العنوان حقيقة الصراع بين أربكان والنخب العسكرية العلمانية
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1241
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 11-مارس-1997
في الجلسة التي عقدت في الأول من مارس الجاري لمجلس الأمن القومي التركي فوجئ قادة الجيش بأن الرئيس أربكان يصحح مفاهيم العلمانية لقادة الجيش، حيث أحضر لهم (٥٣) دستورًا لدول شرقية وغربية تعرف مفهوم العلمانية، وبين أن العلمانية الحقيقية في هذه الدساتير لا تعادي الدين، وأن النظام الديمقراطي الصحيح لا يتدخل في شؤون الدين ولا الحريات الشخصية، وإذا كفلت الدساتير العلمانية حرية تعري المرأة، فهي أيضًا لم تعارض حرية حجاب المرأة، وأسقط في يد القادة العسكريين فلم يك بدٌّ من كشف المستور، وهو أن العسكريين الأتراك ليسوا في الواقع حماة العلمانية التركية الكمالية، بقدر ما يقومون بخدمة أهداف ومصالح خاصة لنخب عسكرية وسياسية علمانية فقدت امتيازات معينة من الائتلاف الحكومي بين أربكان وتشيللر، وعليه أصدر العلمانيون العسكريون بيانًا لم يوقعه أربكان ظاهره القضاء على النمو الديني في تركيا، لكنه يحقق هدفًا سياسيًا، وهو إسقاط حكومة ائتلاف الرفاه والطريق القويم، حيث طالبوا على سبيل المثال بوقف مسيرة الدعوات الناشطة لتطبيق الشريعة الإسلامية ومراقبة المؤسسات الدينية ماليًّا، والتطبيق الحرفي للقوانين الواردة في الدستور التركي بخصوص العلمانية، ومنع سيطرة الإسلاميين ونفوذهم في البلديات، وتحويل المدارس الدينية المخصصة لتخريج الأئمة إلى مدارس مهنية.
ودعوا إلى إغلاق معاهد تحفيظ القرآن وزيادة فترة التعليم الابتدائي من خمس إلى ثماني سنوات، مع التشديد على منع بيع وشراء بنادق الصيد وإيقاف توظيف الإسلاميين المسرحين من الجيش في بلديات الرفاه.
وقد حاول أربكان أن يسيطر على محاولات تفجير الوضع من قبل العلمانيين العسكر والنخب السياسية بتصريحه بعد ذلك الاجتماع بأن هناك انسجامًا بين الطرفين، حيث نفى أن يكون هناك خلاف بين الائتلاف الحكومي وبين العسكريين المدافعين عن التقاليد العلمانية، إلا أن أحد القادة العسكريين وهو سكرتير مجلس الأمن القومي أكد أن القوات المسلحة ليست في تجانس إلا مع أولئك الذين يدافعون عن المبادئ العلمانية للجمهورية التركية، وقام بتسريب قرارات الاجتماع والتي تعتبر سرية، فما كان من أربكان إلا أن رفض تلك القرارات علانية، وأكد على أن مجلس الأمن القومي التركي هيئة استشارية لا يمكنه أن يطلب من الحكومة اعتماد قوانين إلا بعد عرضها على مجلس الشعب التركي، ودعا إلى احترام الدستور التركي.
وهنا بدأ الصدام وتفجر الموقف، لكن ما حقيقة الموقف؟ الظاهر للناس هو صراع بين سياسات أربكان الإسلامية، وبين العسكر الذين ائتمنهم الدستور العلماني التركي للحفاظ على المبادئ الأتاتوركية للدولة التركية الحديثة.
وفي الحقيقة إن ذلك ليس بصحيح، فهذه تشيللر تصرح بأن بناء مسجد في حي تقسيم لن يفتح أسطنبول، كما أكدت تشيللر ـ وليس أربكان ـ بأن المعاهد الدينية ومعاهد الأئمة والخطباء موجودة منذ أكثر من أربعين سنة.
والحقيقة أن الائتلاف الحاكم بقيادة أربكان يواجه صراعًا سياسيًّا وماليًّا ضد مصالح طبقات النخب السياسية والإعلامية والعسكرية العلمانية التي فقدت امتيازاتها نتيجة هذا الائتلاف، وتمكن أربكان في إحداث نمو اجتماعي نسبي، وتصحيح وإصلاح مجموعة من المسارات الاقتصادية والسياسية.
فالجيش يحاول أن يحافظ على امتيازاته وقدراته في الضغط على القرار السياسي حتى يحافظ على نفوذه الذي بدأ يخترق يفعل التعديلات التي يجريها أربكان وفق حقه الدستوري، كما أن أربكان وحزب الرفاه بحكم مواقعهم في السلطة بدؤوا بالاطلاع على الكثير من الأسرار التي كانت خاصة للنخب العسكرية العلمانية، وتعاونها مع النخب السياسية لتحقيق مصالح مالية في صفقات شراء الأسلحة وغيرها.
أما الأحزاب التي تقودها النخب السياسية العلمانية فإنها بدأت تخسر مواقعها الشعبية، حيث يقر المراقبون بانسحاب ما بين ٥٠ ألفًا إلى ٦٠ ألف ناشط وناخب تركي إلى حزب الرفاء أسبوعيًا، وتحاول تلك الأحزاب أن تمارس لعبتها المفضلة في فك وتشكيل الحكومات، حيث لم تستقر تركيا خلال ٥٤ حكومة، وأن هذه الحكومة قد حققت إنجازًا شعبيًّا في تحقيق برامج رفع رواتب الموظفين، وفتح فرص العمل، وتخفيض العجز وإيقاف من التضخم.
أما الصحافة فهي متضررة أيضًا؛ لأن أربكان أوقف مصالحها الخاصة وإسرافها في استنزاف ميزانية الدولة بالمليارات نظير إعلانات للدولة فقط، ومن ثم تستفيد من هذه المليارات في المضاربات التجارية، حيث تستورد بهذه الأموال مواد تجارية وتبيعها في شكل كوبونات للقراء، وبمنع أربكان لمثل هذا التحايل المالي وفر لخزينة الدولة المليارات التي كانت تستنزفها الصحافة التركية بغير وجه حق.
كما تضررت بعض النخب الاقتصادية والتي كانت تستفيد من بعض الإجراءات، وأعطى أربكان فرصة لكل عامل تركي بأن يحق له إدخال سيارة إلى تركيا، مما أفقد أولئك ـ الذين يعدون على الأصابع ـ الاستفادة من مثل تلك الإجراءات، فقد أنعش أربكان ملايين العمال على حساب أفراد من أصحاب رؤوس الأموال فكانت الضجة والمواجهة.
وعندما بدأ أربكان بمواجهة الفساد ـ والذي يقوده بعض النخب الأمنية والسياسية العلمانية والمافيا ـ بدأت الضجة وانفجار الموقف، لقد حقق أربكان خلال ٦ أشهر نوعًا من الراحة الاقتصادية للمواطن التركي، وتمت زيادة الرواتب، والدولة لم تقترض ولم تفرض ضرائب جديدة كما أوقف التضخم، ولأول مرة في تاريخ تركيا توضع ميزانية متعادلة المصروفات تعادل الإيرادات.
وبالرغم من ابتعاد الرفاه عن المناصب السيادية في الحكومة إلا أن العلمانيين لا يشعرون بالسيادة، فالسيادة أصبحت بيد الوزارات الخدمية؛ لأن وزراء الرفاه يقومون بدورهم الصحيح للناس، ولكن من سيفوز في هذا الصراع المتفجر العسكر والنخب السياسية العلمانية، أم أربكان وائتلافه؟
هناك عدة سيناريوهات:
الأول: قيام الجيش بانقلاب كثورة تصحيحية وإعادة ترتيب النظام الانتخابي من جديد بما يمنع فوز الرفاه بأغلبية تساعده في تشكيل حكومة، وهذا السيناريو مستبعد؛ لأن الجيش مشغول ومنهمك بالحرب مع الانفصاليين الأكراد، بالإضافة إلى التوتر مع اليونان وقبرص، عدا أن الجيش لم يستفد من الانقلابات السابقة، فبعد كل انقلاب تأتي حكومة تخالف هوى الجيش، بالإضافة إلى أن تركيا لن تصبح دولة ديمقراطية، مما يقلل من فرص مساندة الأوروبيين لدخولها في الاتحاد الأوروبي.
والسيناريو الثاني: وهو سحب الثقة من الحكومة «الائتلاف بين أربكان وتشيللر»، حيث لم يحقق العلمانيون نصرًا في ذلك حيث يتطلب توحيدًا لجهودهم وهم لم يتفقوا على صيغة سابقة في تشكيل حكومة فيما بينهم.
السيناريو الثالث: هو تفجير الخلاف فيما بين الائتلاف الحاكم، وهو ما تسعى إليه الأحزاب، لكن العلاقات بين حزب تشيللر وبقية الأحزاب علاقة متفجرة وغير مستقرة. بل إن علاقة حزب الطريق القويم بحزب الرفاه تكاد تكون أفضل من باقي الأحزاب.
إذن فالرابح هو أربكان وائتلافه للأسباب التالية:
1ـ دافع أربكان عن الحريات العامة عندما اعترض على المواد التي حررها العسكريون في بيان مجلس الأمن القومي، فهو بذلك يضرب مثلًا للحفاظ على مبادئ الدستور التركي.
٢- دافع أربكان عن تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون المؤسسة المدنية والبرلمانية، حيث يمنع الدستور التركي المؤسسة العسكرية بالاشتغال بالسياسة أو التدخل في فرض قرارات على البرلمان أو الحكومة، واعتبر أربكان أن مجلس الأمن التركي هيئة استشارية، وبذلك يؤصل أربكان سيادة قرارات المؤسسات الشعبية والمدنية.
3ـ دفاعه عن حقوق الإنسان، حيث قاوم رغبة النخب السياسية والعسكرية العلمانية في فرض التزامات وقيود على الممارسات الدينية والشعائرية للناس، ودعا إلى احترام حقهم في التعبير عن آرائهم، وحقهم في اختيار نمط حياتهم الديني، وقد صرح أربكان معقبًا على بنود بيان مجلس الأمن التركي قائلاً: «لا يمكن للدولة أن تتذرع ببعض الحالات المتفرقة للتعرض لحقوق الإنسان».
٤- دفاعه عن الديمقراطية، حيث أكد أن الصراع في الأفكار لا يعني أن يمنع طرف دون طرف في التعبير عن رأيه، وأن حزب الرفاه والإسلاميين جزء من الشعب التركي ولو كان هذا الجزء أقلية إلا أنه في الحقيقة يعبر عن أغلبية الشعب التركي، وعليه يجب احترام رغبتها في تشكيل حكومة تلبي رغبتها وتحقق طموحها.
إذن في الحقيقة.. إن العلمانيين والجيش في مأزق، فالانقلاب سيظهر أربكان بطلًا مدافعًا عن الحريات
والمؤسسات المدنية، وسيضع الجيش عدوًا لها. وفي نفس الوقت فإن رفض أربكان للتوقيع على خطاب العسكر يظهره أيضًا بأنه انتصر على رغبات العسكر العلمانيين.
لكن حقيقة الصراع هو أن الساسة الأتراك يكررون لعبتهم المفضلة في إسقاط الحكومات لتحقيق المصالح التي يرجون استمرارها على حساب الشعب التركي، والحل للخروج من المأزق هو أن يتنازل كلا الطرفين عن التشدد غير اللازم لثبات الحياة السياسية في تركيا.