العنوان هجوم على ليبيا.. أم دفاع عن الفساد في الأرض؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1972
مشاهدات 44
نشر في العدد 92
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 21-مارس-1972
هجوم على ليبيا.. أم دفاع عن الفساد في الأرض؟
قررت ليبيا الشقيقة منع المجلات -عربية وأجنبية- التي تحمل الصور النسائية العارية المثيرة.
ومن حق ليبيا أن تفعل هذا، بل إن ما فعلته كان وفاء بالقيام بواجبها نحو أخلاق الإسلام، وحماية الأجيال من عوامل الإثارة.
لكن بعض الناس -ونقولها بأسف حار وإشفاق عليهم- لا يطيق أي مظهر أو خطوة تتجه بالناس نحو الفضيلة، وتبعدهم عن دائرة التخلف الخلقي، أي عن فوضى الإثارة الجنسية، وجنون العري والفساد.
فبعيد القرار الليبي بمنع الصحف والمجلات الخليعة دخول ليبيا كتبت إحدى الصحف الكويتية تنتقد في سخرية بادية هذه الخطوة.
صحيح أن البعض قد استنتج أن لدوافع النقد خلفيات أخرى، أعمق وأبعد مربوطة بما كتبته نفس الصحيفة عن ليبيا قبيل قرار المنع هذا.
أيًا كان الأمر، فإن كلمتنا هذه مركزة على نقد «النقد»، أو على أداء واجبنا تجاه كل بادرة طيبة تتعرض للسخرية والهجوم والتجريح.
إن الأمانة كانت تقتضي من الصحيفة التي لم يعجبها قرار حماية الآداب العامة من الخدش والانتهاك أن تضع هذه الخطوة ضمن اتجاه ليبيا العام نحو الإسلام.
لأن تناول جزء واحد من الظاهرة -مع إهمال دراسة الظاهرة وتقييمها ككل- اتجاه لا يقود إلى حكم سليم ولا إلى فقد بناء.
في ليبيا اتجاه عام نحو الإسلام:
· فإحياء فريضة الزكاة وقيام جهاز رسمي خاص لجمعها وتوزيعها.
· وتحريم الخمور والمسكرات جميعًا.
· وإلغاء وتعديل وضبط القوانين بما يتفق مع الشريعة الإسلامية ويخدم أهداف الإسلام.
· والاهتمام باللغة العربية -لغة القرآن- داخل ليبيا، وفي جميع المؤتمرات التي تشترك فيها ليبيا.
· وإغلاق النوادي الليلية ومراتع الفساد.
· والدعوة والتحضير لمؤتمر فكري إسلامي ضخم... إلخ.
كل هذه الخطوات تشكل ظاهرة عامة في ليبيا، ظاهرة إسلامية تستحق الدراسة والتقييم.
لماذا؟
· لأن للإسلام الدور الأكبر والأعظم في صناعة تاريخ هذه الأمة.
وإذا كانت تحولات بعينها في تاريخ هذه الأمة قد جرت بعيدًا عن الإسلام، فإنها كانت تمثل «نقاط» ضعف بارزة، وانحدار إلى أسفل في خط بيانها الفكري والخلقي والحضاري.
وبروز دعوة -على مستوى رسمي- إلى الأخذ بالإسلام من جديد جديرة -وفق الاعتبار السالف- بالاهتمام، لأنها دعوة تتصل بتاريخ الأمة وحاضرها ومستقبلها.
· ولأن الواقع يؤكد أن كل الحلول -شرقية وغربية- فشلت في علاج مشكلاتنا، وعجزت عن النهوض بنا.. وإزاء هذا تطلعت الأمة إلى حل جديد يعيدها إلى ربها أولًا.
ويضع أقدامها على الطريق الصحيح في مناهج التشريع، وبناء الإنسان، ويمكّنها من الأخذ بعوامل التقدم في غير رفض ساذج، وفي غير قبول مخدوع.
فهل تنجح ليبيا في هذا الاتجاه؟
وما هي شروط النجاح وعوامله؟
وما هو واجب الإعلام في العالم العربي والإسلامي نحو ما يجري في ليبيا؟
حول هذه الأسئلة وغيرها كان ينبغي أن يأخذ الحديث مداره.
وكان ينبغي أن يتجه النقد إلى طريقة أخرى بناءة.. فما يزعم رجل مخلص أن التجربة الإسلامية في ليبيا كاملة لا يشوبها نقص، ولا يعتريها عثار، بل إن كل حريص على إنجاح التجربة، يجب عليه أن يكون أول المنبهين لما يراه من ثغرات في العمل أو التخطيط.
· هل ينقص العمل الإسلامي في ليبيا القاعدة الشعبية المؤمنة التي تحمي الإسلام بوعيها.. وحسها.. ودمائها إن اقتضى الأمر.
· هل ينقص العمل الإسلامي في ليبيا «الصفوة» التي تشرف على التطبيق؟ ذلك أن ما يعانيه العالم هـو مشكلة «التطبيق»، فهل تفلح ليبيا في إيجاد هذه الصفوة المقتدرة الأمينة؟
· هل ينقص العمل الإسلامي في ليبيا «حركة إعلامية» واسعة النطاق، تغرس في وعي الجماهير ضرورة ارتباطها المصيري بالإسلام، وتتجه هذه الحركة نحو العالم تبشر بقيام مجتمع خير نبيل فاضل، يمكن أن يكون نموذجًا لكل من يريد الخير والتقدم والسمو في عالمنا هذا؟
· هل ينقص العمل الإسلامي في ليبيا «المزيد» من الحريات داخل إطار الإسلام كشرط أساسي في عملية بناء الشخصية المسلمة؟
هذه موضوعات يمكن الحديث عنها، ونحسب أن الإخوة في ليبيا لا يسعهم إلا الاستماع إلى مثل وجهات النظر هذه.. بل هم دعوا إلى مؤتمر فكري يعقد في بلادهم للاستماع -مباشرة- إلى مختلف وجهات النظر.
لو أن النقد الموجه كان في هذا الإطار، لشكرنا الذي يوجهه، لأنه عندئذ يخدم التجربة ولا يهدمها.
أما أن يقع بعض الناس على قرار بعينه، فيوسعه سخرية وتهجمًا وتجريحًا، فهذا ليس عملًا حميدًا.. ولا نقدًا مفيدًا، ويدل على أن بعض الصحف في الكويت أخذت على عاتقها -إذا استثنينا أي اعتبار آخر- أن تكون حامية لموجة الخلل الاجتماعي والخلقي التي تجتاح عالمنا العربي والإسلامي.
ونحن نعرف لو أن ليبيا اتخذت خطوات معاكسة لوجدت من نفس الصحف مدحًا مسرفًا.. وتمجيدًا عظيمًا!!
لو أن ليبيا أباحت الخمور.. لقالوا: عاشت ليبيا!
لو أن ليبيا أقامت المراقص.. لقالوا في سرور: تحيا ليبيا!
إن كل غيور على دينه وأعراض أمته، يحزنه أن يرى الصحف والمجلات العارية، تكتسح في جنون أسواق وبيوت العالم العربي، إذا ملك أحد الغيورين السلطة المغيرة، فرد هذه الموجة عن قومه اتُّهم بالردة والرجعية.
إن ليبيا قامت بواجبها الأخلاقي في مواجهة هذا الغزو الفاسد.. وفي نفس الوقت طبقت -عمليًا- ما ورد في قانون المطبوعات الكويتي -نظريًا-.
نعم: فإن قانون المطبوعات في الكويت، يتيح للمسؤولين منع أي مطبوعات تخدش الآداب العامة.. وتمس حرمة الأديان.
· فالمادة «٢٦» من قانون المطبوعات الكويتي تنص على أنه «يحظر نشر ما من شأنه أن يخدش الآداب العامة».
· والمادة «٣٧» من نفس القانون تقول -بالنص-: «يجوز محافظة على النظام العام أو الآداب أو حرمة الأديان، منع تداول مطبوعات واردة من الخارج».
فما هو موضع الغرابة إذًا؟
إن الشيء الطبيعي أن يدعى المسؤولون في الكويت للقيام بمثل هذه الخطوة تطبيقًا لقانون كويتي ومحافظة على أخلاق البلد، وحماية للشعب وأبنائه وبناته من استغلال تجار الصور العارية، وأطماع أصحاب الصحف والمجلات الذين يدمرون أعصاب الشباب، ويتلفون أخلاقه من أجل ربح حرام يضعونه في جيوبهم الخاصة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل