام لطف بهم (۲).
ولا ينظر إليهم
لا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم لأنه غضبان عليهم لأنهم كتموا وقد علموا فاستحقوا الغضب (۳).
ولا يزكيهم
لا يطهرهم من الذنوب والأدناس، ولا يثني عليهم خيرًا ولا يسميهم أولياء بل يأمر بهم إلى النار(٤).
وهذا العقاب من صور إهمال الله لهم وهي أعراض الإهمال التي يعرفها الناس. وهذا النموذج نعرفه جيدًا ويعرفه الناس في بعض رجال الدين الذين ينسبون إلى الدين ظلمًا!
الذين يحرفون الدين ويسخرونه في تلبية الأهواء، ويحملون النصوص ويجرون بها وراء هذه الأهواء حيثما لاح لهم أن هناك مصلحة تتحقق، وأن هناك عرضًا من أعراض هذه الحياة الدنيا يحصل!
يحملون هذه النصوص ويلهثون بها وراء تلك الأهواء، ويلوون عنق هذه النصوص ليًا لتوافق هذه الأهواء السائدة، ويحرفون الكلم عن مواضعه ليوافقوا بينه وبين اتجاهات تصادم هذا الدين وحقائقه الأساسية (٥).
حال العلماء إذا آثروا الدنيا
المثل الأول: كالكلب:
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 176).
فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه.
المثل الثاني: كالحمار:
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: 5).
قال ابن القيم - رحمه الله: «قاس من حمله سبحانه كتابه ليؤم به ويتدبره ويعمل به، ويدعو إليه. ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقرأه بغير تدبر، ولا تفهم، ولا اتباع له ولا تحكيم له، ولا عمل بموجبه: كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، فحظه منها: حملها على ظهره ليس إلا. فحظ هذا من كتاب الله كحظ الحمار من الكتب التي على ظهره.
فهذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به و لم يؤده حقه، ولم يرعه حق رعايته» (٦).
أنشد الشافعي في فساد العالم فقال:
فساد كبير عالم متهتك *** وأكبر منه جاهل متنسك
هما فتنة في العالمين عظيمة *** لمن بهما في دينه تمسك (٧)
فاحذروا أيها العلماء أن تكونوا من هذا الصنف، فميادين جهادكم مفتحة الأبواب تنتظركم فكونوا أئمة الهدى فرسان الكلمة والموقف، ولا عذر لكم إن خلص إلى القلة المؤمنة، وإلى حصن المسلمين، وإلى مقدسات الإسلام، وإلى أحكام الإسلام وما زالت فيكم عين تطرف.
الهوامش
- (مختصر القرطبي ( 1 ̷ 137).
- تفسير ابن کثير( 0 1 ̷ 0383).
- تفسير الطبري(3/۰۳۱۹) .
- ابن كثير(1/383) ، والقرطبي(۱/137).
- في ظلال القرآن (1/٠٤١٣).
- إعلام الموقعين (1/١٩٧).
- ديوان الشافعي، ص ۱۱۸