العنوان من الحياة- هجائية الحب «حرف التاء» (۳): تابع ولا تتجسس
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2011
مشاهدات 71
نشر في العدد 1955
نشر في الصفحة 50
السبت 04-يونيو-2011
عن زيد بن وهب قال: أتى ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله بن مسعود: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. «رواه أبو داود».
وثم فرق بين التجسس والتحسس، فالتجسس هو اقتحام الخصوصيات، والتفتيش في الأغراض الشخصية، وتتبع العورات، وهو تنقيب عن سوءات وتصرفات سلبية مذمومة، ويكون في الشر، أما التحسس فقد يكون في الخير، وقد يكون في الشر ومنه في الخير، قول يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87).
قال بعض أهل العلم: «التحسس» هو السؤال عن الآخرين، ومعرفة أحوالهم عن طريق طلب أخبارهم للاطمئنان عليهم، وأما «التجسس» فهو تتبع السوءات والعورات.
ويرى بعض العلماء أن التجسس والتحسس معناهما واحد، لكنني أرجح أن لكل منهما معنى خاصًا، ولعل ما يؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا».
وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته».
وعن المقدام بن معد يكرب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم».
أما المتابعة فتختلف شكلًا وموضوعًا عن التجسس، وهي واجبة على الوالدين تجاه الأولاد، وتكون في الطفولة ألزم وأقوى وتخف تدريجيًا كلما كبر الأطفال، وخاصة في المراهقة، حيث يرى علماء النفس أن الشحنة العاطفية تنسحب من الوالدين إلى الابن ذاته، ويبدأ المراهق في اكتشاف عيوب الوالدين، ومن ثم يجب على الوالدين هنا مد جسور الحب والصداقة والثقة بينهما وبين أولادهما، واعتماد الحوار الهادئ، تجنبًا لعناد الأولاد وانحرافهم، وتجنب القسوة والأوامر الصارمة، وتتباين وجهات نظر الآباء والأمهات في متابعة الأولاد، فبعضهم يرى أن هذا منهي عنه شرعًا، ويستشهد بقول الله تجسس تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: ١٢) والبعض الآخر يرى أن التجسس من واجبات الآباء والأمهات، وهو -في الوقت ذاته- حق من الحقوق التربوية للأولاد عند الآباء والأمهات، حتى وإن كان تجسسًا!
والحق أن كلا الفريقين جانبه الصواب، لأن هناك فروقًا بين التجسس والمتابعة والتجسس ممنوع شرعًا ومحظور، أما المتابعة فهي واجبة على الآباء نحو الأبناء.
الفرق بين المتابعة والتجسس:
المتابعة تعني: ملاحظة سلوكيات أبنائنا والاهتمام بها استماعًا ومشاهدة، في جو يسوده الحب والصداقة، دون توبيخ ولا تعنيف ولا شدة بغية تقويم السلوك المعوج وإصلاح التصرفات السلبية، وتجنب المراقبة اللصيقة الشديدة لتحل محلها المتابعة والرقابة غير المباشرة مع مراعاة الحفاظ على مشاعر الأولاد وأحاسيسهم، وتجنب جرحهم، ومن أمثلة ذلك متابعة معدلات درجات الأولاد في المدرسة، أو دعوتهم مع أصدقائهم إلى رحلة للتعرف على أصدقائهم أو ملاحظة كيفية استثمار أولادنا لأوقاتهم ومعرفة ما يحبون ويكرهون من خلال التحاور معهم، وهكذا.
أما التجسس فيعني تتبع الأخبار وتعمد كشف بواطن الأمور بهدف تصيد الأخطاء وتتبع العورات، يقول الإمام القرطبي في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: ١٢)، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله.
وعن أبي داود عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم». قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها.
مواطن المتابعة:
تتعدد المجالات أو المواطن التي تحتاج من أولياء الأمور إلى متابعة أولادهم، وفيما يلي ذكر لأهم هذه المواطن، مع بيان أدوار أولياء الأمور التربوية في كل موطن أو مجال:
أولًا- الحاسوب:
بعض أولياء الأمور يظنون أن الحرية تعني ترك الأولاد على الإنترنت والحاسوب دون ضوابط وبلا متابعة، فيتركونهم ساعات طويلة، يقرؤون ويتحاورون دون أن يتبينوا:
ماذا يقرأ أبناؤهم؟ ومع من يتحاورون؟ وماذا يشاهدون؟!
والبعض الآخر ينسى أو يتناسى أنه أب ومرب، فيتخلى عن أدائه التربوي في المتابعة القائمة على الحب والصداقة والمصارحة، ويؤدي دور الشرطي، ويزداد الأمر سوءًا عندما يقوم أولياء الأمور والمربون بدور الجاسوس، ويغفلون أو يتغافلون ما لذلك من أثر سلبي على تربيتهم لأولادهم، ناهيك عما يحدث من تكتم وحذر من قبل الأولاد، إذا هم أدركوا أن آباءهم وأمهاتهم يتجسسون عليهم.
ولكي يكون أداء الآباء والأمهات تربويًا إيجابيًا -في مجال الحاسوب والإنترنت- ويتجنبوا الأدوار البوليسية والجاسوسية ينبغي لهم مراعاة ما يلي:
1- وضع الحاسوب في مكان يستطيع أن يشاهده أفراد الأسرة عند مرورهم، وليكن هذا المكان -مثلًا- في الاستقبال أو صالة السكن، وليس في غرفة الابن أو البنت.
2- تجنب المبالغة والإكثار من مباغتة الأولاد في أثناء تعاملهم مع الحاسوب، حتى لا نشعرهم بفقدان الثقة والتجسس عليهم.
3- بناء جسر قوي من الحب والصداقة، بين الآباء والأمهات من جهة وبينهم وبين الأبناء من جهة أخرى.
4- استعمال أولياء الأمور أحد برامج متابعة ما يكتبه الأولاد على حروف «الكيبورد»، بهدف الاطمئنان على الأبناء وتقويم أي سلوك سلبي، أو أي اعوجاج يظهر لدى الأولاد -حفظهم الله- وليس للتجسس عليهم، ومن هذه البرامج -مثلًا- برنامج ويمكن تحميله من Family key logger2.0
الموقع التالي: http://pro.jro7i.com/file4308.html.
ولكن ينبغي توخي الحذر من بعض هذه البرامج؛ لإطلاقها بعض الفيروسات التي تهاجم الجهاز عند تحميل بعض هذه البرامج.
ثانيًا- السلوك الأخلاقي:
تشهد مدارسنا سلوكيات سلبية لدى غالبية التلاميذ، كما ينطق واقعها التربوي بأزمة قيم وأخلاق، والحقائق، والأحداث تشهد بغياب، أو ضعف الأدوار التربوية للوالدين في متابعة أولادهما، مما أدى إلى أن صار كثير من الأولاد ليس لهم صلة بواقعهم ومجتمعهم ودينهم، فهم يقلدون الغرب ويلهثون وراء المظاهر واللهو والعبث ومن ثم اتسعت الفجوة بين أولياء الأمور وأولادهم.
ومن ثمرات المتابعة أنه قد يلاحظ الآباء على الأبناء بعض الأقوال والأفعال الإيجابية فيشجعونها، ويعززون تكرارها وقد يلاحظون سلبيات يقومونها، كما ينبغي لهم أن يهتموا بغرس القيم والسلوكيات الأخلاقية في نفوس أولادهم، وأن يتابعوا ذلك متابعة دقيقة، من خلال جداول المحاسبة التي تعد خصيصًا لهذا الغرض.
ثالثًا- الميول والمواهب:
فمن خلال متابعة الآباء لأولادهم تتضح مداخل كثيرة لتوجيه الأولاد وإرشادهم في تنمية الميول الإيجابية وتنحية الميول السلبية، فإذا اكتشفت في ابنك أو بنتك ميلًا للقراءة أو الكتابة مثلًا، فعليك أن تهيئ الجو المناسب، والبيئة الملائمة، لتنمية هذا المطلب وأن توفر الكتاب النافع، وتدرب أولادك على التمييز بين الجيد والرديء، فذلك يدفعهم إلى قراءة النافع المفيد، ونبذ الضار المبيد كقصص السحر والكهانة والخرافات.
تشكو كثير من الأسر من إدمان أولادها لعادات سيئة، على حين أن هذه الأسر إن أحسنت استثمار مواهب أولادها وميولهم، وسعت -بوسائل متنوعة- إلى تنمية تلك الميول والمواهب، لأنقذتهم من تلك العادات السيئة، ولشكلت منهم مبدعين ولقدمت للمجتمع مخترعين، وثمة ميول ومواهب متنوعة تكون كامنة داخل أطفالنا وأولادنا وبناتنا، وهي في حاجة إلى من يكتشفها ويرعاها ويستثمرها، وهي تختلف من فرد لآخر، وأهمها الرسم والتصوير، والكتابة الإبداعية، والألعاب الرياضية، والأنشطة الفنية والقرائية.
رابعًا- الدراسة:
أكدت الدراسات التربوية والعلمية أن التلاميذ الذين يتابعهم الآباء والأمهات في مدارسهم أكثر تفوقا من هؤلاء الذين لا يتابعهم آباؤهم وأمهاتهم، وقد أرجعت هذه الدراسات أسباب ذلك التفوق إلى عدة أسباب، أهمها:
1- أن التلاميذ المتابعين من قبل أولياء أمورهم حريصون على التفوق، لأنهم يعرفون أن آباءهم وأمهاتهم سيسألون عن أحوالهم ومعدلاتهم، ومن ثم فإن كانت معدلاتهم مرتفعة وأحوالهم إيجابية حققت رضا الوالدين عنهم، على حين أن التلاميذ غير المتابعين من قبل آبائهم وأمهاتهم كثيرًا ما ينحرفون، لأنهم متأكدون من أن ما يفعلونه أو -أكثره- لا يصل إلى علم والديهم، ومن ثم فهم أقل تحملا للمسؤولية، وربما يغيبون عن المدرسة، وإن حضروا فهم كثيرو الشغب ويثيرون المشكلات.
2- إن التلاميذ المتابعين من قبل الآباء والأمهات أكثر اطمئنانا وانسجاما مع المعلمين والمدرسة، ذلك لأن أي أخطار أو معوقات تهددهم، فإن الآباء يتدخلون لإزالتها، بالتعاون مع المدرسة، وذلك على عكس حال التلاميذ الذين لا يجدون آباءهم، ولا أمهاتهم عند حدوث أي مشكلة لهم في المدرسة.
3- تواصل الآباء مع المدرسة يجعل التلميذ أكثر قربًا وتألفًا مع المعلمين وإدارة المدرسة، ومن ثم فلا يشعر باغتراب دراسي ولا اجتماعي، ويكون أكثر تقبلًا للمعلمين والإدارة، وهذا من أهم أسباب التفوق الدراسي والانضباط الأخلاقي.
4- شعور التلميذ باهتمام والديه به يحقق لديه الرضا، والثقة بالنفس، والشعور بالذات، وذلك يعينه على النجاح، سواء في الحياة الدراسية، أم الحياة العامة.
5- تعاون أولياء الأمور مع المعلمين وإدارة المدرسة يعين المعلمين على فهم طبيعة الأبناء ومشكلاتهم، ومن ثم يتيح الفرصة لفهم أنماط شخصية التلميذ، مما يعين المعلمين على حسن تربيته وتعليمه وحل مشكلاته.
6- أثبتت الدراسات والتجارب التربوية أن ثمة علاقة إيجابية بين انتظام أولياء الأمور في حضور مجالس الآباء وبين التفوق الدراسي للتلاميذ.
ويدخل تحت مجال متابعة الدراسة اهتمام الآباء والأمهات بتوضيح ما يصعب فهمه على الأولاد في المقررات الدراسية، ومتابعة درجاتهم في الاختبارات الفصلية، والتأكد من إنجازهم لواجباتهم المنزلية بإتقان، والمذاكرة المنتظمة للدروس والمقررات ومساعدتهم عند التعثر.
وخلاصة القول: إن الاعتدال هو السبيل، والوسطية هي المبتغى، فلا تتجسس على أولادك فتثيرهم، وتدفعهم إلى العناد والنفور والحذر منك، والتكتم عليك، ولا يعني ذلك أن تتركهم ليفعلوا ما يشاؤون -وخاصة إن كانوا أطفالًا- فهم في حاجة إلى النصح والتوجيه، وأن يعرفوا معايير السلوك والتصرفات، فتابعهم ولا تتجسس عليهم، وكلما كبروا أتح لهم الفرصة كي يبنوا شخصياتهم، ويعتمدوا على ذواتهم، ويثقوا بأنفسهم.
[1] (*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد