العنوان هذا موسم الرجوع لكتاب الله
الكاتب محمد صادق الكاروري
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1984
مشاهدات 60
نشر في العدد 674
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-يونيو-1984
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم، ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. والصلاة والسلام على المبعوث هدى ورحمة للعالمين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وأحيا سنته وأقام شريعته إلى يوم الدين صلاة وسلامًا كثيرًا وبعد فمن نعم الله التي تستوجب الشكر وتؤكد الحمد أن يطل علينا رمضان العظيم هذا العام وهناك في السودان يعود المؤمنون إلى الإسلام بعد طول اغتراب عنه منهجًا وحكمًا ومسلكًا بطريقة إيجابية متفردة لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلًا إذ تتجاوب قمة السلطة مع إرادة الشعب في قناعة لا يتطرق إليها الشك وإخلاص لا يحتاج إلى دليل فتطبق القوانين الحدية كل الحدود وينفذ القانون الجنائي والمدني الإسلامي وقانون الزكاة الذي ألغى أكثر من عشرين قانونًا ضرائبيًا في السودان كل ذلك يتم في فترة زمنية قياسية لا تزيد على بضعة أشهر.
حقًا إن السودان بذلك قد أنار شمعة مضيئة في ظلام البشرية ولعل في ذلك مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما تحدث عن الثلة الآخرة بانتصار الدين برعاة الإبل من السودان. أرجو أن يراجع ذلك في تفسير ابن كثير الآية ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (الواقعة: 14).
ونرجو في رمضان هذا وهو موسم الرجوع إلى الله حيث تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين فهو شهر التوبة والرحمة والمغفرة والعتق من النار.
نرجو في هذا الشهر المبارك أن يفكر ولاة الأمر في أرض الإسلام بأن يعودوا إلى الإسلام بنية صادقة وعمل مخلص ليس أقوالًا منمقة وخطبًا جوفاء وبذلك يخرجون من مضمون آيات سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ...... الظَّالِمُونَ...... الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 44، 45، 47).
بذلك وحده تعود الشعوب الضالة إلى الله لأن ضلالها مفروض عليها بالقسر وبسوء التوجيه من ولاة الأمر فهو ليس من تفكيرها أو تدبيرها فهي ما فتئت تتحرق إلى من يأخذ بيدها إلى الجادة ويدفعها إلى الطريق المستقيم هذا هو سواد الأمة وعامتها.
بجانب هذا يحزن المرء كثيرًا حينما يجد بعض الشباب من العرب عازفين عن الإسلام مجاهرين بعدائهم له معتنقين لفلسفات أخرى غريبة عن مجتمعهم طوعت لهم أنفسهم أن يفرضوها على الناس بمنطق تنقصه الحجة ويعوزه الدليل.
ناسين أو متناسين أنهم بهذا المسلك الأعوج إنما يتركون مائدتهم الطيبة الصالحة ويحاولون العيش على فتات موائد الآخرين.
فلديهم الإسلام فكرًا والقرآن منهجًا ربانيًا لا تبلو جدته ولا يخلق على كثرة الرد تتطلع إليه القلوب الراضية المرضية وتنشد الراحة في النفوس الطاهرة الزكية فما تلك الفلسفات الغريبة الغربية إلا ضلالات ناقصة من نسج البشر نعم قد أسهمت في التقدم العلمي التقني الذي هو بعض ما يحتاج إليه الإنسان في الحياة إذ الإنسان ليس مادة جامدة أو عجماء فهو مكون من جسد وروح ولا بد لكل منهما من غذاءٍ يجدده ويشبعه.
وقد فشلت تلك الفلسفات المادية حتى الآن أن تقدم للناس ما يسعد الناس فهي قد فشلت أن تقدم الراحة المنشودة والطمأنينة المرجوة لأنها أسقطت من حسابها مخاطبة القلوب والروح واكتفت بإشباع الغرائز والجسد فقد وفرت لهذه ما استطاعت من جهد بشري ممكن وأهملت تلك إهمالًا تامًا لأن تلك لا تبحث في المعمل ولا تخضع للمعادلات الرياضية.
ولا غرابة أن نجد مرض العصر في الدول المتقدمة تكنولوجيا هو الهلوسة وفقدان الأعصاب سلوا عن ذلك إحصائيات المستشفيات هناك فهي خير شاهد ولذلك عمد بعض المفكرين منهم إلى اعتناق الإسلام بعد إلحاد دام زمنًا طويلًا بالدين بل صاروا يدعون إلى الإسلام وينشرونه بين ذويهم نجد ذلك في ألمانيا الغربية وفرنسا وإنجلترا أو أمريكا.
فيا شباب الإسلام كان الأجدر بكم أن تعودوا أنتم للإسلام فقها ومعرفة وسلوكًا ومنهجًا ثم تحاولوا أن تقدموه واضحًا للناس فأنتم الذين قد وصف الله سبحانه وتعالى أسلافكم الخيرين بقوله جل من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).
ألا ترون أن من الكياسة والرشد أن يحاول المرء أن يدخل نفسه في مضمون هذه الشهادة بجهده لا بنسبه لأن النسب وحده لا يسوى عند الله شيئًا إن لم يصحبه صالح العمل «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» لأن الجميع من آدم وآدم من تراب؟
لفت انتباهي حملة الدعاية الظالمة على ما يجري من محاولات إسلامية جادة في السودان. وإذا سلمنا بأن الأشبه بأعداء الإسلام أن يحملوا تلك الحملة الرعناء فما بال أبناء المسلمين من العرب؟
هم في الحقيقة واحد من ثلاثة نفر يكفرون بالإسلام وإن كانوا من أبناء المسلمين وهم الذين اعتنقوا مبادئ إلحادية كافرة. وبعضهم يقرون بالإسلام كدين وربما يؤدون الشعائر ولكن يرفضون الإسلام كمنهج للحياة وتطبيق لأحكام الشرع. وهؤلاء جهلة ضالون ينبغي أن يرشدوا وأن يعلموا أن الإسلام دين شامل لا يفرق بين الشريعة والعقيدة إذ الجميع من عند الله وكما نوحد الله سبحانه وتعالى بالعقيدة نوحده بتطبيق شرعه وإقامة شعائره.
أما الصنف الثالث فهم الذين يتشككون في كل شيء وبذلك يسهمون في هدم كل أمر جديد جيد مفيد بترددهم وتواكلهم ويجيزون لأنفسهم أن يصدروا الأحكام من غير تثبت أو يقين خصوصًا إذا كانت أحكامًا تتفق ما ألفوه من خطأ وعاشوا به حقبة من الزمن.
يصدقون كل دعاية تتفق مع شكوكهم حتى ولو كانت دعاية مغرضة كأنهم ما سمعوا قول الله سبحانه وتعالى في نداء موجه للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).
إن الدعاية الغربية ضد الإسلام معروف سعيها ومرماها ولكن كان ينبغي على أبناء المسلمين أن يكونوا أكثر ذكاء وفطنة حتى لا يكونوا إمعات للآخرين وأن يكونوا يدًا واحدةً ضد عدو واحد مشترك ما فتئ يتحين الفرص ويسعى لنقضها لسعي المسلمين، إن الاستعمار العسكري لن يعود لأرض الإسلام بإذن الله مرة أخرى ولكنهم رضوا بما دون ذلك من هيمنة فكرية وابتزاز لاقتصاد المسلمين وأرض الإسلام.
فهلا نظرنا بوعي إلى ما نحن فيه حتى لا نعين أعداءنا علينا بدعوى العلمانية والتقدم تلك الكلمات الجوفاء الخادعة؟
إن العلمانية الحقيقية يا قوم هي أن ترتبط حركة الحياة بمنهج لا يضل ولا يخطئ وليس هناك بين العالمين الآن كتاب واحد لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه سوى كتاب الله القرآن الكريم الذي تعهد الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
وذلك ليكون حجة للناس أو عليهم، وأرجو من الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر الكريم أن يجعلنا من الذين ينظر إليهم فيبارك مسعاهم ويسرد خطاهم وكل عام وأنتم بخير.