; هذا بيان للناس646 | مجلة المجتمع

العنوان هذا بيان للناس646

الكاتب محمد علي الصابوني

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1983

مشاهدات 96

نشر في العدد 646

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-نوفمبر-1983

كنت قد كتبت سلسلة مقالات في مجلة المجتمع الزاهرة، حول «عقيدة أهل السنة والجماعة» بينت فيها بعض أمور غامضة، قد تَخفى على بعض المثقفين، ولعل البعض ظن أنني غاليت في الثناء على الأشاعرة الذين خالفوا مذهب السلف أو أنني أدخلت في أهل السنة والجماعة من ليس منهم من الفِرَق الذين يظنونها منحرفة عن طريقة أهل السنة من أهل التأويل لآيات وأحاديث الصفات.. أو يظن أنني فضلت مذهب «الأشاعرة» على مذهب السلف الصالح.!

وتبيينًا للحقيقة، ودفعًا للالتباس، وأداء للأمانة العلمية، التي أوجبها الله على العلماء، في قوله جلَّ ثناؤه ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران:187) وقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (الأحزاب:39).. أذكر هنا هذه الحقائق العلمية، إعذارًا وإنذارًا ليَنْجلِي الصبح، وتنبثق أنوار الحقيقة، من غياهب ظلام الشكوك والشبهات ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:42).

الحقيقة الأولى: 

إنني ما قصدت بمقالاتي الخمس المنشورة في مجلة المجتمع، ترجيح «مذهب الخلف» على «مذهب السلف» ولا أردت الترغيب في اعتناق مذهب الأشاعرة المرجحين لطريقة التأويل،

بل أردت إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، بِرَدِّ الأمر إلى نصابه، في موضوع هام، يجهله الكثيرون من أبناء هذا الزمان، دون أن يجهدوا أنفسهم في تلقِّي دُرَرِه ونفائسه، عن أهل الاختصاص من العلماء الأعلام ، هذا الموضوع هو «من هم أهل السنة والجماعة» الذين أمرنا الله عز وجل في محكم آياته البينات، بسلوك طريقهم، والانضواء تحت لوائهم، لنأمن فتنة الفُرقة، وعذاب الجبار بقوله جل ثناؤه ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:115)؟!

«نزاهة... وتجرد»

لقد قلت في أولى مقالاتي: أسأل الله عز وجل أن يجمع المسلمين على مذهب واحد في المعتقد، هو مذهب السلف الصالح، لتخلص من هذه «المشكلة الدولية» التي فرقت المسلمين، وجعلتهم كالنصارى شيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون، وذلك بجهاد العلماء المخلصين، وما ذلك على الله بعزيز؟!

وقلت أيضًا: إن السبب في تمزُّق وحدة المسلمين، هو فقدان «القيادة الواعية» الرشيدة، التي تعمل على جمع الشمل، ورأب الصدع... فالمسلمون يُذبحون في كل مكان.. في آسام وفلسطين وأفغانستان ولبنان.... ونحن نتناظر ونتجادل: هل جهاد هؤلاء المسلمين للأعداء جهاد إسلامي مقدس؟ أم هو غير جهاد شرعي ديني، لأن المسلمين في بعض تلك البلاد، يتمذهبون بمذهب الأشاعرة أو الأحناف؟

الحقيقة الثانية:

 إن الخلاف في بعض أمور العقيدة، لا يخرج الإنسان عن دائرة الإيمان.. ولا عن جماعة أهل السنة، فقد اختلف الصحابة أنفسهم في أمر هام من أمور العقيدة، ألا وهو موضوع «رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه» فابن عباس رضي الله عنه أثبت الرؤية عند معراجه صلى الله عليه وسلم فقال: رأى محمد ربه.. وعائشة رضي الله عنها نفت ذلك نفيًا قاطعًا وقالت: من زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية! ولم يجعل أحد هذا الخلاف سببًا للخروج عن الملة والدين، وكذلك وقع الخلاف في أمر الميزان والصراط بين علماء السلف، ومع ذلك ظل الخلاف بينهم بمنأى عن التناحر والتشاجر، ورمْيِ بعضهم بعضًا بالضلال، على عكس حالنا اليوم.

الحقيقة الثالثة:

 إن التأويل لبعض آيات أو أحاديث الصفات، لا يخرج المسلم عن جماعة «أهل السنة» فمنه ما هو خطأ، ومنه ما هو صواب.. وهناك آيات صريحة في التأويل، أولها الصحابة والتابعون، وعلماء السلف، وما يتجرأ أحد أن ينسبهم إلى الضلال، أو يخرجهم عن أهل السنة والجماعة ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك:

1- ورد النص القرآني الكريم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة:67) فكيف يصح نسبة النسيان إلى الله عز وجل وهو القائل ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ (طه:52)؟ أليست الآية

 تحتاج إلى تأويل؟ وقد أولها علماء السلف بما يتفق مع الآية الثانية.

٢- ذكر تعالى في آيات كريمة الاستهزاء، والسخرية، والمكر في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة:15) وفي قوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (التوبة:79) وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران:54) فلننظر كيف أوَّلَهَا علماء السلف، وعلي رأسهم ابن جرير وابن كثير، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة:15) وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء:142) وقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة:67) وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الإستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء، مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق، والمعنى مختلف، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (الشورى:40) وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة:194) فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفقا في اللفظ، فقد اختلف معناهما، وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك».

فهذا هو شيخ علماء السلف- ابن كثير- يؤوِّل تلك الآيات بما يتفق مع عقيدة المسلم، من اتصاف الله بكل كمال، وتنزيهه عن كل نقص... فالنسيان، والمكر، والخداع، والاستهزاء، وأمثالها كلها صفات نقص لا تليق بالله جل وعلا، فلا بد إذًا من تأويلها وحملها على معنى مستقيم، فيه تنزيه الله جل وعلا عما يوهم اتصافه بما لا يليق من صفات البشر..

الله تعالى لا يمرض، ولا يجوع، ولا يعطش، ولا يركض، ولا يهرول، ولا يمل، ولا تعتريه عوارض مما تعتري البشر، فكيف يصح أن نفهم أمثال هذه النصوص التي وردت في السنة المطهرة؟ ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى يوم القيامة: «إبن آدم مرضت فلم تعدني» الحديث هل نقول: إن الله يمرض مرضًا يليق بجلاله؟ أم لابد من تأويله؟ وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله لا يمل حتى تملوا».. الحديث هل يصح أن نقول: «إن الله يسأم ويمل مللا يليق بجلاله». وفي قوله تعالى في الحديث القدسي «وإن جاءني يمشي أتيته هرولة» فهل يركض الله تعالى ويهرول؟ أم لابد م تأويلها تأويلًا صحيحًا، كما أولها علماء سلفنا الصالح؟

إذًا ليس الأمر كما يظن البعض، أن مذهب السلف ليس فيه تأويل مطلقًا بل مذهب السلف هو تأويل ما لا بد من تأويله، والإيمان بما يجب الإيمان به من الصفات، مع نفي المماثلة والمشابهة وهذا ما نص عليه الحافظ البيهقي- وهو من كبار علماء السلف- في كتابة القيم «الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة» حيث يقول رحمه الله، بعد أن ذكر حديث النزول «ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» قال الإمام البيهقي: وأصحاب الحديث فيما ورد به الكتاب والسنة، من أمثال هذا- ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين في تأويله- على قسمين:

أ- منهم من قَبِلَه، وآمن به ولم يؤَوِّلُه، ووكَّل علمه إلى الله تعالى، ونفى الكيفية والتشبيه عنه.

ب- ومنهم من قَبِلَه وآمن به، وحمله على وجه يصح استعماله في اللغة، ولا يناقض التوحيد، وقد ذكرنا هاتين الطريقتين في كتاب «الأسماء والصفات» في المسائل التي تكلموا فيها من هذا الباب(۱) فهذا إمام جليل من أئمة علماء السلف، يذكر صراحة أن أهل 

السُّنة منهم من أوَّلَ، ومنهم من لم يؤول... وإن التأويل بوجه يصح استعماله في اللغة لا يناقض التوحيد.. فكيف نرمي بالضلالة كل من أوَّلَ شيئًا من آيات أو أحاديث الصفات؟

وعلي هذا المضمار مشى علماء أهل السنة، فأوَّلُوا بعضًا من تلك النصوص... وتوسع بعضهم في تأويل الصفات، فوسعوا «دائرة التأويل» وأخطئوا في هذه التوسعة، ولكنها على كل حال، لا تنقلهم إلى الضلال، ولا تخرجهم عن جماعة أهل السنة، غاية ما في الأمر أن نقول إنهم أخطئوا في هذا المسلك، ولا نحكم بضلالهم، ولا نطردهم من أهل السُّنَّة، طالما لهم مستند من دليل شرعي أو عقلي، فمن الأدلة الشرعية التي استند إليها من أول الإتيان في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة:210) بأن المراد إتيان أمره، استدلوا بقوله تعالى في سورة النحل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ (النحل:33) فقالوا يحمل المطلق هناك ﴿أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة:210) على المقيد هنا ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ (النحل:33) فكيف يصح لنا أن نرميهم بالضلال وهم يستدلون بآيات القرآن؟ ومن الأدلة العقلية التي

_________________ 

(1) تفسير ابن كثير 2/383

 احتجُّوا بها في موضوع حديث النزول «ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا»... إنه ما من ساعة من ساعات الليل والنهار، إلا وفيها ثلث أخير من الليل، ذلك بسبب كروية الأرض ففي كل ساعة ثلثٌ أخير في بلد من البلدان، فلذلك أوَّلوا النزول، لئلا يبقى الطلوع والنزول مستمرًا مدى أربع وعشرين ساعة.

ومع اعتقادنا بخطأ هذا المسلك، إذ لا تقاس صفات الباري جل وعلا بمنطق العقل فحسب، لكننا لا نُضللهم ولا نُخرجهم عن جماعة أهل السنة لأن لهم مستندًا في هذا التأويل من العقل أو الشرع، ونكتفي بأن نقول: هذا المسلك خاطئ، لا ينبغي أن يسلكه الإنسان، إذ صفات الله جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

الحقيقة الرابعة:

 إن الكثيرين من أبناء المسلمين يجهلون «مذهب الأشاعرة» ولا يعرفون من هم الأشاعرة، ولا طريقتهم في أمر العقيدة... ولا يتورع البعض أن ينسبهم إلى الضلال، أو يرميهم بالمروق من الدين، والاتحاد في صفات الله!

وهذا الجهل بمذهب الأشاعرة، سبب تمزق وحدة «أهل السنة» وشتت شملهم، حتى غدا البعض يسلك «الأشاعرة» ضمن طوائف أهل الضلال، كالخوارج، والروافض، والجهمية... ولست أدري كيف يقرن بين أهل الإيمان، وأهل الضلال؟ وكيف يساوي بين أهل السنة، وبين غُلاة المعتزلة وهم الجهمية؟!

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم:35-36)؟

وهذا الأمر الخطير، هو الذي دعاني أن أكتب تلك المقالات حول «عقيدة أهل السنة والجماعة» وأن أخرج هذا البيان، لأوضح من هم الأشاعرة؟ ومدى الخطأ الفاحش، والضرر الجسيم، الذي يترتب على سلك الأشاعرة، في سلك أهل الزيغ والضلال.

«من هم الأشاعرة»

  • الأشاعرة: هم أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين.. الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها... وأطبق الناس على فضلهم وعلمهم ودينهم.

  • هم جهابذة علماء أهل السنة، وأعلام علمائها الأفاضل الذين وقفوا في وجه طغيان المعتزلة.

  • هم الذين قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعلماء أنصار علوم الدين، والأشاعرة أنصار أصول الدين» الفتاوى الجزء الرابع.

  • إنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الأئمة الأعلام، شيخ الإسلام «أحمد بن حجر العسقلاني» شيخ المحدثين بلا مراء، صاحب كتاب «فتح الباري على شرح صحيح البخاري» أشعري المذهب، وكتابه لا يستغني عنه أحد من العلماء.

  • وشيخ علماء أهل السنة «الإمام النووي» صاحب شرح صحیح مسلم وصاحب المصنفات الشهيرة أشعري المذهب.

  • وشيخ المفسرين الإمام القرطبي صاحب تفسير «الجامع لأحكام القرآن» أشعري المذهب.

  • وشيخ الإسلام «ابن حجر الهيثمي» صاحب كتاب «الزواجر عن اقتراف الكبائر» أشعري المذهب.

  • وشيخ الفقه والحديث الإمام الحجة الثبت «زكريا الأنصاري» أشعري المذهب.

  • والإمام «أبو بكر الباقلاني» والإمام «الباجوري» والإمام النسفي، والإمام الشربيني، وأبو حيان التوحيدي صاحب تفسير البحر المحيط والإمام ابن جزي صاحب تفسير التسهيل في علوم التنزيل... إلخ كل هؤلاء من أئمة الأشاعرة.

ولو أردنا أن نعدد هؤلاء الأئمة الأعلام، من المحدثين والمفسرين والفقهاء، من أئمة الأشاعرة لضاق بنا الحال، واحتجنا إلى مجلدات في سرد أولئك العلماء الأفاضل الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها، إن من الواجب أن نرد الجميل لأصحابه، وأن نعرف الفضل لأهل العلم والفضل الذين خدموا شريعة سيد المرسلين، من العلماء الأعلام.

وأي خير يُرجى فينا إذا رمينا علماء الأعلام، وأسلافنا الصالحين بالزيغ والضلال؟

وكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم، إذا كنا نعتقد فيها الإنحراف والزيغ عن طريق الإسلام!!

إنني أقول: هل يوجد بين علماء العصر، من «الدكاترة» والعباقرة من يقوم بما قام به شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي، من خدمة للسنة النبوية المطهرة، كما فعل هذان الإمامان الجليلان، تغمدهما الله بالرحمة والرضوان؟! فكيف نرميهما- وسائر علماء الأشاعرة- بالضلالة، ونحن بحاجة إلى علوم هؤلاء؟!

وكيف نأخذ العلوم عنهم إذا كانوا على ضلال، وقد قال الإمام الزهري رحمه الله «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»!!

إنما كان يكفي أن نقول: إنهم رحمهم الله اجتهدوا فأخطئوا في تأويل الصفات، وكان الأولى بهم ألا يسلكوا هذا المسلك... بدل أن نرميهم بالزيغ والضلال، ونغضب على من عدَّهم من أهل السنة والجماعة؟

وإذا لم يكن الإمام النووي، والعسقلاني، والقرطبي، والباقلاني، والفخر الرازي، والهيثمي، وزكريا الأنصاري، وغيرهم من جهابذة العلماء، وفطاحل النبغاء... إذا لم يكونوا من أهل السنة والجماعة، فمن هم أهل السنة إذًا؟

إنني أدعو مخلصًا كل الدعاة، وكل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، أن يتقوا الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وبخاصة في أجلة علمائها، وأخيار فقهائها، فأمة محمد بخير إلى قيام الساعة... ولا خير فينا إذا لم نعرف لعلمائنا قدرهم وفضلهم، وفي الحديث الصحيح «ثلاثة من أصول الإيمان: الكف عمن قال «لا إله إلا الله» ولا نكفر مسلمًا بذنب، والإيمان بالأقدار» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

  • وكما يكون الدين بتقصير الثياب، كذلك يكون بتقصير اللسان عن أهل الإيمان، فلا نضلل ولا نتهم بالزيغ والإلحاد من خالف رأينا... فإن من سُمُوِّ الإسلام وعظمة جماله، أن فتح المجال أمام العقول والأفكار، للتسابق والتنافس في الفهم والاستبصار، ولم يحجر على أحد إبداء رأيه واجتهاده في شؤون العقيدة والدين، فمنهم المصيب ومنهم المخطئ، وكل له أجر على الاجتهاد، طالما مستنده الكتاب والسنة.

وعلى الدعاة أن ينتبهوا إلى خطر الفُرقة والنزاع، الذي يديره لهم الأعداء، بالمكر والخفاء، فالمسلمون بخير ما داموا إخوة متحابين، معتصمين بحبل الله، ولن يهلكوا حتى تكون الأهواء هي السائدة، وهذا ما حذرنا منه القرآن ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (آل عمران:105) ... هذا ما أردت توضیحه(1) وبيانه للإخوة المؤمنين حول عقيدة أهل السنة ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ (غافر:44) …

(1) الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة ص ٤٤

الرابط المختصر :