; هجائية الحب (۲۰) «حرف الفاء» فوضهم ولا تدخلهم | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب (۲۰) «حرف الفاء» فوضهم ولا تدخلهم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011

مشاهدات 49

نشر في العدد 1973

نشر في الصفحة 56

السبت 15-أكتوبر-2011

جاء في «مختار الصحاح»، فوض إليه الأمر تفويضا: أي رده إليه، ومن ثم فتفويض الأب أولاده يعني أن يوكل إليهم بعض المهام التي يقوم بها، كي يدربهم على اكتساب مهارات حياتية مقصودة.

وقد ورد لفظ «أفوض » بمعنى «رد الأمر» مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قول مؤمن آل فرعون: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (غافر:44). فمعنى ﴿ َأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ﴾في الآية هنا: أي أرد أمري إلى الله تعالى.

ومن مواقف التفويض التي سجلها القرآن الكريم، تفويض نبي الله موسى لأخيه هارون عليهما السلام، وذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف:142).

يقول الزمخشري: روي أن موسى وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يومًا وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه «أي تغير رائحة فمه»، فتسوك، فأوحى الله تعالى إليه: «أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟»، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة. 

ولما عزم موسى عليه السلام على تلبية أمره للقاء المناجاة قال لأخيه هارون: «اخلفني في قومي»، أي كن خليفتي فيهم، وقم بأدواري ومهامي إلى أن أرجع من لقاء ربي، ثم ساعده ببعض التوجيهات التي تعينه على أداء دوره بنجاح، فقال: «وأصلح» أي أصلح أمرهم، ولا تتبع سبيل المفسدين، أي ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض، وقاوم المفسدين.

يظن كثير من الآباء والأمهات أن تدليلهم الزائد لأطفالهم هو نوع من الحب والحنان والعطف الذي ينبغي أن يتعامل به الآباء والأمهات مع أولادهم الحق أن لهذا التدليل الزائد خطورته وآثاره السلبية على بناء شخصية الأولاد، ومن أبرز هذه الآثار أن التدليل الزائد ينتج شخصية مهزوزة، لا يثق صاحبها بذاته شخصية غريبة النكهة والسمات، وتبرز هذه الآثار بشكل أوضح في الابن الوحيد، أو من توجد له أخوات إناث فقط، أو الطفل المولود متأخرًا. 

وقد يحدث التدليل الزائد بشكل مباشر وقد يحدث أيضًا بشكل غير مباشر، وأيًا كان شكل التدليل، فإن من أهمها فرض وصاية كاملة على الأولاد، وإغلاق أبواب ممارسة المهارات الحياتية عليهم، فلا يسمحون لهم بممارسة حياتهم، ولا يفوضونهم القيام بمهام ضرورية لإكسابهم مناعة اجتماعية تعينهم على مجابهة مشكلات الحياة.

فما أكثر ما يقول الآباء والأمهات للبنت أو للولد ليس لك الحق في أن تختار شيئًا نحن نختار لك أنت لست ملك نفسك، إنما أنت ملكنا.. لا تجهد نفسك ولا تتعب ذاتك.. لا تصاحب غيرنا، واحذر الآخرين.. إنهم حاسدون حاقدون طامعون معتدون.. طلباتك أوامر، ورغباتك قرارات يجب علينا أن ننفذها.

خطورة عدم التفويض

إن عدم تفويض الوالدين للأولاد سوف يؤدي إلى إيجاد شخصية محبطة عاجزة ضعيفة في مناعتها الاجتماعية، يمكن تسميتها «شخصية الصوب الزراعية»، فهي ضعيفة، مهزوزة، اتكالية، سلبية، هشة، قابلة للكسر، عند أول عقبة أو صدمة تواجهها، إنها شخصية قابلة للتلف عندما تواجهها أية متغيرات في الأجواء الاجتماعية. 

إن الإنسان هو وحدة تكوين الأسرة والأسرة لبنة بناء المجتمع، فإذا أردنا أن نبني مجتمعًا قويًا، فينبغي أن نحرص على قوة لبناته، ولن تكون لبناته قوية إلا بقوة الإنسان، وهذه المهمة العظيمة تقع على عاتق الآباء والأمهات.

والحاجة إلى الحب مطلب أساسي يشعر به الأولاد، ويلحون في طلبه، ولكن ينبغي أن ينتبه الوالدان إلى أن هناك حبًا يصنع الرجال والنساء صناعة قوية متينة، كما أن هناك حبا يوجد شخصيات ضعيفة مهزوزة غير سوية والنوع الأخير من الحب هو ذلك الحب المشبع بالتدليل الزائد، وفرض الوصاية التامة على الأولاد، وعدم السماح لهم باتخاذ أية قرارات تخصهم، وإن كانت بسيطة، فهناك آباء وأمهات يتدخلون في أدق الخصوصيات لأولادهم حتى أنهم يفرضون عليهم ملابسهم، وطريقة حياتهم، فرضًا قسريًا، والأولى أن يكون التوجيه تربويًا، يقوم على التفاهم والحوار والإقناع. 

ويشير التربويون إلى أن فرض الوصاية على الأولاد، وحظر تفويضهم لأداء بعضهم المهام الحياتية قد يؤدي إلى ميوعة زائدة في الشخصية، وإلى ضعف القدرة على تحمل المسؤولية، وشدة الالتصاق بالوالدين، وعدم القدرة على حل المشكلات، وقد يؤدي ذلك إلى أن يكون الطفل أنانيا، يريد لنفسه كل شيء ولا يحترم حقوق الآخرين، ولا يهتم حتى بوالديه اللذين أشبعاه تدليلا، وواقع الحياة ينطق بكثير من المآسي، والأدلة على ذلك لا تحتاج من القارئ سوى أن يجري إحصائية بسيطة لمن يعرفهم من الذين تربوا تربية تدليل وفرض وصاية من قبل الوالدين، ثم كم بالمائة منهم يبرون آباءهم، ويتحملون مسؤولياتهم تجاه من يعولون، ويستطيعون أن يجابهوا مشكلات الحياة ويقدروا على حلها. 

إن مثل هذا الطفل الذي يتربى على التدليل وفرض الوصاية من قبل الوالدين وتلبية كل رغباته عندما يواجه الحياة بمفرده، فهو لا يجد الآخرين يعطونه كما أعطاه والداه، ومن ثم فهو دائما ينتظر أن يمنحه الناس من حوله كل شيء، وعندما لا يتحقق له ذلك يكون شديد الإحباط، وربما يحقد عليهم، وقد يدمر ممتلكات غيره، وقد يكون متبجحًا في ردود فعله، ولا يتصرف التصرف اللائق، ويبدو أمام الناس سيئ الخلق قليل الذوق، وربما يكون قاسيًا، بل قد يسلك سلوكيات معيبة في سبيل أن يحصل على ما يريد، وربما يصير دكتاتورًا مع من يتعامل معهم، ويرى نفسه محور الكون، فهو يريد دائما أن يحظى باهتمام من حوله، فإذا انفض الناس من حوله قد يقترف أي تصرف أهوج سعيًا منه إلى أن يحظى باهتمام الآخرين، كما كان يحظى بذلك من والديه، فإذا لم ينجح في الفوز باهتمام الآخرين، فإنه حينئذ لا يجد أمامه سوى الانطواء، لأنه يشعر بأنه غير مقبول من الناس.

ثمرات التفويض

أولًا: تنمية مهارات الحياة:

إن تفويض الوالدين لأبنائهم وبناتهم ينتج ثمارًا تربوية عظيمة، ومن أهم هذه الثمار أن التفويض ينمي لدى أولادنا مهارات الحياة.

والمهارات الحياة أهمية كبيرة بالنسبة لأولادنا، لذا فقد خصصت لها مناهج دراسية في مراحل التعليم في السنوات الأخيرة. 

ويقصد بمهارات الحياة «مجموعة من السلوكيات والتصرفات والقرارات الصادرة من الفرد، تمكنه من أن يعيش معتمدًا على ذاته في حياته، ويندمج في مجتمعه بإيجابية ويتكيف مع الآخرين. 

فمهارات الحياة تساعد الولد على الاعتناء بنفسه، وببيئته ومجتمعه، وتجعله سعيدًا متعاونًا مع الآخرين.

كما أن التفويض ينمي القدرة على تحمل المسؤولية، وينمي قدرات أولادنا على تحمل ضغوط الحياة.

والمهارات الحياتية السالفة الذكر تنمي جميعها من خلال تفويض الوالدين للولد أو البنت للقيام ببعض الأدوات، سواء داخل البيت أم خارجه، في المدرسة، أو البيئة، أو المجتمع.

وبالإضافة إلى المهارات الحياتية السالفة الذكر، فإن تفويض الآباء للأولاد من شأنه أن ينمي مهارات حياتية أخرى مثل: الاعتماد على النفس في إعداد الطعام، وارتداء الملابس، وغير ذلك من المهارات المنزلية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وفهم الذات والآخرين، وحسن التعامل مع الأزمات وتجنب حدوثها، والقدرة على التفكير بأنواعه المختلفة، وتنمية مهاراته، والإبداع والابتكار، والقدرة على حل المشكلات، سواء الشخصية، أم الاجتماعية، وتشعر الفرد بالنجاح، والراحة النفسية، والسعادة الناتجة من تحقيق النجاح، وتهب الفرد حب الآخرين واحترامهم له، وتقديرهم لأدائه، وتساعده على تطبيق ما تعلمه في الحياة، فيكون التعلم حينذاك أبقى أثرا، وأجدى فائدة، وتزيد من دافعية أولادنا للتعلم، وإثبات الذات، وإحراز النجاح، وتحقيق الأهداف. 

ثانيًا: مهارات إدارة الذات:

فالتفويض يكسب أولادنا مهارات مهمة لإدارة الذات من أهمها: تقوية التحكم في الذات، وتقدير الذات، ومعرفة الحقوق والواجبات، واكتشاف مواطن القوة والضعف في الذات، ومراقبة الذات، وتقويمها بموضوعية.

ثالثًا: مهارات التفاوض / الرفض:

فتفويض الوالدين يكسب الأولاد عدة مهارات لازمة لإكسابهم القدرة على التفاوض من أهمها: إدارة النزاع، تأكيد الذات مهارات الرفض، مهارات الإقناع.

رابعًا: مهارات الذكاء العاطفي

فلا شك أن تفويض الوالدين للأولاد يكسبهم التقمص العاطفي «أي تفهم الآخرين والتعاطف معهم»، والتماس الأعذار للآخرين وتفهم احتياجاتهم وظروفهم، وامتصاص الغضب، وإحسان التعامل مع مواقف الحزن والقلق والتعامل مع الخسارة والصدمات والإساءات من الآخرين.

خامسًا: مهارات العمل الجماعي:

فالتفويض يكسب أولادنا مهارات العمل في فريق واحترام أساليب الآخرين وآرائهم وتقويم إسهام الآخرين في العمل الجماعي ومهارات قيادة الفريق، وقيمة الطاعة المبصرة وحسن التعامل مع الفروق الفردية.

سادسًا: مهارات صنع القرار وحل المشكلات:

 إن تفويضنا لأولادنا يكسبهم عدة مهارات ترتبط بصنع القرار، وحل المشكلات كجمع المعلومات وتقييم النتائج المستقبلية للإجراءات الحالية، على الذات، وعلى الآخرين والقدرة على تحديد المشكلة، واقتراح حلول لها، واختبار صحة هذه الحلول وتجريبها.

سابعًا: مهارات التفكير:

فالتفويض يدفع أولادنا إلى التفكير ويفتح لهم آفاقًا ومجالات لتنمية مهارات التفكير، وأنماطه المختلفة، كالتفكير الناقد والإبداعي، والمنطقي، والتقاربي والتباعدي والتشعبي... وغير ذلك من أنماط التفكير.

ثامنًا: مهارات إدارة التعامل مع الضغوط:

 فتعويضنا لأولادنا يكسبهم مهارات إدارة الوقت، وإدارة فرق العمل، وإدارة الاجتماعات والتفكير الإيجابي، وتقنيات الضغوط.

تاسعًا: مهارات الحوار المجتمعي:

فمن خلال ممارسة أولادنا للأدوار الحياتية عن طريق التفويض يمكنهم من أن تنمو ذاتيا مهارات الحوار مع الآخرين، وأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم بإدراكهم المستويات الحوار، وتجنب الأساليب السلبية للحوار.

عاشرًا: مهارات الدعوة وكسب التأييد:

 فالتفويض ينمي عدة مهارات مهمة لنجاح أولادنا دعويًا، أهمها: مهارات التأثير في الآخرين، والإقناع، والتحفيز، وجذب الآخرين، واستثارة عواطفهم، والتركيز على احتياجاتهم.

وصايا تربوية مرتبطة بالتفويض

  1. افتح قفص البلبل ودعه يغرد في حرية.. دعه يستمتع بالهواء النقي، والشمس المشرقة.
  2. شجع أولادك على التحاور معك واستشرهم، وشجعهم على أن يستشيروك.. وأتح لهم الفرصة ليناقشوك ويبدوا آراءهم فيما يخصهم أو يخص شؤون البيت. 
  3. حملهم المسؤوليات، وامنحهم الثقة فيمكنك أن تفوضهم في قضاء بعض أنشطتك اليومية، ووزع عليهم شؤون البيت وتوقع أن يخطئوا، وتقبل أخطاءهم، ولا تجلدهم على الخطأ، وقلل من لومك لهم، لأن كثرة اللوم وشدة العقاب تزلزل ثقتهم بأنفسهم، وتجعلهم سلبيين إيثارًا منهم للسلامة.
  4. أحسن تقدير قدرات ولدك، فلا تفوضه في أداء مهمة فوق قدراته، لأن ذلك سيشعره بالإحباط، وقد يؤدي به إلى العزوف عن أداء مثل هذه المهام.. وابدأ دائما بتفويضه لأداء ما يحسنه ويتقنه، واستمر في تشجيعه ثم كلفه بمهمة أخرى أخذا بمبدأ التدرج. 
  5. ادع دائما لولدك بدعاء عباد الرحمن:﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾) (الفرقان:74).
الرابط المختصر :