; هجائية الحب.. «حرف الراء».. روِّح عن أولادك | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب.. «حرف الراء».. روِّح عن أولادك

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1962

نشر في الصفحة 58

السبت 23-يوليو-2011

لقي سيدنا أبو بكر سيدنا حنظلة رضي الله عنهما فسأله كيف أنت يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة، فقال أبو بكر سبحان الله! ما تقول؟ فقال حنظلة: تكون عند رسول الله يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله قلت نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله، وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله تكون عندك تذكرنا بالجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. فقال رسول الله: «والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة.. ساعة وساعة.. ساعة وساعة.. ساعة وساعة». (رواه مسلم).

ومن أقوال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، روحوا القلوب ساعة، فإنها إذا أكرهت عميت.. ومن أقواله أيضًا، روحوا القلوب، وابتغوا لها طرفًا من الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان.. للترويح إذن أصل في ديننا العظيم الجميل الذي حث عليه ودعانا إلى الاهتمام به ويقصد بالترويح الترفيه عن النفس والفسحة بهدف تحقيق الراحة النفسية والجسدية، وإزالة آثار التعب والمشقة والمعاناة والتخفيف من ضغوط الحياة وقد يتصور البعض أن الترويح مضيعة للوقت، وهذا فهم مغلوط لأن العلماء عدوه من وسائل عمارة الوقت يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه  »مدارج السالكين«. وعمارة الوقت الاشتغال في جميع أناته بما يقرب إلى الله، أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب، أو منكح، أو منام، أو راحة، وإن كان له فيها أتم لذة، فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات.

إن الله عز وجل كريم لطيف بعباده يحب أن يرى أثر نعمته على عبده يقول سبحانه وقل من حرم زينة الله التي أخرج العبادة والطيبات من الرزق قل ﴿ قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ﴿٣٢﴾﴾ ( الأعراف).

ولقد لاحظت أن كثيرا من الأباء لا يدرك أهمية الترويح عن أولاده، بل إن بعضهم يعتبره من اللهو المذموم الذي لا جدوى منه.. وفي المقابل.. يسرف كثير من الآباء في الترويح، فيفتح أبواب الترويح على مصاريعها كما ونوعًا دون ضوابط وبلا حدود.. ولا شك في أن الأمر يحتاج إلى توجيه وإرشاد وضوابط.

الترويح المباح

يستطيع الآباء بشيء من التخطيط والإدارة أن يربوا أولادهم على أن أوقات المسلم كلها عبادة، وأن يستثمروا فرصة العطلة الصيفية الآن في الترويح عن أولادهم وزوجاتهم كل حسب إمكاناته لتجديد النشاط والحيوية فيما هو مباح من وسائل الترويح، ففي ذلك طاعة لله عز وجل، وعيش الحياة كما أراد واهب الحياة حيث يقول سبحانه ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿١٦٢﴾﴾  (الأنعام).

تلك طبيعة الإنسان، فهو يميل دائمًا إلى أن يروح عن نفسه ويلهو ويلعب ويمرح ومن هنا أباح الله تعالى له من الترويح واللعب ما يتقوى به على العبادة وعمل الخيرات والقيام بمهامه في الحياة يقول الأبي رحمه الله: سنة الله تعالى في عالم الإنسان أن جعله متوسطًا بين عالم الملائكة وعالم الشياطين، فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الله الليل والنهار لا يفترون، ومكن الشياطين في الشر والإغواء بحيث لا يغفلون، وجعل عالم الإنسان متلونًا!

من هنا كان توجيه النبي الحنظلة يا حنظلة.. ساعة وساعة: أي لا يكون المرء منافقًا إن كان في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور ففي ساعة الحضور نؤدي حقوق ربنا، وفي ساعة الفتور نقضي حظوظ أنفسنا في المباحات.

ونستنتج من توجيه النبي الحنظلة أن الإنسان منا في عمله له شأن، ومع أولاده وأهله له شأن آخر يرفه عن نفسه وأهله وأولاده بالمباح شريطة عدم الإسراف في ذلك، فلا يكون لسان حال المسلم في الترويح خلقت لألعب، فيصبغ حياته باللهو ويترك أدواره الأساسية في الحياة اللهو المذموم اللهو هو الأقوال والأعمال غير الجادة وغير المقصودة كغاية في ذاتها، وتشغل عن ذكر الله، فما شغلك فقد ألهاك.

كما يقولون ذم رجل الدنيا عند سيدنا على كرم الله وجهه فقال الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى واللهو واللعب الذي لا هدف له ودون لمن تزود منها ضوابط يعد غرورًا، وهو منهج الكفار في حياتهم: قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ﴿١٢﴾﴾ (محمد).

فمن شغل حياته باللهو واللعب، وصبغ حياته بهما، وظن أنه خلق ليلهو ويلعب ويتمتع لهته الدنيا بزخرفها، وهو لا شك يختلف عمن روح عن نفسه وأهله وأولاده ليعود إلى عمله في همة عالية ونشاط.

طبيعة الأطفال وحب الترويح

الأطفال مفطورون على محبة اللعب وإدراكهم للحياة غير إدراك الكبار، فالسمات الحركية للأطفال تدفعهم دفعًا إلى اللعب، إذ يؤكد علماء نفس النمو أن الأطفال لديهم طاقات ينبغي التنفيس عنها حركيًا، وذلك نتيجة سرعة النمو في عضلاتهم الكبيرة، وهذا يجعلهم دائمًا في حركة وركض وقفز ومن ثم فهم يميلون إلى الترفيه واللعب واللهو والحركة ومن ثم يجب على الآباء أن يوجدوا متنفسات لهؤلاء الأطفال، وإلا أدى كبتها إلى أضرار نفسية وجسدية على الأطفال.

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تصف موقفًا في حياتها وهي بنت ست سنين، وإني لقي أرجوحة ومعي صواحب لي..» وذكرت القصة (رواه البخاري) فهذه طبيعة الأطفال.

وعن عائشة رضي الله عنها أيضا قالت «كنت العب بالبنات عند رسول الله، وكانت لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل يتقمعن منه، فيسر بهن إلى فيلعبن معي». ( رواه مسلم). وعن الربيع بنت معوذ قالت «أرسل النبي غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطرا فليتم بقية صومه.. قالت فكنا نصومه ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار»  ( رواه البخاري ).

وللكبار ترويحهم

فكما للأطفال وسائل ترويحية تناسبهم فللكبار أيضًا ما يناسبهم من وسائل الترويح ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث عائشة قالت «سابقني النبي فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: هذه بتلك»  (رواه أحمد وأبو داود).

وكان للصحابة رضي الله عنهم مزاح وخصوصًا في الأسفار حيث تمل الأنفس فكانوا يتبادحون أي يرمي بعضهم بعضًا بقطع البطيخ، ومع ذلك كانوا رجالًا عند الجد والعمل والجهاد وروي عن عمر على أنه طلب من ابن عباس رضي الله عنهما وهما في طريق السفر لما مرا بعين ماء، قال عمر تعال أبقيك أينا أطول نفسا أي يغطسان في الماء معًا لينظر كل واحد منهما من الأطول نفسًا من الآخر تحت الماء، وكان عمر شيخًا وكان ابن عباس شابًا حدثًا، فهذا موقف يؤكد استمتاعهم بالترويح وممارسة رياضة الغطس في السفر.

أخطاء ترويحية يجب تصحيحها

لقد تحول الترويح في عصرنا من ترويح محمود إلى لهو مذموم حيث أسرف الناس فيه، وأدمنوه تمتعًا وشهوة، واعتبروه غاية في ذاته وليس وسيلة كما أرادها الشرع، كما تفننوا في صناعته ليجذبوا الشباب إليه ويشغلوهم عن ذكر ربهم، ويلهونهم عن أداء أدوارهم، ويضعفوا هويتهم، فصار كثير من أولادنا لا هدف لهم في الحياة، وانشغلوا بتوافه الأمور على حساب الثوابت والأصول والأساسيات والضرورات: لذا فإنه من الواجب أن نبين هنا ضوابط الترويح كي يعلمها الآباء والأمهات والأولاد، ففي مراعاتها والأخذ بها صيانة لهم والمجتمعاتهم وأمتهم.

الضوابط الشرعية والتربوية للترويح

ثمة قاعدة شرعية تؤكد أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد نص بتحريمه، ولما كان من الصعب حصر الأمور المباحة لكثرتها، فلعله من المفيد للأباء والمربين والأمهات والأولاد كذلك أن أحدد هنا بعض المحظورات الشائع الوقوع فيها حتى يتجنبها الجميع ويتوقونها، وأهم هذه الضوابط ما يلي:

- ما اشتمل على النرد، وهو حجر الزهر المكعب المعروف لقوله «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير أودمه». (رواه مسلم).

- ضرب الوجه، كما يحدث في بعض الألعاب كالملاكمة مثلًا، لأن الشرع كرم الوجه، فنهى النبي عن ضربه القمار لأنه محرم.

- ألا يؤدي اللعب والترويح إلى الصد عن ذكر الله والصلاة والطاعات والعبادات وفعل الخيرات، وألا يؤثر سلبًا على إتقان العمل، ألا يضر بالجسم أو النفس أو الغير كما في الألعاب النارية، وقطار الموت للكبار وإثارة الثيران لتتصارع.

- ألا يثير الفتنة أو الفساد، كما يحدث عند ممارسة الفتيات أو النساء غير الملتزمات ألعابًا بثياب غير شرعية تفتن الرجال.

ألا يتعلق القلب بوسائل الترويح بحيث تشغله عن واجباته.

ألا تغرس عنفًا لفظيًا أو سلوكيًا في الأولاد، ومن ذلك ألعاب الكرتون والأفلام والمسلسلات المتسمة بالعنف.

- ألا تبت السحر أو الخرافات كالقصص والروايات والمسلسلات سواء المرئية أو المكتوبة، وغير ذلك من البرامج المشعوذة.

ألا تكون وسائل الترفيه والترويح بها مخالفات شرعية، أو تسيء للآخرين بسخرية أو أي نوع من الإيذاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 179

419

الثلاثاء 11-ديسمبر-1973

قضية المرأة.. بين الماضي والحاضر

نشر في العدد 1250

109

الثلاثاء 20-مايو-1997

المجتمع التربوي العدد 1250

نشر في العدد 1346

93

الثلاثاء 20-أبريل-1999

بريد القراء (1346)