العنوان الافتتاحية- هذا هو الطريق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1982
مشاهدات 68
نشر في العدد 560
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 09-فبراير-1982
الهزيمة الحقيقية في حياة الأمم والشعوب ليست الهزيمة في معركة عسكرية أو معركتين، إذ الحرب كما هو معروف كر وفر، الهزيمة الحقيقية تكمن في الهزيمة الحضارية وضياع الشخصية، والأنكى من ذلك ذوبان شخصية المهزوم في شخصية الغالب، والهزيمة الحقيقية هي أن تظل المبادرة بيد العدو يفعل ما يريد، يخلق فعلًاوواقعًا جديدًا في كل يوم، ويظل المهزوم أسير ردفعل للواقع الجديد.
والذي يتأمل في قصة العرب مع يهود يجد أن يهود منذ أقاموا لهم دولة في فلسطين عام ١٩٤٨ ظلوا يخلقون وقائع جديدة لم تزد ردود أفعال العرب عليها عن التلهي بالتهديد والوعيد أو الويل والثبور، وبفعل هذه السياسة اليهودية الماكرة لم يعد اليهود «عصابات» ولا «دولة مزعومة» في نظر ساسة العرب، بل أصبح غاية ما يتمناه أكثر الأنظمة وطنية وقومية وتحررًا أن تستقر «إسرائيل» في حدود ما وصلت إليه في حرب حزيران ١٩٦٧! وبعضهم مستعد للتجاوز عن تعديلات طفيفة في تلك الحدود، والأكثر وطنية يطالب بالاعتراف «بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإسرائيل إن استجابت لذلك ستلقى الاعتراف الذي هو اعتراف شكلي بالنسبة لكثير من الأنظمة، كما ستلقى الحدود المفتوحة و«تطبيع العلاقات» على الطريقة المصرية، لكي تمتزج «العقلية الصهيونية المبدعة» مع المال العربي لتنشأ أعظم حضارة في العصر الحديث كما قال اليهود، وكما روج بعض عملاء اليهود من بني جلدتنا وذوي المسؤوليات الكبرى فينا!!
هذه هي القصة «المأساة» كما يبصرها كل من فتح الله عليه، وألقى الغشاوة عن بصره.. لكن أين من يعتبر؟
● واليوم بعد صدور قرار هيئة الأمم بإدانة قرار إسرائيل ضم الجولان تتأكد «المأساة» وتتجلى بوضوح أكثر.
فبالرغم من أن العرب منذ أن شلت قدرتهم على الحركة، فلجأوا يستجدون قاعات هيئة الأمم المتحدة لم يحققوا شيئا إلا السخرية والهزء، وبالرغم من أن إسرائيل قامت خلافًا لبروتوكولات الأمم المتحدة.. وبالرغم من أن المجتمع الدولي يقر أن تاريخ إسرائيل حافل بخرق القرارات الدولية وضربها عرض الحائط .. إلا أن إسرائيل ظلت هي هي.. تقوى يومًا عن يوم!
وبالرغم من أن قرار ضم الجولان وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها لا يعني كثيرا طالما أنها محتلة بتواطؤ عربي مشهور، إلا أن العرب أقاموا الدنيا ولم يقعدوها -بالكلام طبعًا- ولجأوا إلى مجلس الأمن، وهناك كان يكفيهم لطمة «الفيتو» الأميركي لكنهم تحملوا اللطمة، واستأنفوا الشكوى للجمعية العامة للأمم المتحدة.
● وصدر القرار من الأمم المتحدة في بداية هذا الأسبوع- لا ليضيف جديدًا- بل ليعتبر إسرائيل «دولة غير محبة للسلم ولا تفي بالتزاماتها كدولة عضو في الأمم المتحدة»! ومع أن هذا القرار لا ينص على مقاطعة إسرائيل كما ذكرت الصحافة، بل وقالت عنه الوكالات ليس ملزمًا، ويكاد يكون من المؤكد أن يلقى تجاهلًا أكيداً، وهذا صحيح، إلا أننا وجدنا مندوب دولة عربية يصرح باعتزاز أن القرار «نصر كبير لحركة السلام والحرية»! كما وجدنا مندوب الجامعة العربية يقول: «إن اجتماعًا لوزراء الخارجية العرب يعقد في تونس في ۱۲ فبراير الحالي سيدرس عملًا لمتابعة هذا القرار» وبعد اجتماعات لا يعلم مداها إلا الله، وإذا لم يحقق القرار غايته الرئيسية بتراجع إسرائيل عن قرار ضم الجولان، فالعرب كما يؤكد مندوب الجامعة العربية «سنطور استراتيجية أخرى لإجبار إسرائيل على احترام هذا القرار»! وإلى أن تفكر الأنظمة العربية في «استراتيجية أخرى» تكون إسرائيل قد خلقت واقعًا جديدًا إما في الجنوب اللبناني وإما في الضفة وإما في قطاع غزة وإما في تيران وصنافير وإما في أعماق الأراضي العربية الأخرى، لينشغل العرب قبل غيرهم بالواقع الجديد فيحاولون أن يزيلوا آثاره بالشكوى إلى هيئة الأمم!
● والذي نحب أن نوصله إلى الأنظمة العربية بلا استثناء إن شعوبكم لم تعد تؤمن بشيء اسمه هيئة الأمم، ولا المؤتمرات الدولية، ولا حتى مؤتمرات القمة العربية، أو وزراء الخارجية أو غيرهم، والذي نود أن نوصله للأنظمة جميعا أن إسرائيل لا يمكن مواجهتها مواجهة صادقة والنصر عليها إلا بعد استكمال جملة أمور أساسية:
لابد من إعادة النظر في سياسة القنوات الدولية كطريق لإحقاق الحق، وحصر ذلك في مجرد محاولة إقناع الرأي العام العالمي بعدالة قضيتنا.
ولابد من مساعدة جادة وحقيقية للذين يحملون السلاح في وجه العدو، وفتح جميع الحدود وإزالة جميع العراقيل في لبنان وسوريا والأردن لانطلاق العمل الفدائي الفلسطيني نحو العدو اليهودي.
ولا بد من إصلاح الأمر مع الله والمبادرة إلى التوبة النصوح والعزيمة الصادقة لتطبيق المنهج الإسلامي في مختلف نواحي الحياة، ولابد من استثمار طاقات الأمة البشرية والمادية بما يعود عليها بالخير وخاصة الثروات النفطية ومداخيلها.
ولابد أيضا من إصلاح الأمر مع الشعوب بإطلاق حرياتها وإشراكها في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والعامة.
إننا ندرك أن السير في هذا الطريق قد يكون صعبًا وشاقًا، ولكنه سهل بالتأكيد لمن أخلص النية والقصد.. وهو على كل حال الطريق الوحيد، ونريد أن تدرك الأنظمة السياسية العربية أن حالة التخلف التي تعيشها الأمة مهما تداخلت فيها العوامل والأسباب، ومهما كانت الشعوب مسؤولة في كثير من الجوانب.. إلا أننا ندرك أن السبب الحاسم لتخلف الأمة العربية والإسلامية هو سبب سياسي بالدرجة الأولى، ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن الويلات والمصائب تتابعت في الأمة بعد سقوط الخلافة الإسلامية، وعلى كل حال فالأمر قابل للتجربة، فليعزم نظام واحد على الانخلاع في التبعية السياسية الأجنبية، وليعزم على المضي في الطريق المستقيم، وعندها سيرى كيف يتغير الحال من حال إلى حال، من تبعية إلى استقلال، ومن قلق إلى استقرار، ومن ذل إلى عزة وكرامة وإنا لمنتظرون!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل