العنوان هكذا يفكر إيهود باراك
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1434
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 16-يناير-2001
أفصح عن عنصريته وعدائه للعرب والإسلام أمام النخبة الصهيونية
معالم رؤيته للمرحلة الراهنة: تحقيق إجماع داخلي لمواجهة تداعيات عنيفة
اغتيال القيادات الفلسطينية بضربة واحدة وتشريد العمالة إلى العالم العربي
ثلاثة تحولات استراتيجية في المنطقة أطلقت صفارات الإنذار لدى صناع القرار الصهيوني
باراك: الدولة الفلسطينية اختراع مصري غايته تدمير إسرائيل.. بإقامة هذا الكيان سيبدأ العد التنازلي لدولة اليهود.. عد قصير جدًا
في كامب ديفيد بعت ظاهريًا كل شيء.. لكن المقامرة نجحت كما يجب!
باراك: عرب إسرائيل تخطوا لأول مرة الخط الفاصل بين العداء السلبي والتأييد العلني للعدو!
على رئيس وزراء الكيان الصهيوني إيهود باراك أن يخوض خلال الشهور القليلة المقبلة اختباره السياسي الحاسم، فإما أن يفرغ من الملفات المتراكمة قبيل الانتخابات، أو يخسر الانتخابات مقابل مرشح الليكود، بما قد يلقي به بعيدًا عن المعترك السياسي.
وليس من قبيل المبالغة القول إن باراك يقف مكتوف اليدين أمام الحصاد المر الذي تسببت حكومات صهيونية متعاقبة في زرعه، بما فيها حكومته بكل تأكيد. فالتسوية السياسية التي ارتطمت بالجدار الشامخ بعد تسع سنوات من التعثر عليها أن تتمخض عما يمكن أن يكون انتحارًا داخليًا لأي مسؤول في موقعه، من خلال تقديم تنازلات جزئية للفلسطينيين، أو أن على عملية التسوية، أن تكشف عن وجهها القبيح تمامًا للشارع الفلسطيني المسلح بالغضب والحجارة، وببعض السلاح الخفيف أيضًا.
القدس المحتلة: خدمة قدس برس
باراك يقف اليوم أمام المفاصل الحساسة والشائكة في عملية التسوية، التي تكفي كل من منها على حدة لإشعال فتيل مواجهة يصعب تطويقها. ولكن التحدي السياسي الداخلي لا يبدو هينًا هو الآخر، إزاء تصاعد شعبية اليمين الليكودي، وتنامي نفوذ الأحزاب الدينية التي تستعد لاقتسام نصيب أوفر من كعكة الكنيست قبيل الصيف المقبل.
كيف يفكر باراك في هذه المرحلة؟
خلال ذلك، يثور التساؤل عن الطريقة التي ينظر بها رئيس الحكومة الغارق في متاعبه إلى التحديات المعقدة التي تحيط به من كل جانب، فضلًا عن الكيفية التي يفضل أن يتعامل من خلالها مع الملفات المتراكمة على أجندته السياسية وليس من شيء أقدر على الكشف عن رؤية باراك في هذه المرحلة الدقيقة من ذلك الخطاب السري الذي ألقاه في مقر وزارة الدفاع في تل أبيب قبل أسابيع قليلة، وتطرق فيه إلى مجمل الوضع الراهن الذي أفرزته المواجهات اليومية الدامية في انتفاضة الأقصى ومستقبل عملية التسوية والتوازنات الداخلية في الكيان الغاصب، فضلًا عن شكل الدولة الفلسطينية المقبلة، وأوضاع الفلسطينيين وراء الخط الأخضر.
وكان ذلك الخطاب الذي ألقاه باراك في الخامس والعشرين من (أكتوبر) الماضي قد تسرب إلى وسائل الإعلام.
ومما يزيد من أهمية الخطاب أنه ألقي على مسامع قمة النخبة السياسية والعسكرية والأمنية للدولة العبرية، بما فيها رئيس أركان الجيش وقادة أجهزة الاستخبارات الموساد، والشاباك، والاستخبارات العسكرية، ولفيف من كبار قادة وجنرالات الجيش ومقربو رئيس الوزراء من بين أعضاء مجلس الوزراء الأمني، وكذلك بحضور ثلاثة من كبار المسؤولين في أحزاب المعارضة اليمينية، وعلى رأسهم زعيم الليكود أرئيل شارون.
باراك يبدد مخاوف اليمين
استهل باراك خطابه بنزع فتيل المخاوف الكامنة في صفوف اليمين من عواقب سياساته، وقال في هذا الصدد: الذين يراقبون من بينكم سياستي بشيء من القلق المحق يسألون أنفسهم بالتأكيد كيف حصل أن إيهود المقلد بالأوسمة (العسكرية)، والذي لم يخف يومًا رأيه بشأن العرب من جهة أو اليساريين اليهود من جهة أخرى، أصبح مهيئًا لبيع الجولان وغور الأردن، والهرب من لبنان، وتقسيم القدس، والتخلي عن مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) لصالح ألد وأسوا أعداء إسرائيل؟! لقد سئلت في غير مرة كيف أنني أقدر على الزحف على بطني أمام كل حاكم عربي تافه، وأن أرتبط بجوقة اليساريين من (حزب) ميرتس، وأجلس في مكان واحد مع يوسي بيلين الذي لا شك أنكم تعرفون جيدًا رأيي فيه وفي أمثاله؟!
وكي يجيب باراك عن تلك الأسئلة التي تحمل الكثير من المفارقات، فضلًا عن إيحاءاتها العدوانية والعنصرية إزاء العرب سارع إلى القول: اسمحوا لي أن أبدأ باستعراض قصير للوراء، فليس سرًا أنني ورثت بعد فوزي في الانتخابات سياسة أرض محروقة من بنيامين نتنياهو.
ومن يتفحص بصورة جوهرية سياسة قائدي ومعلمي إسحاق رابين سيجد أن الحكومة برئاسته لم تنقل لمنظمة التحرير الفلسطينية إلا ٤٠ تقريبًا من أراضي يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وغزة، ويضمن ذلك كل التجمعات الكبيرة للسكان العرب لكن هذه (الأراضي) كانت معزولة عن بعضها البعض دون أي إمكان للربط الإقليمي فيما بينها.
هذا الفصل أوجدته معسكرات الجيش الإسرائيلي ومواقع الاستيطان اليهودي وكان إسحاق قد طبق عمليًا سياسة الأقضية، التي أتبعها صديقي أريك أرئيل شارون الذي يجلس معنا هنا، والذي يتضح من خلال إيماءات رأسه أنه موافق على كلامي، شكرًا لك يا أريك شكرًا وكما تعرفون جميعكم جيدًا فقد عارض إسحاق بشدة إقامة كيان عربي مستقل في أرض إسرائيل الغربية، ورأى في ذلك كارثة قومية لإسرائيل، أنتم تذكرون بلا شك أقواله التي أكدها مرارًا وتكرارًا، خطيًا وشفهيًا، واقتبست عنه: دولة فلسطينية لن تقوم إلا على أنقاض إسرائيل»، وهي إشارة إلى عبارة وردت في يوميات إسحاق رابين التي نشرها الكاتب الإسرائيلي بنحاس شروط.
فخ رابین: كيان فلسطيني مقطع الأوصال
وفي إطار استعراضه لمغزى سياسة رابين أضاف باراك يقول: كان من المفترض أن إقامة حكم ذاتي عربي في أقضية (مناطق) منفصلة إقليميًا أن يحقق هدفين... فصل معظم السكان العرب في يهودا والسامرة عن «إسرائيل» بما يقلص بدرجة كبيرة التهديد الأمني، وسد الطريق أمام أي إمكان لقيام دولة (فلسطينية) عن طريق الفصل الإقليمي..
ووجه باراك انتقادات لسياسات سلفه الليكودي من خلال المفاوضات قائلًا: كان هذا السيد نتنياهو الذي باع في اتفاقيات وأي ٩٢% من مساحة يهودا والسامرة، وبذلك أتاح عن طريق تحقيق تواصل إقليمي من جيوب (مناطق) الحكم الذاتي إقامة دولة فلسطينية، وهو بذلك واصل تقاليد الكوارث التي جلبها على شعب إسرائيل السادة: مناحيم بيجن في كامب ديفيد (الأولى)، وإسحاق شامير في مدريد، وفي حال السيد بيبي (نتنياهو) من الجدير أن نضيف أيضًا اتفاق الخليل الذي أدى إلى إقامة الجيتو الأول في أرض إسرائيل، وهذا في مدينة الأجداد، وقد سبق أن قالوا في ذلك إذا ألقى مجنون حجرًا في بئر ماء فلن يستطيع عشرة عقلاء انتشاله.
وبعد أن استرسل باراك في كيل الاتهامات بالتفريط لزعيم الليكود السابق قال عندما صعدت إلى مقعد رئاسة الحكومة توصلت إلى قرار صعب بالمضي في الطريق إلى نهايته، هذا على أساس المبدأ الديالكتيكي الذي علمه لنا آباؤنا بأنه كلما اشتد الوضع سوءًا فإن الآتي سيكون أفضل في نهاية المطاف.
قلق عميق من التحولات الثلاثة الكبرى في المنطقة
وبدأ باراك في رسم خريطة التحولات الاستراتيجية في المنطقة وما تتركه من تأثيرات مباشرة على سياسة الكيان الصهيوني، ولاحظ وجود ثلاثة اتجاهات رئيسة في الشرق الأوسط وقال في ذلك خلال العقد الأخير، وعلى الأخص منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ونحن نشهد ثلاثة اتجاهات رئيسة في الشرق الأوسط يؤدي اجتماعها وتضافرها إلى تهديد وجود دولة إسرائيل.
أولها: تعاظم التطرف الإسلامي، الذي لا يتقبل أي كيان يهودي مستقل حتى ولو اسميًا، فتدمير، إسرائيل، يشكل هدفًا انتقاليًا للأصولية الإسلامية في تصادم وصراع الحضارات بينها وبين ثقافة الغرب.
وثانيها: تحضيرات مكشوفة للحرب من جانب مصر، التي يعد جيشها الآن الرابع في حجمه في العالم، وتصعيد في سباق التسلح، وبالأخص في ميدان أسلحة الدمار الشامل ووسائل إطلاقها، بمعنى التصعيد الواسع في انتشار الصواريخ الباليستية الموجهة إلى غوش دان (وسط الكيان الصهيوني)، حيث يتجمع ٧٥% من مجموع السكان اليهود.
أما الاتجاه الثالث: فيتمثل في تصاعد الكراهية «لإسرائيل»، كما عليه الحال في وسائل الإعلام العربية، وفي كتب التعليم، وفي الوعظ بالمساجد، وفي التوجيهات والتعليمات في جيشي مصر وسورية، إن غاية هذه الكراهية هي تحويل الحرب ضد دولة اليهود إلى واجب وفرض أخلاقي، تمامًا مثلما هيا النازيون الألمان بواسطة بث سموم اللاسامية للقضاء على الشعب اليهودي.
واستنتج باراك من تلك التحولات الثلاثة أن الدولة العبرية تقف على أعتاب حرب، ولكن هذه المرة في ظل معطيات أولية قاسية وصعبة، بما لا يمكن مقارنته بالنسبة «لإمكانات) إسرائيل.. على حد قوله.
الدولة الفلسطينية والدور المصري مقدمة للحرب
وفيما يتعلق بالأخطار الاستراتيجية التي تنطوي عليها إقامة دولة فلسطينية على الأمن الصهيوني ذهب باراك إلى القول جميع المتواجدين هنا يعرفون جيدًا أن الدولة الفلسطينية هي اختراع مصري كل غايته وهمه إعداد لوح قفز لتدمير إسرائيل، فليس للدولة الفلسطينية أي مغزى آخر.
ونفى من جانبه حق الفلسطينيين في تحقيق الاستقلال الوطني من خلال دولة يجسدونها على الأرض لأن هناك دولة فلسطينية بكل معنى الكلمة قائمة منذ عشرات السنين في الأردن، يتمتع الجمهور الفلسطيني فيها بأغلبية تامة تصل إلى نسبة ٧٥% على حد زعمه!
وعاد ليكرر المخاوف بقوله: لن أعود لأكرر النبوة القائمة لإسحاق رابين في هذا الخصوص، لكن من الواضح لنا جميعًا أنه إذا قام كيان عربي غرب نهر الأردن فسيبدأ العد التنازلي لدولة اليهود، عد سيكون قصيرًا جدًا، فإذا كنا تواقين للحياة فإن علينا أن نفعل كل ما بوسعنا من أجل درء هذا الخطر.
ومن الواضح أن ما أفصح باراك عنه لا يخلو من بعض الغموض رغم حدثه الشديدة، فهل الأخطار التي يراها في دولة فلسطينية وشيكة تنطبق كذلك على حالة إقامتها في نطاق لا يحظى بأي تواصل جغرافي ضمن البؤر السكانية العربية المعزولة بالوجود العسكري والاستيطان؟ أم أن مكمن القلق يبدو فقط في حالة إقامة دولة في كامل الضفة والقطاع تتمتع بمقومات التواصل الجغرافي والسيادة الفعلية على الأرض، فضلًا عن السيطرة على المعابر الحدودية والبينية والإمدادات التسليحية؟!
قلق من تدهور إرادة القتال وعرض إيهود باراك صورة قائمة للواقع الداخلي، خاصة في ظل سيناريو الحرب المحتملة في المنطقة التي سبق وأن أشار إليه وحذر بدوره من الفجوة الآخذة في الاتساع في كل يوم في ميزان القوى العسكرية بين الجيش الصهيوني وجيوش العدو (الجيوش العربية)، هذه المشكلة تعتبر في حد ذاتها خطيرة للغاية، وأنا لا أتنصل أو أتخلى عن مسؤوليتي في هذا الصدد خلال المدة التي كنت فيها رئيسا لهيئة الأركان العامة.
مخاوف إسرائيلية
جاء في التقرير السنوي الذي قدمه الجنرال أموس مالكه- رئيس الجهاز الإسرائيلي للمخابرات العسكرية بالتنسيق مع الموساد وشين بيت أن أخشى ما يخشاه الجيش الإسرائيلي، أن تفشل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وتتطور الأمور في قطاع غزة والضفة إلى حرب العصابات على الطريقة اللبنانية، لذلك ينصح التقرير رئيس الحكومة بتقديم تنازلات فيما يخص القدس الشرقية..
لكن الأمر الأخطر من التخلف العسكري يتمثل في الحالة المتقدمة لعفونة وترهل القيم، التي تقوض وتنخر معنويات الجمهور (اليهودي)، والتي تنعكس على الجيش الإسرائيلي وليس سرًا أن قوات الاحتياط التي تشكل ثلثي القوات المقاتلة تمر في مراحل انهيار.
فلقد غدت إسرائيل فريسة تتنازعها من الداخل أحقاد الأشقاء، والاغتراب تجاه مستوى صانعي القرار، والهرب من المواجهة، والأسوأ من كل ذلك شعب مصاب بعمى وضعف بصيرة، ومثقل بتاريخ وأوهام حول السلام، وجمهور تم غسل دماغه بواسطة وسائل إعلام انهزامية تسيطر عليها طغمة يسارية تعمل في خدمة العدو.
وخلص باراك من ذلك العرض الدراماتيكي للقابليات الداخلية الإسرائيلية لمرحلة صعبة وقاسية إلى القول: أعترف دون خجل أن القرار الذي تبلور في أعماقي كان قرارًا قاسيًا ومؤلمًا، فلقد ترددت كثيرًا قبل أن أصل إلى قراري، لكنني في نهاية المطاف لم أجد أمامي أي خيار آخر سوى المضي في الطريق حتى النهاية.
وحدد باراك مفهومه لـ المضي في الطريق حتى النهاية، بإسهاب كبير، وهو ما يصلح لأن يكون كشفًا عن التوجهات الاستراتيجية التي تعتمل في ذهن باراك في المرحلة الراهنة، رغم صعوبة قيام سياسي مثله بالكشف عن أهدافه ومراميه المحددة، خاصة أمام خصومه ومنافسيه، وعلى رأسهم زعيم الليكود أرئيل شارون.
حشد الشارع خلف خيار المواجهة
واستطرد باراك يقول: لقد تمثلت المشكلة الرئيسة التي واجهتها في كيفية جمع شتات الجمهور في بوتقة حاسمة حول إجماع قومي، حتى يكون بالإمكان القيام بخطوة جريئة تقلب رأسًا على عقب اتجاهات التدمير الذاتي في هذه اللحظات العصيبة. كان واضحًا لي بأنني لن أتمكن من تحقيق ذلك عن طريق وضع عوائق في طريق مسيرة السلام، إذ إنني قد أحظى بهذا الشكل بتأييد بين فئات معينة من الجمهور في إسرائيل، لكن المعارضة داخل حزبي (إسرائيل واحدة)، ولا داعي للحديث عن بقية أحزاب (الائتلاف الحاكم)، ستكبح مثل هذه الخطوة السياسية الجريئة والشجاعة، فضلًا عن ذلك فقد كان من الممكن على الصعيد الدولي أن تعود الصورة السلبية التي وضعت إسرائيل في عزلة، والتي نشأت كما تذكرون في عهد نتنياهو.
الحل الوحيد الذي لاح في الأفق كان دفع الوضع إلى الانفجار، واسمحوا لي هنا أن أضيف إسهامًا متواضعًا من جانبي للقول المأثور للكاردينال ريشليا الذي اقتبسته في مستهل كلامي فصحيح أن حالات الأزمات هي فرصة السياسي بعيد النظر، إلا أن السياسي القدير لا يكفي أن يستغل لحظات الأزمة، بل عليه أن يولدها ويصنعها بذاته، وهذا ما فعلته لقد التزمت على الورق فقط، إذ أنه عمليًا كما تعرفون لم يحدث شيء من التنازلات على أرض الواقع، لكن باراك استثنى من ذلك الانسحاب من لبنان الذي تم يثمن باهظ محاولًا منح أقواله المصداقية، ولكنه الحل الأقل خطورة، كما ذكر.
واسترسل يقول: «سلسلة الانسحابات التي التزمت بتنفيذها أكسبتني مديح وسائل الإعلام في إسرائيل وفي الخارج من جهة، وتأييد اليسار في حزبي وحزب ميرتس من جهة أخرى، وراجت النكات بشأني في أروقة مكتب رئيس الوزراء والكنيست كنت أسمع ذلك وأضحك في أعماقي.
الخطوة الأخيرة التي كان من المفروض لها أن تولد الانفجار في المنطقة هي كامب ديفيد ٢- فهناك بعث ظاهريًا كل شيء، لن أنسى أبدًا يدي التي ارتعدت حينما وقعت على الوثيقة المخيفة التي انطوت على مقامرة على وجود دولة اليهود. لكن عليكم الاعتراف بأن المقامرة نجحت كما يجب فالشهية العربية وصلت إلى حدود غير محتملة من ناحيتهم، وعندما مرت أيام وأسابيع من دون أن يحصلوا على جبل الهيكل (الحرم القدسي)، ولا على القدس وكذلك بعدما رفضت بشدة وحزم تطبيق اتفاقية وأي ريفر، جاءت اللحظة التي اشتعل فيها فتيل التفجير العربي حيث انفجرت الشحنة بكامل قوتها».
وأضاف باراك مستخدمًا تعبيرات صارخة تمتهن العرب والإسلام يقول: «خلال ساعات قليلة ظهرت البربرية الإسلامية على حقيقتها، وكشف العدو عن وجهه، إنه التعطش العربي للدم الذي عبر عن نفسه في هتافات «اذبح اليهود»، في إسرائيل وخارجها، ووصل إلى كل بيت يهودي أما حقيقة أن بيبي (نتنياهو) يتفوق علي في استطلاعات الرأي فهي لا تنطوي على شوق لأيام حكومة نتنياهو الفاشلة، وإنما هي تعبير عن الجزع العميق إزاء الوضع، وتأكيد أن المجازفة التي قمت بها كانت صحيحة.
فلقد حصل ما لم أكن أنا شخصيًا أتوقعه، حتى من صفوف الطابور الخامس اليهودي، وليس هناك تعبير أدق لوصف تعاون اليسار الراديكالي مع أسوأ أعداء إسرائيل، فحتى في صفوف طغمة اليسار النجسة هذه ظهرت خلافات وتصدعات وكان هناك من بينهم من ثاب إلى رشده، وإن كنت لا أعول على ذلك، خلاصة الأمر: أن هذا هو الأوان سادتي لنستجمع قوانا، ونستغل اللحظة التاريخية المواتية لصالحنا وهذا بإدراك واضح بأن هذه هي الفرصة الأخيرة، ولن تتكرر».
تصفية القيادات الفلسطينية
الفاعلة بضربة واحدة
ثم انتقل إيهود باراك إلى ما أسماه الجانب العملي في هذا الاجتماع.. وشدد فيه على القول إن علينا أن نوجه لمصر العدو الأخطر لدولة اليهود، رسالة واضحة وحازمة بشأن ما سيواجهه أعداء إسرائيل في حال قرروا مهاجمتنا في الوقت ذاته علينا أن نوجه رسالة واضحة إلى أصدقائنا في الغرب: بأن لا يغرقوا في الأوهام، فإسرائيل لا تنوي أن تكون تشيكوسلوفاكيا ثانية، كبش فداء آخر على مذبح انهزامية الديمقراطيات الغربية الأوروبية، التي تسعى إلى خفض أسعار النفط عبر التضحية بإسرائيل، لصالح من يقود الجهاد الإسلامي.
لذلك يجب علينا أن نستوعب الرسالة التي يوجهها عدونا العربي كل صباح ومساء، وهي أننا موجودون في حرب، وفي الحرب يجب أن نتصرف كما تقتضي الحرب ومن حسن حظنا أن عرفات لم يتمكن بعد من بناء جيش مزود بسلاح ثقيل ولم يوقع بعد على اتفاقات ومعاهدات ملزمة لتعاون عسكري مع مصر ورغم ضيق الوقت فلازال ممكنًا حتى الآن خنق القدرة العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية وهي في مهدها، بإلحاق عدد ضئيل من الإصابات في صفوفنا.
علينا أن نعي بأن عرفات ومن يواليه على غرار أي نظام حكم مستبد، يتحكم في كل النشاطات العسكرية (في مناطق السلطة الفلسطينية)، إن تصفية جميع القيادات في غزة ونابلس ورام الله وأريحا، وأؤكد كل القيادات بضربة ساحقة مركزة واحدة، سيؤدي إلى القضاء على البنية التي تقف وراء الاضطرابات وأعمال الشغب في مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وغزة يجب أن نوقف فورًا تشغيل العرب في إسرائيل، ليذهبوا ويعملوا في مصر والأردن بأجرة دولارين لليوم، لدى صاحب العمل المحلي، وليتعلموا درسًا في الاقتصاد العربي وحقوق العمال في الدول العربية.»
توجهات صارمة تحكم الخناق
على فلسطينيي ٤٨
وفيما يتعلق بالتطورات الأخيرة في أوساط فلسطينيي المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م، والتي تمثلت بتفاعلهم الواسع مع انتفاضة الأقصى واستهدافهم بالاعتداءات ذكر باراك لن أكشف أسرارًا لأي من المتواجدين في هذه الغرفة إن قلت إن الطابور الخامس المتمثل بعرب إسرائيل، يعمل اليوم بتناغم كامل مع عرفات وبهذا تخطى هؤلاء العرب للمرة الأولى الحد الفاصل بين العداء السلبي والتأييد العلني للعدو فمرة رقصوا ابتهاجًا على السطوح في الناصرة والطيبة، عندما كانت الصواريخ العراقية تنهال على غوش دان، وفي سياق آخر يقوم أعضاء الكنيست العرب الذين يمثلون منظمة التحرير الفلسطينية بكل معنى الكلمة، باستغلال الديمقراطية الإسرائيلية من أجل تدميرها من الداخل.
علينا أن نتذكر بأن الديمقراطية هي طابع نظام وليست وصفة لانتحار وضياع قومي يتوجب علينا بناء على هذا أن نفرض ونطبق القانون والنظام على العرب في إسرائيل، كما في كل دولة تحتكم للقانون، فحق الانتخاب والتصويت الذي منح في حينه للعرب في إسرائيل من دون مطالبتهم بالولاء التام للدولة؛ كان خطأ مأساويًا نعاني الآن من نتائجه وثماره البائسة المرة.
وأعرب باراك عن استيائه الشديد لأن فلسطينيي ٤٨ يتمتعون بما يصفه بـه الحق في التآمر علنًا ضد كيان الدولة، وتشجيع مشاغبين، وإرسال مخربين محكومين (أمنيًا) إلى الكنيست. وهي إشارة صريحة لحالة النائب العربي عبد المالك دهامشة من القائمة العربية الموحدة الذي حكم بتهمة أمنية في العام ۱۹۷۱م، واعتقل على إثرها في السجون الصهيونية لمدة سبع سنوات.
واستطرد يقول: لا يمكن للعقل أن يحتمل التعاون الكامل مع العدو، فيجب أن تحل فورًا جميع التنظيمات التآمرية لعرب إسرائيل، وفي مقدمتها لجنة المتابعة العليا، ويجب إخلاء جميع القرى العربية غير القانونية التي أقيمت على أراضي الدولة بصورة فورية، وإعادة سكانها إلى الأماكن والبلدات التي قدموا منها.
ولم يغفل التحذير من الخطر الأسوأ من العدو الخارجي، ألا وهو الروح الآثمة المتمثلة باليسارية اليهودية قائلًا: إن بلورة وحدة وطنية كما يليق ويتعين على أمة تخوض حرب منوط بعزل العدو الداخلي، أي اليسارية الراديكالية المتحالفة مع العدو وهذا يمكن عمله فقط عن طريق توحيد الأحزاب الصهيونية في نضال مشترك ولا زال الوقت متاحًا لذلك، فبالإمكان بلورة ائتلاف يضم مائة عضو كنيست على قاعدة برنامج يهودي صهيوني، وبهذه الطريقة يتم تحييد وتهميش (حزب) ميرتس والعرب.
تعزيز النفوذ لدى الولايات المتحدة وأوروبا الموحدة
وحتى لا يتهم بنثر الوعود الحالمة أعرب باراك عن توقعه بإقبال أيام عصيبة من العنف في أرض إسرائيل، ومن التحريض الأهوج من الخارج، وبشدة أكبر من الداخل، ومن تهديدات الحرب، لكن ليس هناك مخرج آخر، فذلك هو البديل الوحيد الوارد في الحسبان.
ورأى أنه من الجدير أن نتذكر أن شعب إسرائيل لم يقف في أي وقت مضى إزاء خيار بين أفضل وأسوأ، وإنما بين سيئ وأسوأ منه.
وعلينا أن نرفع قامة يهود الشتات الذين يتطلعون نحونا بذهول وجزع على مصير دولة اليهود التي تبدو في نظرهم كمن فقد صوابه واتزانه علينا أن نقوي مركزنا ونفوذنا في الكونجرس الأمريكي مركز القوة الأكبر والأهم في العالم، الذي نرد يده الممدودة بغبائنا مرارًا وتكرارًا.
أليس هو الكونجرس الذي قرر قبل أسبوعين فقط من وقت إلقاء الخطاب بأغلبية مطلقة اتخاذ موقف معارض بحزم لإعلان أحادي الجانب عن دولة فلسطينية، وفرض عقوبات صارمة على السلطة الفلسطينية، كذلك كان مجلس الشيوخ في واشنطن قرر قبل أسبوع فقط بأغلبية ٩٥ عضوًا تحميل وإلقاء كامل المسؤولية عن موجة العنف الحالية على عاتق عرفات وبدأت تسمع هناك مجددًا أصواتًا تنادي بإحضار هذا المجرم (في إشارة إلى الرئيس الفلسطيني) للمحاكمة بتهمة قتل مواطنين أمريكيين.
المجموعة الأوروبية أيضًا ليست موحدة في عدائها تجاهنا، إن ضعفنا الظاهر هو الذي يجلب الضغوط علينا، لكن الأوروبيين يدركون جيدًا من يقف مقابلهم، فهم بخلافنا يتميزون بذاكرة تاريخية، إنهم يذكرون جيدًا أن الهزيمة التي لحقت بهم في معركة حطين في أواخر القرن الثاني عشر للميلاد أوصلت الإسلام إلى مداخل فيينا في نهاية القرن السابع عشر- نحن نمثل بالنسبة لهم الخندق الأمامي للثقافة الغربية في هذه المنطقة، فضلًا عن كوننا حليفًا موثوقًا وقويًا، ولكن ذلك مشروط بأن نعكس تصميمًا وقوة.
ومع ما انطوى عليه خطاب باراك من تماد في الإفصاح عن توجهات عدائية فاضحة وميول عنصرية صارخة، يبقى في حكم المؤكد أن المنطقة مقبلة على حقبة عاصفة، إن تمت ترجمة مضمونة على أرض الواقع وقد لا يبدو مستبعدًا أن حدة الخطاب جاءت متلائمة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الاحتلال مع طبيعة النخبة العسكرية والأمنية واليمينية التي كان يتحدث إليها باراك في مقر وزارة الحرب، فهل يعكس ذلك بالفعل ما يدور في رأس صانع القرار الأول في تل أبيب، أم أنها محاولة لاستمالة معسكر الصقور، لإنجاز شراكة حرب استراتيجية، تضمن له مستقبلًا سياسيًا في اللحظة الأخيرة هذا ما قد تكشف الأشهر المقبلة عن حقيقته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل